لاجئون: لا أحد يريد السلام لسوريا

كرماني وزامان على درب اللاجئين من أزمير إلى بودابست.


لم يكن من قبيل الصدفة أن صورة طفل غارق كانت هي التي اخترقت دون غيرها الوعي الجمعي ومهدت طريقًا للتعاطف


رأيت في الرحلة من ميتيليني على الساحل الشمالي الكيفية التي على الأغلب تهاجر بها الشعوب

سافر نافيد كِرماني بتكليف من مجلة "دير شبيجل" بالاشتراك مع المصور مُويْزِز زامان عضو جمعية "ماجنوم فوتوز" المرموقة للمصورين الصحفيين المحترفين في رحلة على واحد من أكبر دروب اللاجئين متخذين الاتجاه المعاكس من بودابست عاصمة المجر إلى مدينة إزمير على الساحل التركي الغربي، ثم زاد على التقرير الذي نشرته مجلة "دير شبيجل زيادات جوهرية من أجل وضع كتابه "بُزُوغُ الحَقِيقَةِ على دُرُوبِ اللَّاجِئينَ عَبْرَ أُوروبا" الذي ترجمته د.نيرمين الشرقاوي وصدر عن دار صفصافة أخيرا.
يصف كِرماني في رحلته الوضع على الساحل التركي الغربي حيث يقيم كثير من اللاجئين في ظروف من أتعس ما يكون في انتظار عبور البحر في رحلة محفوفة بالمخاطر، ثم راقب وصول الناجين منهم إلى جزيرة "ليسبوس" اليونانية وما يعايشونه من صدمة حضارية. وتحدث مع السياسيين والمتطوعين في أعمال الإغاثة، لكنه تحدث في المقام الأول مع اللاجئين أنفسهم - النازحين من سوريا، وأفغانستان، وبلاد أخرى - حول دوافعهم، وما الذي يجعل الكثيرين منهم يتوجهون إلى ألمانيا؟
هجرات جماعية
يقول كِرماني "رأيت في الرحلة من ميتيليني على الساحل الشمالي الكيفية التي على الأغلب تهاجر بها الشعوب: سلسلة طويلة لا تريد أن تنتهي من المجموعات الصغيرة والمجموعات الأصغر، تنفصل عن بعضها بعضا بمسافات متفاوتة وترتيبات متبدلة؛ فمرة يسيرون على التوالي في طابور مثل الإوز، ومرة ترى ثلاثة أو أربعة يجاور بعضهم بعضًا، ولا يبدو أن ثمة رابطًا ما بين هذه المجموعات أقوى من وجهتها المشتركة، إذ حتى لو كانوا من نفس البلد عادة ما يكونون من مدن ومناطق مختلفة، وحتى داخل المجموعات الصغيرة غالبًا ما يكون الناس غرباء عن بعضهم البعض، مجرد معارف بحكم الصدفة، صاروا جماعة تتقاسم المصير نفسه، في البداية يظل الأربعون أو الخمسون الذين ركبوا نفس القارب المطاطي كلهم، لكن بمجرد بلوغهم المحطة الأولى يتفرق الجمع قبل حتى مئة متر من فندقي، حيث يعود أفراد الأسر إلى بعضهم البعض، بينما يتقدم الجموع الشباب القادمين وحدهم".
