محمد غنيمة يسرد النهايات الدرامية للأسرة العلوية

"عروش تتهاوى .. النهايات الدرامية للأسرة العلوية" نسيج سردي قصصي لوقائع وأحداث تاريخية لأفراد أسرة محمد علي مؤسسة مصر الحديثة.


لاحظت إحجام الشباب عن القراءة في كتب التاريخ، والاعتماد على الرواية والتسليم بأحداثها وكأنها حقيقية


الهدف هو محاولة كتابة التاريخ بشكل أدبي

يشكل الكاتب والباحث محمد غنيمة في كتابه "عروش تتهاوى النهايات الدرامية للأسرة العلوية" نسيجا سرديا قصصيا لوقائع وأحداث تاريخية لأفراد أسرة محمد علي مؤسسة مصر الحديثة، كاشفا عن جماليات كتابة درامية متميزة في صياغتها ووعي بروح التاريخ وما تحمله شخصياته من حيوات لم تؤثر فقط في مسار حيواتهم الشخصية ولكن أثرت على مجريات وطن بكامله. 
غنيمة كاتب وموثق تاريخي وباحث في الجغرافيا السياسية، من مؤلفاته: "جمال حمدان وعبقرية المكان" الصادر عن مكتبة الإسكندرية، والمجموعة القصصية "غيبوبة" التي صدرت عن دار عابر للنشر والتوزيع، 2017. كما شارك في إعداد المادة الوثائقية لكل من الكتب التالية: الدفتر خانة: دار المحفوظات العمومية، مكتبة الإسكندرية، 2011، اليخت محروسة، مكتبة الإسكندرية، 2014، مجلس النواب، مكتبة الإسكندرية، 2016.
وفي هذا الحوار يضيء غنيمة جوانب مهمة في هذه التجربة وما يستهدفه منها.
يقول محمد غنيمة: "عندما شرعت في كتابة ما بين ضلفتي هذا الكتاب، كان الهدف هو محاولة كتابة التاريخ بشكل أدبي، ليس قصة، أو رواية ولكن تاريخا حقيقيا من حياة هؤلاء الملوك والحكام، حيث إنني لاحظت إحجام الشباب عن القراءة في كتب التاريخ، والاعتماد على الرواية والتسليم بأحداثها وكأنها حقيقية دون التفريق بين خيال المؤلف والوقائع المثبتة، كما أن الدراما التاريخية المقدمة قد تعالج الحدث التاريخي بخفة واضحة مما قد توثر على الأحداث نفسها وقد تصل إلى حد التزييف، ولهذا اعتمدت في هذا الكتاب بشكل أساسي على الوثائق تاريخية والكتب النادرة. بالطبع المؤلفات الموثوقة بحثيا ومقدمة من أساتذة التاريخ الحديث، المتخصصين.

الباحث يحاول السير على نهج مثله الأعلى الدكتور جمال حمدان حيث قدم صاحب "شخصية مصر" الجغرافيا بشكل مختلف يمزج بين البحث الجغرافي والكتابة الأدبية وهنا غنيمة يقدم التاريخ بشكل أدبي

