لوتس عبدالكريم تكشف النقاب عن الذين عاشوا معها

الكاتبة المصرية تؤكد أنها حجبت الكثير الذي تحفظ وتعرف؛ حتى لا تغضب الأحياء من أسرهم الذين ترتبط معهم بصداقةٍ طويلةٍ وعِشْرة عُمر ممتد.


أعراف المجتمع وتقاليده ما تزالان تحدان من أدب الاعتراف والبوح وترجمة الذات وكشف مكنونها، وعرض أسرارها


الكاتبة بدأت حياتها بنشر عملين روائيين في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي

تقول الكاتبة الدكتورة لوتس عبدالكريم عن كتابها الجديد "عاشوا معي": حاولتُ في كتابي هذا أن أستجلي، وأستبطن، وأكشف الشخصيات غير المألوفة التي تناولتها بالتحليل النفسي، والتعليل، والنقد، والتفسير الأخلاقي، والعرض المستبصر الواعي لجوانب أو جانب الشخصية المختارة، والتعبير عن مشاعري الفكرية والشخصية إزاء بعضهم، خصوصا الذين عايشتهم لسنواتٍ عديدة، وبقدر ما يمكن تصنيف هذا الكتاب بأنه ترجمة ذاتية، أو سيرة ذاتية كتبتها أنا عنهم، فهو في الوقت نفسه جزءٌ مكمِّل لسيرتي الذاتية، التي كتبتها في كتبي السابقة، خصوصا (رحلة البحث عني - رواية حياة)، و(سيرتي وأسرارهم)؛ لأنني لا أكتب إلا عن شخصياتٍ عرفتها من قرب، وعشت إلى جانبها، وتبادلتُ معها الجدال والنقاش كثيرا، ولذا ما أكتبه عنهم هو في أكثره معرفة خاصة، ونتاج حوارات ثنائية بيني وبينهم، وليست موجودةً في كتبٍ أو مراجع أو مستندة إليها، على الرغم من دراستي الأكاديمية؛ حيث فضَّلت كتابة ما أعرف.
وتضيف: على الرغم من تخصُّصي في أدب السيرة الذاتية؛ فإنني أقول إن الأدب العربي ما زال يفتقر إلى هذا النوع أو الجنس من الفنون الأدبية، وإن كتَّابه قليلون مقارنةً بفنون وأجناس الكتابة الأخرى مثل الشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرحية، رغم أن له جذورا ممتدة وعميقة في التراث العربي، لكن يبدو أن أعراف المجتمع وتقاليده ما تزالان تحدان من أدب الاعتراف والبوح وترجمة الذات وكشف مكنونها، وعرض أسرارها؛ خشية أن يُشكِّل ذلك عيبا أو انتقاصا من صاحب السيرة.

