محمود درويش .. أثرُ فراشةٍ لا يزول

"العويس الثقافية" تنظم ندوة فكرية بعنوان "محمود درويش ـ أثر الفراشة لا يزول"، شارك فيها نخبة من الكُتاب والأدباء بأبحاث وأوراق عمل مختلفة تتناول شعر محمود درويش وحياته.


تداخلت القصائد بطريقة فنية لتشكل لوحة من لوحات الحنين بلغة بصرية ذات إيقاع مرهف


كتابان صادران عن المؤسسة الأول "محمود درويش يتذكر في أوراقي" لشربل داغر، والثاني "مختارات من شعر محمود درويش" لمحمد شاهين

إحياءً لذكرى الشاعر الراحل محمود درويش (1941 ـ 2008) نظمت مؤسسة العويس الثقافية ندوة فكرية بعنوان "محمود درويش ـ أثر الفراشة لا يزول"، شارك فيها نخبة من الكُتاب والأدباء بأبحاث وأوراق عمل مختلفة تتناول شعر محمود درويش وحياته، كما تم عرض فيلم وثائقي عن الشاعر ضمّ شهادات وقصائد وحوارات مختلفة فضلاً عن قصائد مغناة، تداخلت بطريقة فنية لتشكل لوحة من لوحات الحنين بلغة بصرية ذات إيقاع مرهف، وكذا تم توقيع كتابين صادرين عن المؤسسة الأول "محمود درويش يتذكر في أوراقي" لشربل داغر، والثاني "مختارات من شعر محمود درويش" لمحمد شاهين.
افتتح الندوة سليمان الجاسم نائب رئيس مجلس الأمناء، وجاءت في أربع جلسات، تحدث في الأولى كل من د.شربل داغر ود.حورية الخمليشي، حيث انطلق داغر في ورقته من فرضية تقوم على "استقراض" مفهوم السياسة بمعناه التدبيري والفعال، وطرحِه على تجربة درويش، ولا سيما في خطابه عن الشعر وعن قصيدته. وقد طرح ذلك في جملة أسئلة إشكالية: ألا يمكن أن يكون خطاب الشاعر في قصيدته، وفي الشعر، فعلًا يتوخى منه، لا الشرح أو الإظهار، وإنما بناء خطاب توكيدي "هجومي في بعضه" وفق تدابير بعينها طلبًا لفعالية قصيدته في تنافسه مع زملائه الشعراء، وفي جمهور القراء والنقاد والدارسين؟ أين للباحث أن يجد ويفحص، في مدونة الشاعر، ما يمكِّنه من امتحان هذه الفرضية؟ أين له أن يستخلص، من مواقف الشاعر وكتاباته، ما يشير إلى خياراته وتوجهاته، وما تستدعيه وتطلبه من أدوات تستنفرُها وتُحسِّنُها لبلوغ ما تهدف إليه؟ كيف يمكن تَرسُّم الخطاب عن القصيدة بوصفه بناءً سياسيًّا، أي قيد الخيار، قيد البناء، قيد التوجه، قيد الصراع، قيد التعديل؟ عمَّ تُنبئ هذه "السياسات" من استهدافات مرجوة، لشاعرها كما لمن يطلب التوجه إليهم، والتأثير عليهم؟

"سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا" نموذج لنقلة درويش النوعية، ففيها لم يلجأ كما فعل في قصائد سابقا إلى ارتداء القناع بل رأى أن مهمة سرحان هي خلع الأقنعة، وبالتالي كانت هذه القصيدة "فاتحة الفضاء الجديد" الذي داهم درويش خارج الديار وبدأ معها في بلوغ "الدينامية الدرويشية"