كان هدفي أن أقدم جديدا في عالم الكتابة التاريخية، لا ينفر القارئ من المادة المكتوبة ويجعله يرى الشخصيات نفسها وكأنها تتحرك أمامه، فكل كتب التاريخ تبحث فيما يفعله الحكام وتحكم عليه كحاكم أما هنا في هذا الكتاب فأتحدث عن الإنسان؛ عن كل ما يؤرقه عن نفسه ليس على استراتيجية حكمه وفقط".
ويضف غنيمة أن القارئ قد يحتار في تصنيف الكتاب بداية القراءة، ولكن حينما تبدأ تدخل في حشايا الكتاب تجد نفسك التهمت جزءا كبيرا منه، وحينما أعبر عن تصنيفي لهذا المؤلف فهو كتاب أكاديمي من ناحية المعلومة، ولكن تلك المعلومة تأتي إلينا في إطار درامي أدبي لذة للقارئين. وهنا كانت المعادلة الصعبة فلم يسقط شيء سهوا أو عمدا فاحتفظنا - كما يقال - بالأم والجنين دون أن نضحي بأحد.
يقيني أنه حين يعمد أحد المخرجين إلى تحويل هذا المؤلف إلى عمل مرئي فلن يحتاج إلى ما قد يسمى، "ضرورة درامية" والتي من شأنها أن تجور على التاريخ فتجعل منه مسخا يخدم الدراما وليس العكس كما يرتجى. 
يجعلنا هذا التوازن حائرين منبهرين أمام الفكرة والكلمات ونتساءل هل يفعل محمد غنيمة بعلم التاريخ ما فعله جمال حمدان بالجغرافيا؟! هل هي مدرسة جديدة في عالم الأدب والرواية؟! هل آن الأوان لأن نجدد أنفسنا ونقدم دراسات أكاديمية بعيدا عن تلك القوالب الجامدة التي يقول عنها المسيري في مقدمته لكتاب اليهود أنثروبولوجيا لجمال حمدان "مجرد دراسات صالحة للنشر".
وحول اختياره لأسرة محمد علي يشير غنيمة: "أخترت هذه الفترة لأن معظم الكتابات التاريخية فيها لم تسلط كاشفها البحثي على نهايات هذه الحكام فحدث لغط في قراءة هذه الفترة وكثرت المغالطات التاريخية حول الحكام أنفسهم، وأعتبر هذه الفترة ثرية جدا في الأحداث التاريخية ومنها أدعو كل المتخصصين والروائيين إلى النظر إلى هذه النوعية من الكتابة التاريخية التي كان لجرجي زيدان السبق في هذه النوعية من الكتابات، كما أن هذه المدرسة منتشرة في أوروبا وأميركا تحت عنوان التاريخ الشعبي، مما يتح المجال لغير المتخصصين وفئات الشباب القراءة دون الخوف من المعالجة الدرامية لها، كما أن هذه الكتابات ساهمت بشكل كبير في انتشار الثقافة التاريخية لدى المجتمع بكل طبقاته".
ويلفت غنيمة إلى أنه طلب من المؤرخ د. محمد عفيفي؛ رئيس قسم التاريخ بجامعة القاهرة ورئيس المجلس الأعلى للثقافة الأسبق كتابة مقدمة للكتاب، لأنه وإن كانت الطريقة الأديبة هي نهج الكتابة إلا أن الكتاب في الأساس هو دراسة تاريخية، فاستقبل العمل بالكثير من الحفاوة والترحاب، وهنأني على الفكرة والسرد وهذا ما أشرف به حيث كتب عن الكتاب قائلا: عندما عرض على محمد غنيمة كتابة مقدمة لكتابه، لفت نظري عنوان الكتاب، وتساءلت ما الجديد الذي سيأتي به. وبدأت مطالعة الكتاب ببطء وببعض من التردد، ولكن في الحقيقة لفت انتباهي الأسلوب الأدبي السلس للكتاب، مما يشجع على الاستمرار في القراءة بنهم. ثم تابعت اللحظات الدرامية والإنسانية التي اختارها المؤلف لأبطال دراسته، حيث حاول غنيمة أن يقدم الوجه الآخر للتاريخ، الوجه الذي لم يقدمه التاريخ الرسمي، هذا التاريخ الذي اقتصر فقط على إبراز الوجه المشرق والصلب لحكام الأسرة العلوية، الحروب والانتصارات والمنشآت العظيمة في عصرهم. لكننا لم نتعرف على الحاكم البشر، واكتفينا بالحاكم نصف الإله هنا يعود بنا غنيمة إلى نمط في الكتابة التاريخية افتقدناه كثيرًا، وهو التشابك بين التاريخ والأدب، والمساحة التي يتيحها الكاتب لنفسه ليتقمص دور الشخصية التاريخية ويتحدث بلسانه، ويكتب ما قد أهمله التاريخ الرسمي". 

الكاتب أراد الصدق
صعوبة العثور على الوثائق 

ويؤكد د. محمد عفيفي في تقديمه للكتاب على أن "هذا اللون من الكتابة نحن في أشد الحاجة إليه، هو لون يذكرنا بكتابات جرجي زيدان التاريخية التي لعبت دورًا مهمًا في انتشار الثقافة التاريخية بين فئات الشباب وغير المتخصصين بوجه عام، كما يمكن توظيف هذا النمط من الكتابة التاريخية في عمل الدراما التاريخية، الدراما التي تعاني للأسف من خفة في المعالجة، وأحيانًا كثيرًا تزييف الحقائق التاريخية لخدمة أغراض أخرى". 
كما أكد على أننا نحن أمام كتابة تجمع بين كتابة التاريخ والأدب وأيضا الدراما التاريخية.
ويرى غنيمة في توطئته للكتاب أنه يعرض نهايات حكام الأسرة العلوية ليست نهايات التاج وفقط، إنما نهايات الحكام أنفسهم ويا لها من نهايات مأساوية، وكأن لعنة ما أصابت حكام هذه السلالة، فما بين مقتول ومخلوع ومعزول وحتى مخبول جاء ملك الموت ليقبض أرواحهم وينهي عصرهم، ولكن سيرهم تبقى وتشهد قبورهم ويشهد التاريخ على إنجازات وإخفاقات وحتى هرطقات.
ويلفت غنيمة إلى أن فترة التاريخ المصري الحديث وخاصة فترة حكم أسرة محمد علي ثرية جدا وتصلح لكتابة الآلاف من الكتابات الدرامية دون الخلل بالحدث التاريخي وسوف تكون سهلة تحويلها إلى عمل تليفزيوني أو حتى سينمائي، كما حدث في العديد من التجارب الناجحة في أميركا وأوروبا.
ويبدو أن الكاتب أراد الصدق دون أن يتخلى عن الطابع الروائي الأدبي ناهيك عن صعوبة العثور على الوثائق ومن ثم التحقق منها واستخدام المنهج التحليلي في إكمال بعض الحلقات المفرغة التي كان من الضروري اكمالها. 
إن الكاتب قد تشرب فكرة الهوية من عالمنا الكبير د. جمال حمدان، فسابقا ألّف غنيمة كتابا عنه بعنوان "جمال حمدان وعبقرية المكان" فتعلم منه الحيدة في الكتابة وتشرب منه عشق مصر، ومحاولة تقديم الجديد وتسليط الضوء على مناطق يعتبرها مشروع حياة، وهذا يتضح من خلال مقالاته المنشورة في المجلات والجرائد المصرية التي يمزج فيها غنيمة بين البحث الجغرافي والتاريخي في قلب واحد. فيحاول الباحث السير على نهج مثله الأعلى الدكتور جمال حمدان حيث قدم صاحب "ِشخصية مصر" الجغرافيا بشكل مختلف يمزج بين البحث الجغرافي والكتابة الأدبية فها هنا غنيمة يقدم التاريخ بشكل أدبي.