حسن فتحي هو أول مصري يحصل على جائزة نوبل، جمال حمدان مؤسس جغرافيا الحياة

وأعترف أنني أعرف الكثير عن أشهر الشخصيات التي كتبت عنها هنا في هذا الكتاب؛ لكنني في المقابل أقول إنني قد أهملت أو أسقطت أو حجبت الكثير الذي أحفظ وأعرف؛ حتى لا أغضب الأحياء من أسرهم، الذين أرتبط معهم بصداقةٍ طويلةٍ وعِشْرة عُمر ممتد، وآثرت هنا أن أثبت أو أختار أو أنشر أجزاء من سيرة هؤلاء، تمثل حقائق مهمة وكاشفة في حيواتهم الإنسانية على وجه الخصوص، معتمدة على حِسِّي وحدْسي، اللذين كبرا معي منذ دراستي الفلسفة وعلم النفس في كلية الآداب جامعة الإسكندرية.
وتؤكد عبدالكريم أن كتابها يقدم إسهاما ما، ويطيل النظر، ويحدد ملامح بعض ممن عرفتُ في مجال الأدب والموسيقى والفنون التشكيلية والدبلوماسية والسياسة والتاريخ و ...، على الرغم من القيود التي أحطت بها نفسي لحظة الكتابة عن أغلب الشخصيات.
وتضيف: ما أقدمه هنا هو محاولة من محاولاتي المتعاقبة في فن السيرة أو الترجمة الذاتية لي أو للآخر الذي اقتربتُ منه، وتقديم ميوله وأفكاره، وليست حكما باتا نهائيا، لأنني أكتب لأمتِّعَ نفسي أولا، ثم يصير جدل وحوار جاد حول ما أطرح من مساهمات ومشاركات، لأنه ليست هناك كلمة أخيرة في الكتابة.
إن الكتابات تتنوع في كتاب د. لوتس عبدالكريم الجديد بين مذكرات، وذكريات، ويوميات، وتأملات، ومشاهدات، وملاحظات، ومدونات، وقراءات، ووثائق، وأحداثا، ووقائع، واعترافات، وروايات، وحكايات قصيرة، ومواقف، وذلك أسلوب تتبعه فيما تكتب، معتمدةً على انعكاس كل هذا على روحها وشخصيتها الفردية، لأنها في سياق الذين تتناولهم بالكتابة تكشف أيضا عن ذاتها، تخدمها في ذلك ذاكرة مثقلة بالتفاصيل، والدقائق، والحقائق، ودخائل النفس؛ فتستعيد ما مضى، والذي تعتبره إرثًا لها.
وتقول: ليست غايتي هي الهتك والفضح، ولكنني أهدف إلى إحياء ذكرى من كانوا قريبين مني فكريا وروحيا ومزاجيا وسلوكيا وخلقيا، ومنهم من كان أحد مكوناتي الثقافية والشخصية.
مضيفةً: في هذا الكتاب ابتعدتْ "أنا" الكاتب دون زهو أو إعجاب؛ لتظهر جليا "أنا" المكتوب عنه في صراحةٍ ووضوحٍ، دون تزييف أو تشويه أو مبالغة أو ادّعاء أو تمويه أو تضليل؛ لأنني لا أكتب لأقتصَّ من أحدٍ، بل أكتب عمَّن أحب وأقدِّر، وقد اجتهدتُ في كتابة الحيوات المنسية لشخصياتي.
لقد حاولت لوتس عبدالكريم تحرِّي الحقيقة والصدق والأمانة  في تجرُّدٍ إلا من انحياز الكاتبة المُحِبَّة كعادتها في حياتي، وفيما تكتب، وبنيتُ هذا الكتاب بنبضاتها وخلجاتيها، معبرةً عن قناعاتها، ساردةً ذكرياتها، وتجاربها، وانطباعاتاتها، وخبراتها، وما هو مشترك بينها وبين من تكتب عنهم، وترسم صورةً لعوالمهم الظاهرة والباطنة.
وتقول: إن كنتُ وقفتُ طويلا أمام المميزات والفضائل والمآثر، فقد مررتُ سريعا أمام المآخذ والعيوب والنقائص؛ لأنني هدفت إلى الإعلاء والإحياء، وثانيا لأنه لا يوجد أحدٌ على هذه البسيطة خالٍ من المثالب، فأنا  عندما أكتب عن الآخر الذي أختار؛ فأنا أكتب عن الذات التي تصوِّر أحوالها الشعورية، ومقاماتها في السفر، ومواجيدها  في الغربة، ومجاهداتها في المواجهة والمجابهة، وفيوضاتها النفسية، وتجاربها الروحية، ولعل الفلسفة التي درستُها في سنواتي الجامعية كانت مرشدا لي ومعينا في محاولتي هذه، إذ عشتُ طويلا في لُجج الشك والحيرة، وخُضتُ بحارا كثيرة في الغربة عن الوطن مبكرا .