ويضيف "إنهم الشبح المرعب الذي تخشاه أوروبا: الرجال القادمون بمفردهم، الذين يريدون دخول أوروبا، الشباب من المسلمين الذكور! أولئك الذين تحذر منهم خطابات القراء والبرامج الحوارية، لكن هل هم حقًّا متدينون؟ إن مظهرهم لا يشي بشيء، نادرًا ما نجد أحدًا قد أطلق لحيته، لا أحد يرتدي الجلباب التقليدي، لا يتوقفون للصلاة جماعة في أي مكان، لو فكرنا في ظروفهم مثل متى كانت آخر مرة تحمموا فيها؟ متى كانت آخر مرة ناموا فيها على فراش؟ لقلنا إذن إن هؤلاء حليقو الذقن بشكل لافت، وهذا وحده قد يكون إحدى علامات التمرد في الديكتاتوريات الإسلامية، ولربما كانت كذلك فعلًا، ففي الأخير هؤلاء هم تحديدًا السوريون والعراقيون والأفغان الذين هربوا من الظروف التي من الممكن فيها أن يُحكَم عليهم بالإعدام بسبب الحلاقة، لكن الرجال يمثلون الأغلبية العظمى من اللاجئين، ونعم أغلبهم صغير السن 18 و20 أو 25 عامًا، وعلى أي حال لربما يكون لذلك سبب بسيط لم يتضح لي سوى في ليسبوس بشكل جلي ومباشر؛ على الأرجح فإن هؤلاء هم مَن ينجحون في تخطي العقبات والأخطار، والإجهاد البدني العنيف، الذي تنطوي عليه مسألة طلب اللجوء السياسي في أوروبا، ولأن هذه المسألة تجبرهم على ركوب القوارب المطاطية، والسير لمسافات تطول لأيام، فإن حق اللجوء السياسي لأوروبا يمارس عن غير قصد عملية انتخاب للأقوى جسديًّا، وكذلك للمعوزين، أي للفقراء الذين بطبيعة الحال لم يعتادوا رغد العيش.

إن 55 كيلومترًا لَمسافة طويلة، وخصوصًا حين يبدأ المسير في اللحظة التي يكون فيها الإنهاك قد نال من الإنسان، أو بدأ يتضوَّر جوعًا، وليس معه أحذية مناسبة، ولا ملابس ثقيلة، ولا أي زاد للطريق، ثم يجر نفسه جرًّا بلا نهاية عبر 55 كيلومترًا، ولعل كل سيارة ذات مقاعد خالية تتحول إلى مصب للكراهية، هذا ما افترضته، ولعل مجرد زجاجة مياه يناولها مستقل سيارة عبر النافذة تتحول إلى هدية من السماء، وهذا قد تأكدت منه في الرحلة إلى الساحل الشمالي".
الأنظمة الأوروبيَّة والحدود
ويلفت كِرماني إلى اضطراره بعد قيام المجر بإغلاق الحدود إلى صربيا أمام اللاجئين، إلى السفر من بودابست إلى مدينة "شيد" بمحاذاة الحدود الصربية مع كرواتيا، وبمجرد أن وصلنا إلى المعبر الضيق سمحت كرواتيا للاجئين بالعبور بعد أن كانوا قد مكثوا لأيام في المقابر ما بين النقطتين الحدوديتين، رأينا مخلفاتهم بين شواهد القبور: خيام عادية قدمها لهم المتطوعون، الحفاضات، زجاجات مياه، كُتيِّبات تبشير بالدين المسيحي مطبوعة بلغات مختلفة، معلبات فارغة، أغطية، مع كثير من القمامة، بعد بضعة كيلومترات إلى الغرب بدأ النظام الأوروبي يرجع إلى طبيعته من جديد، كان البوليس الكرواتي يجمع اللاجئين في سيارات الترحيلات ويوصلهم إلى معسكر بالقرب من منطقة أوباتوفاك، لم يبد عليهم الغضب على الإطلاق حين وصلوا، بل بدوا مرتاحين أن الرحلة مستمرة أصلًا، أيضًا أثناء وقوفهم لتسجيل أسمائهم لم تصدر عنهم أي شكوى، ورغم سوء الأحوال - نحن نتحدث عن معسكر أصغر من أن يستقبل عدة آلاف من اللاجئين الوافدين يوميًا، قد أُقيمَ ارتجاليًا من خيام الجيش في وسط حقل تهب عليه رياح الخريف الباردة - ورغم ذلك سادت أجواء العمل: لا صوت يرتفع بكلمة، أحيانًا تَنِدُّ ابتسامة هنا أو هناك، وكان ناشطو الإغاثة يُسَرّون عن الأطفال إن اقتضت الضرورة. 