ورأى داغر أن طرح هذه الفرضية مغريًا في تجربة درويش، ما دام أنه اشتغل بالسياسة، حزبيًّا ومناضلًا وقياديًّا، وانخرطَ في كثير من المشروعات والخطط. وتساءل "أما أعانتْه خبرتًه السياسية في تدبير خطابٍ عن قصيدته؟ أكان هناك تلازم أم تباين بين ما كانت عليه سياسات درويش السياسوية وبين سياساته في قصيدته، وفي الشعر، وفي الصراع والتمايز مع قصائد غيره؟ وما عنى التلازم والتباين المذكوران في القصيدة، في توجهاتها وخياراتها: أكان درويش يقرِّب بين بناء القصيدة وبين بناء فعاليتها؟ أكانت تتأتى فعاليتها من استهدافات السياسة في التاريخ وفي المجتمع أم من استهدافات تنهل من فعالية أخرى، جمالية، متباعدة عن الاشتغال السياسي المحض؟
وتوقف داغر في مدونة درويش، عند مجموعة من نصوصه ومقابلاته التي ترافق القصيدة: معلنة عنها، مدافعة عنها، مروِّجة لها. وأضاف "ليس لدرويش كتاب نقدي واحد في الشعر، أو في شعره. وهو، في هذا، يختلف مع بعض الشعراء الذين أرفقوا شعرهم بما يروي سيرتهم، أو يدافع عن قصيدتهم. وهو ما يصحُّ في غالب كتبه النثرية، إذ إنها مقالات أو رسائل "مجموعة" ليس إلا. 
هذا يعني أن درويش انصرف إلى الشعر انصرافًا يكاد أن يكون تامًّا. إلا أن هذه الحال لا تُخفي كون درويش عرضَ، وناقشَ، ودافعَ عن شعره، أو عن مواقفه من شعر غيره، في غير مقال ومقابلة. إلا أنه ـ في هذا الجانب من المدونة النثرية ـ مقلٌّ للغاية، حيث إن مقالاته في الشعر لا تتعدى مقالات معدودة، وهو ما يختلف مع مقابلاته الكثيرة. في هذا الفارق ما يستحق التوقف عنده: في المقال، يتقدم الشاعر بنفسه إلى قصيدته، وإلى الجمهور المعني بها، أما في المقابلة، فإبداء الرأي والموقف مختلف، إذ يشير إلى نصاب سجالي، ما يعكس بطبيعة الحال جوانب مرتضاة أو مرفوضة من الشاعر لقصيدته ولغيرها أيضًا".
أما د. حورية الخمليشي فتساءلت في ورقتها عن الأسباب التي جعلت العديد من الفنانين يستوحون أعمالهم الفنية من شعر محمود درويش. وبالتالي إذا كان الشعر في قلب الفنون جميعاً، فما علاقة الشعر بالفن؟ وما الذي جعل محمود درويش يبقى من الأصوات الإنسانية الكبيرة ذات الأفق الكوني والأكثر عبوراً للمسافات الجغرافية؟ وكيف يمكن رصد الظاهرة الجمالية في قصائده والكشف عن الشعرية الفنّية والفلسفية في نصوصه الشعرية؟ وإلى أي حد استطاع المتلقّي مسايرة جمالية قصائده، لأن الكثير من أسرار القصيدة يحيا في أعماق الشعراء.
وفي الجلسة الثانية تحدث كل من د.أحمد الطامي ود.محمود جرن، حيث ركز الطامي في بحثه على مفهوم الإيقاع، والوزن، وشعريته عند درويش. ثم تناول موقفه من جدلية الشعر والنثر، ورأيه في قصيدة النثر، والمعارك التي خاضها من أجل الدفاع عن موقفه، ثم ما حصل لموقفه من مراجعة حذرة على المستويين النظري والإبداعي، وأكد أن المراحل الشعرية التي مر بها شعر درويش أظهرت أن ثمة "ناقدا مضمرا" تجلى "إيقاعه" و"وعيه" و"رؤياه" في تشكيل مشروعه الشعري. وقال "آثر درويش، بوعي، خيار إخفاء "نظريته" خشية أن يقع في أسر النظرية؛ فبقيت نظريته حرة متطورة تجلى صداها في شعره، وتطورت كما تطور شعره. لكنه، وإن حجب "نظريته" عن كتابتها ورقيا "قصدا"، فإنه "قصدا" كتبها شفويا في حوارات ولقاءات صحفية وتلفازية متعددة. كانت الحوارات المقروءة والمرئية بمثابة البيان التنظيري الذي يحرك تجربته الشعرية، وكان هو يراها "كتابة شفوية" مسؤولة".
وأشار إلى أن درويش كان في جميع مراحله الشعرية شاعرا مسكونا بالإيقاع بمفهومه الواسع الذي يبدأ بالموسيقى العروضية وينتهي في فضاء إيقاع قصيدة النثر. الإيقاع مكون رئيس وثابت من مكونات القصيدة بكافة أشكالها.

