محاضرات الخضري لطلاب الجامعة المصرية الناشئة

القائمون على أمر الجامعة المصرية اختاروا – في بداية الأمر - المؤرخ والأديب جورجي زيدان لتدريس التاريخ الإسلامي بها.


أهمية ومكانة كتاب الخضري ترجع إلى أنه من أوائل الكتابات في مجال الدراسات التاريخية في العصر الحديث


حب الخضري للأدب والشعر حاضر في كتابته للتاريخ وعرض الأحداث

مع إنشاء الجامعة الأهلية المصرية سنة 1908 ثم الجامعة المصرية الرسمية التي أنشئت سنة 1925 كان لزاما على المحاضرين فيها إصدار كتب شاملة توجه إلى طلاب الجامعة الناشئة على نمط المؤلفات الحديثة يمثلها المحاضرات التي ألقاها الشيخ محمد الخضري بك (1872 ـ 1927) وغيره، ومن ثم كان الكتاب "محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية.. الدولة الأموية" للشيخ الخضري الذي حققه وعلق عليه د.محمد إبراهيم أحمد، والذي تناول أحوال العرب قبل الإسلام سياسيا واجتماعيا ودينيا ثم تطرق للبعثة النبوية وما صاحبها من غزوات وأحداث، أعقبها الحديث عن فترة الخلافة الرشيدة وعرض ما بعدها لدولة بني أمية من نشأتها حتى السقوط.
وللكتاب قصة يلفت إليها د.محمد إبراهيم "أن القائمين على أمر الجامعة المصرية اختاروا المؤرخ والأديب جورجي زيدان لتدريس التاريخ الإسلامي بها، وما أن علم البعض بالخبر حتى سادت موجة من الاستنكار في أوساط المثقفين حينذاك، لما عرف عن جورجي زيدان من ميل لأبحاث المستشرقين في هذا المضمار من ناحية وخلطه بين الواقعات والأحداث التاريخية والخيالات القصصية والروائية في دراسته للتاريخ الإسلامي بوجه عام من ناحية أخرى، فاضطرت إدارة الجامعة أن تنحيه عن هذه المهمة، وعهدت بالتدريس إلى الشيخ محمد الخضري، فألقى دروسه التي جمعها في كتابه هذا "تاريخ الأمم الإسلامية" والذي طبع لأول مرة عام 1927 بعناية المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة، ثم توالت الطبعات والإصدارات له بعد ذلك، دون أن يبذل فيه الباحثون والمؤرخون أي مجهود علمي لتحقيقه أو التعليق عليه، رغم غزارة المادة التاريخية التي يشتمل عليها في التأريخ للدولة العربية الإسلامية في عصر الرسول والخلفاء الراشدين والدولة الأموية وما تلاه في الجزء الثاني من التأريخ للدولة العباسية".
ترجع أهمية ومكانة الكتاب الصادر ضمن سلسلة كلاسيكيات عن الدار المصرية اللبنانية إلى أنه من أوائل الكتابات في مجال الدراسات التاريخية في العصر الحديث، خاصة مع بداية تدريس التاريخ الإسلامي في الجامعة المصرية، وقد أكد د.محمد إبراهيم أن موضوعات الكتاب جاءت على درجة كبيرة من الأهمية في ذلك العصر الذي شغل بأبحاث ودراسات لكثير من المستشرقين، وكذلك بعض الكتابات العربية المتأثرة بها، ناهيك عن الكتب القصصية التي كانت تخلط بين الإبداع الأدبي والبعد التاريخي العلمي، فجاء هذا الكتاب متوازنا في طرحه التاريخي العلمي لهذه الحقب المهمة في التاريخ الإسلامي، بدءا من العصر النبوي وعصر الخلفاء الراشدين وعصر الدولة الأموية، مدعوما بنصوص مهمة لتوثيق الأحداث وتفسيرها، فضلا عن إبداء الرأي في كثير من الموضوعات الشائكة لهذه الفترة التاريخية مثل (الفتنة الكبرى ـ الصراع بين علي ومعاوية ـ موقعة الجمل ـ معركة كربلاء)، الأمر الذي مكن أوساط المثقفين من التماس الحقائق التاريخية بمنأى عن مغالطات بعض المستشرقين وهو ما يحسب لهذا الكتاب ومؤلفه في ذلك العصر".