ويتابع كِرماني "أجريت بالصدفة حوارًا مع وزير الداخلية الكرواتي رانكو أوستوجيتش، الذي خرج من سيارة الخدمة مرتديًا بنطلونًا مريحًا مخصصًا للسفر، وكأنه هو أيضًا سيبدأ المسير إلى ألمانيا. سألته: ماذا كان سيحدث لو أن الألمان أغلقوا حدودهم؟
ـ هذا لا يجوز.
ـ لِمَ لا يجوز هذا؟
ـ الناس البائسون إلى هذا الحد لا يمكن لك أن توقفهم، إن مُنعوا النفاذ من نقطة بحثوا عن غيرها، وإذا شَيدتَ أسوارًا فسيظلون جالسين أمامها إلى أن لا تعود قادرًا على تحمل منظرهم، وأخيرًا فإن الطريقة الوحيدة لتوقيف اللاجئين هي إطلاق النار عليهم، لا أحد يريد هذا. 
ويشير "إن هذا يتطلب من ألمانيا أن تقبل أكثر من مليون لاجئ خلال سنة، وبالتأكيد فإن ذلك سيشكل عبئًا على ألمانيا في مواضع كثيرة، قد يكون تقديم المساعدات أكثر قبولًا في الأحياء الراقية والبلديات الثرية، لكن في المناطق التي يعاني فيها الناس بالفعل من البطالة والصراعات الاجتماعية؛ فمن الطبيعي أن يقابل طلب المساعدة بالتذمر حين يضاف إلى طابور المعوزين أجانب مطلوب إعالتهم، وفي كل الأحوال يجب أن يكون واضحًا ما الذي سيحدث، أو حدث بالفعل في بعض المناطق حين يكون القرار هو استخدام الشدة أو العزل، سيقسو القلب وسيحمل الهم كل الرأي العام الذي كان يعتبر أوروبا مشروعًا ونتيجة للتنوير، لن يشاهد الناس شقاء مريعًا فقط على حدود أوروبا وإنما وبشكل مباشر على حدود ألمانيا كذلك، دون أن تمتد له يد المساعدة، من أجل ذلك لا بد من شيطنة الأجنبي، سيضطر الألماني أن يكتب له مصيره بنفسه، حتى ثقافته، أو عرقه، أو دينه، لا بد أن يحقر من شأنه في الكتب ووسائل الإعلام، بل وحتى على ملصقات الجدران أيضًا، ودائمًا ما يتم تضخيم الجانب السيء فيه دون سواه، وبهذا يصنع منه بربريًّا، ويتصور أنه بكل ذلك يمنع شقاء هذا اللاجئ من أن يصيبه، هل نريد أوروبا أم لا نريدها؟".
ويضيف كِرماني "لم يكن من قبيل الصدفة أن صورة طفل غارق كانت هي التي اخترقت دون غيرها الوعي الجمعي ومهدت طريقًا للتعاطف، فالأطفال يفلتون من آليات التحقير العلني لأنه لا يمكن تحميلهم مسؤولية مصيرهم، إن من لا يرحم طفلًا لا بد أنه قد أحكم إيصاد أبواب قلبه بقوة، يجوز أن يحدث هذا، لكنه لا يحدث من دون أن تتشوه شخصيتك، كل إنسان يستطيع أن يلاحظ عبر التلفزيون كيف أن المستشارة الألمانية كانت مستاءة، كانت جسديًا مستاءة بشكل واضح للناظرين، تذكر فقط التربيتة العفوية التي صدرت عنها لأنها لم تتمكن من إعطاء الفتاة الفلسطينية الباكية سوى الإجابة الصحيحة وهي أنه لن يمكن قبول كل اللاجئين، إلا أن المستشارة بدت أكثر استرخاءً بعدها بأسابيع حين أخذت صورة ذاتية "سيلفي" إلى جوار اللاجئين، وبدت مرتاحة بشكل مدهش في اللقاءات الحوارية منذ صارت تمثل موقفًا إنسانيًّا متوافقًا مع الرأي العام الألماني. 