استخدمت د. لوتس عبدالكريم قالبا روائيا في كتابها "رحلة البحث عني – رواية حياة"، وفي هذا الكتاب الجديد تعتمد بشكلٍ أساسي على المقالة النثرية والمحاورات، فهو ليس بعيدا عن القالب الروائي أيضا، خصوصا أنها بدأت حياتها بنشر عملين روائيين في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، حيث لم تختف أبدا ذاتيتها في هذا الكتاب، دون مواربة أو نكران.
وإذا كان سقراط قد نادى بمعرفة النفس عبر مقولته الخالدة "اعرف نفسك"، فقد نحوت عبدالكريم هذا المنحى في أهمية معرفة نفوس الآخرين الذي كتبتهم، وكذلك معرفة نفسها من خلالهم، وهي  لم تفصل هنا بين السيرة الذاتية لها، والسيرة الغيرية للآخر  الذي اختارته، على الرغم من أن الأولى أوثق صلةٍ بها  من سواها ، لكنها كانتُ في هذا الكتاب في حالة تذكُّر مضنية، إضافةً إلى المُعايشة والمشاهدة، ملتزمةً جانب الحقيقة، والأمانة بشكلٍ صارم، تعلمته من أساتذتها في الفلسفة مثل يوسف كرم، وثابت الفندي، وأبو العلا عفيفي وغيرهم.
احتوى كتاب "عاشوا معي" للكاتبة د. لوتس عبدالكريم على شخصيات وعناوين مثل صيغت في أبواب مختلفة، ففي باب حضارة الحرف نجد: توفيق الحكيم الذي كان يمنع الطامعين في جيوبه، توفيق الحكيم  الذي كان شاهدا على الزواج السري لعبد الوهاب، توفيق  الحكيم بين عبدالناصر وأنور السادات، نجيب محفوظ في حوار نادر معه، مئة عام على مولد إحسان عبدالقدوس، "لُولَا" زوجة إحسان عبدالقدوس، بيت إحسان عبدالقدوس، يوسف السباعي دافع عن فلسطين فقتله فلسطينيون، دولت حبيبة يوسف السباعى، إنه إسماعيل السباعي، مصطفى محمود بين ثلاثة رؤساء لمصر، يوسف إدريس الثائر المُحتج دائمًا، سيمون دوبوفوار .. امرأة غير عادية، الوصية الأخيرة لبرتداند راسل، إلى صالون الشموع من ولادة ومي، سيدة الصالون اسمها مي.
وفي باب حضارة الموسيقى كتبت فصولا بعنوان: هكذا أحتفل بميلاد الموسيقار محمد عبدالوهاب، "جندول" محمد الموجي في بيتي، 
وعن حضارة اللون كتبت: متحف محمد محمود خليل وكنوزه التى لا تُقدَّر بثمن، اللوفر مشهد سحرى كالرؤيا، ثلاثة فنانين تشكيليين أسأل عنهم دائما، ثلاثة فنانين أوقدوا شمُوعهم: عبدالعال الذي لا يُنسى، رمضان عبدالمعتمد معتمد الجمال الخالص، علاء عوض ابن تراث الحرية، الشيخ رمضان سويلم الذي أبهر ألمانيا بفنه الفطري. 
 وفي باب حضارة الحجر والبشر كتبت لوتس عبدالكريم: حسن فتحي هو أول مصري يحصل على جائزة نوبل، جمال حمدان مؤسس جغرافيا الحياة، عندما أمر عبد الناصر بحذف  الخديو إسماعيل، كانت المحروسة دائما خضراء، بطرس غالي يرتجف خوفا على عدم استعادة القدس، ليا مارية نادلر بطرس غالي
وفي حضارة السَّفر والرحلة كتبت: أنا في جامعة جوتة، أثق فيما شكَّ فيه جوتة، عندما ينحني المنتصر أمام المهزوم، أين الساحر سليمان عبقري العيون؟ أيام في أرض الأحلام.
وفي باب حضارة النور: الطريق إلى الله، يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، آثارنا تتسوَّل المال والاهتمام.