تحليل الخضري لبعض الموضوعات التاريخية الشائكة كان سببا في اتهام بعض الشيعة له بأنه ذو ميول أموية أو أموي الهوى، بسبب استخدامه المنطلقات الدينية التي اعتادوا استخدامها في كتاباتهم في التفسير التاريخي عن تلك المواضيع      

قسم الخضري كتابه إلى مجموعة من المحاضرات بلغت أربعين محاضرة تناول فيها من المحاضرة الأولى حتى السابعة (جزيرة العرب ووصفها جغرافيا ـ شعب قحطان ـ شعب عدنان ـ أحوالهم الاجتماعية والسياسية ـ الممالك في شبه الجزيرة العربية شمالا وجنوبا ـ الحياة الأدبية ـ اللغة ـ عموم الأخلاق ـ الكتابة والعلوم والدين ـ النسيء ـ الموحدون من العرب). وخصص المحاضرات من الثامنة حتى السابعة عشرة للحديث عن العصر النبوي (الوحي ـ البعثة ـ الدعوة السرية ـ الجهر بالدعوة ـ الهجرة إلى الحبشة ـ مقاطعة قريش لبني هاشم والمطلب ـ بيعة الأنصار ـ الهجرة إلى المدينة المنورة). ثم بدأ في تناول التشريع المكي وأهم ما جاءت به الآيات المكية، وهو في هذا الجانب من التأريخ غلبت عليه صفة الفقيه قبل المؤرخ ـ وفقا للدكتور محمد إبراهيم ـ ليوضح لنا في هذا الجانب المقاصد الشرعية لبعض موضوعات التشريع الإسلامي (شريعة القتال والعهود ـ أسرى الحرب ـ الاسترقاق).
وتناول الخضري من المحاضرة الثانية عشرة حتى الخامسة عشرة موضوع الغزوات الإسلامية في عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه (بدر ـ أحد ـ الخندق ـ الحديبية ـ مؤتة ـ فتح مكة ـ حنين ـ تبوك) وتلا ذلك بالحديث عن التشريع في المدينة المنورة (الشرائع الدينية ـ الشرائع الاجتماعية ـ نظام البيوت) وهو في هذا الجانب ـ أيضا ـ يغلب عليه صفة الفقيه لا المؤرخ لما تناوله من شرح العديد من الآيات ومقاصدها. وخصص المحاضرتين السادسة عشرة والسابعة عشرة للحديث عن (الدعوة ونتائجها ـ صفة الرسول وأخلاقه وبيته ـ البيت النبوي ـ ختام القرآن).
وابتداء من المحاضرة الثامنة عشرة حتى الحادية والثلاثين تناول الخضري عصر الخلفاء الراشدين بداية من أبي بكر الصديق حتى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مرورا بكل الأحداث السياسية والدينية التي حدثت في عهودهم (الردة ـ الفتوحات الإسلامية ـ الأحوال الداخلية ـ والفتن) وهو في هذه المحاضرات كان حريصا أن يترجم لكل خليفة ويذكر صفاته مع إبداء رأيه في بعض الموضوعات.
وخصص الخضري للحديث عن الدولة الأموية المحاضرات من الثانية والثلاثين حتى المحاضرة الأربعين متناولا الحديث عن خلفاء بني أمية بدءا من معاوية بن أبي سفيان وحتى مروان ابن محمد، وقد حرص في هذا الجانب على الحديث عن الفتوحات في عصر كل خليفة، كما ناقش الأحوال الداخلية والفتن في عهودهم من حركات الشيعة والخوارج. واختتم هذا الجزء بالحديث عن بعض النظم الإدارية في عصر الدولة الأموية، كما تناول بعض أسباب سقوط الدولة والعوامل التي أدت إلى هذا السقوط.
وقد لفت د.محمد إبراهيم إلى أن حب الخضري للأدب والشعر حاضرا في كتابته للتاريخ وعرض الأحداث، إذ تعمد الإتيان بالكثير من أبيات الشعر العربي، الموافقة لبعض الأحداث التاريخية أو التي قيلت بصددها، وهو أحيانا يصرح باسم الشاعر وأحيانا أخرى يورد الأبيات دون الإشارة إلى قائلها. وأنه اعتمد منهجا تاريخيا في كتابته اعتمد فيه على ذكر النصوص المهمة الخاصة بالمعاهدات والاتفاقيات التي أبرمت بين المسلمين وغيرهم، سواء كانوا من المشركين في العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين أو مع ملوك البلدان التي فتحت بعد ذلك، كذلك كان كثير الاستشهاد بالمكاتبات والرسائل التي كان يتم تبادلها بين القادة والحلفاء في كثير من الموضوعات، فضلا عن خطب بعض الخلفاء والأمراء والقواد.
ورأى أن تحليل الخضري لبعض الموضوعات التاريخية الشائكة (الفتنة الكبرى ـ الصراع بين علي ومعاوية) كان سببا في اتهام بعض الشيعة له بأنه ذو ميول أموية أو أموي الهوى، بسبب استخدامه المنطلقات الدينية التي اعتادوا استخدامها في كتاباتهم في التفسير التاريخي عن تلك المواضيع.