ويقول "لا يخرج اللاجئون من عربة ترحيلات السجن قبل أن يصلوا إلى أوباتوفاك، وهناك نجد أن طابور التسجيل قد صار أقصر إلى حد ما، أحيانًا يضطرون للانتظار خلف قضبان العربة نصف ساعة أو حتى ساعة كاملة، وهو أفضل لهم من الانتظار في هواء المساء البارد، فقط الأطفال هم من يصعب عليهم الانتظار في الحيز الضيق، يفتح الباب شرطي موكل بعربة السجن، كرواتي الجنسية، مشدود القسمات، تقريبًا في الخمسين من عمره، فتح الباب صامتًا صمتًا تامًّا، صحيح أنه كان يمد يده لمساعدة كبير في السن، أو يرفع طفلًا من العربة، لكنه لم يبتسم قط، مرة واحدة فقط وهو يرفع طفلة سورية ربما ذات خمس سنوات، لها شعر أسود ينسدل حتى كتفيها ونظرة مشرقة ودودة، مسحت بيدها المنبسطة برقة بالغة على زِيّه الأزرق من كتفيه حتى بطنه وكأنها تمسد شيئًا ثمينًا، عندها اغرورقت عيناه بالدموع، الموقف كله لم يستغرق أكثر من ثانية، لاحظ أني أراقب المشهد، فنظر في الحال بعيدًا، وكأنني باغته وهو يفعل فعلة غير مقبولة.
الغريزة الإنسانية
ويواصل كِرماني رحلته "تقع مدينة آسوس العتيقة في تركيا قبالة الساحل الشمالي من ليسبوس، وهي اليوم قرية صيد جذابة، بها عدد قليل من الفنادق والمطاعم، وعلى الشريط الساحلي الرفيع المأهول بالكاد، والذي يدور حول آسوس، يستقل معظم اللاجئين الذين مرّوا من جوار شرفتي، القوارب المطاطية، وعلى بُعد بضع مئات من الأمتار من المسرح الروماني جلس شاب على حافة الشاطئ اتضح أنه سوري من الأكراد، اسمه محمد. قال لي بلغة إنجليزية جيدة: "كان القارب مليئًا عن آخره"، أصبت بالذعر وتراجعت في اللحظة الأخيرة. لقد درس محمد إدارة الأعمال في الحسكة في شمال شرق سوريا إلى أن استولت داعش على المدينة، ولقد رأى بعينيّ رأسه في 20 مارس على مقربة منه سيارة مفخخة تنفجر مودية بحياة 26 شخصًا، ورأى أشلاءهم تتناثر، وسمع صرخاتهم العالية التي شابهت صرخات النساء في الولادة، واخترقت أنفه رائحة اللحم المحترق، ولا يزال يحلم بهذا الكابوس، لقد أقام لدى أقاربه في المدن المجاورة التي لم تحتلها داعش بعد، ثم قدَّم طلبًا من أجل الدراسة في ألمانيا، لا يذكر محمد أنه من أوائل دفعته من باب التفاخر، وإنما ليوضح لماذا كان يأمل أن يصل إلى ألمانيا بطريق شرعي؛ لأنه ببساطة من النوع الذي يخاف، ولأنه حتى بعد مرور ستة أشهر لم يتلقَ أي رد رغم متابعته لطلبه، لم يتلقَ حتى تأكيد على وصول خطابه، تجاوز خوفه وسافر في الأسبوع الماضي إلى بيروت - يقول محمد" فالوصول بشكل مباشر من شمال سوريا إلى تركيا صار مستحيلًا، بينما تسمح تركيا للجهاديين بالمرور في الاتجاه المعاكس منها إلى سوريا" - ثم سافر من بيروت إلى إسطنبول، بعدها استقل الحافلة إلى إزمير، حيث التقى بالمهرب.
ويستطرد محمد: "لا أحد يريد السلام لسوريا، ستبقى داعش، وسيبقى الأسد، لا أحد في العالم بأسره ينتفض ليُغيّر ذلك".