وتطرقت ورقة د.محمود جرن "الإيطالية في جدارية محمود درويش" إلى مسألة تلقّي الجمهور الإيطالي لأعمال درويش منذ ستينيات القرن الماضي من خلال الترجمات المنشورة لقصائده ضمن مختارات من الشعر الفلسطيني خاصّة والشعر العربي عامة، والمجموعات الشعرية المكرّسة بالكامل له. ومسألة الترجمة الإيطالية لقصيدة الجدارية، وطرح "حواراً" بينها وبين قصائد أخرى لأهم شعراء إيطاليا في القرن العشرين.
ورأى أن جدارية درويش تستند إلى مقاربات وجودية تلفها جملة من الاعتبارات الفلسفية حول الحياة والفناء، والواقع والخيال، وتمتزج بمشاهد حوارية واقعية تارةً وسريالية طوراً؛ ويأمل الشاعر أن يجد مخرجاً من كل ذلك من خلال اللغة والفنون. أمّا الشاعر الإيطالي أومبيرتو سابا فمنهجه في جداريته سيكولوجي ومنحاه أقرب إلى التحليل النفسي الفرويدي في فهم الطبيعة البشرية، فيذهب إلى ما هو أبعد من المكون الظاهري، دون الاصطدام بأبعاد ميتافيزقية كما هو الحال عند درويش؛ ولذلك فإن الغاية التي تنشدها شعرية سابا متجذرة وغائصة في دنيويتها وتتعلق بشكل مباشر بالفعل الإنساني الذي ينطلق من ذاتية الشاعر ليعانق البشرية جمعاء".
وناقشت الجلسة الثالثة ورقتي د.محمد شاهين ود.مريم الهاشمي، حيث أشار شاهين إلى أن مفردة "الأرض" من المفردات التي ترد مراراً وتكراراً في شعر محمود درويش، بل ربما تكون إحدى المفردات التي ترتكز عليها مكونات القصيدة الدرويشية في أشكالها المتعددة.
وقال "ما يجدر التعرف عليه عند قراءة "الأرض" وفاعليتها في شعر درويش هو أنها صورة لها خصوصيتها إذا ما قورنت بمثيلاتها من الصور عند سائر الشعراء الآخرين. خصوصيتها هذه تعود إلى واقع متميز يشتق منه صورة "الأرض" عند درويش". وأكد شاهين أن الأرض في شعر درويش حياة معاشة في الزمن الحاضر وأنه لمن الأهمية بمكان أن يستعمل الشاعر الزمن الحاضر: على هذه الأرض ما يستحق الحياة. ولو أراد تأكيداً غير ذلك لقال "ما استحق الحياة" أو ما سيستحق الحياة. والمعروف أن الزمن الحاضر هو أقوى الأزمنة لأنه يوحي بالوجود في الحياة على الأرض. هو بعبارة درويش المأثورة "الحاضر الغائب". وخير تعبير عن نبض الحياة على الأرض يتمثل في ذلك النثر الفني الرفيع في كتابه الأثير "في حضرة الغياب".
أما د.مريم الهاشمي التي تناولت الذاتية في شعر درويش، فرأت إن درويش استحضر ماهية الفن الحقيقي من خلال قصائده التي عكست ذاته الموسومة بأكثر من ملمح. وقالت "أفضى حضور الذات الشاعرة المتأثرة والمتشربة بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتاريخي والإنساني إلى حضور في التجربة الشعرية المتفردة والمتمردة. وكان الوقوف على الذاتية المبدعة التي خرجت من رحم تلك المسببات الداخلية والخارجية. مع لفت الانظار نحو التمرد التصويري واللغوي والإيحائي والتخييلي الذي يجعل المتلقي يقف مشدوها أمام إبداعها وانسلاخها عن تقاليد وقيود يجدها الحداثي تقييدا للإبداع والحرية، وهي السمة المميزة لقصائد درويش والتي تعكس ذاته الثائرة الرافضة للواقع، الطامحة للحرية.
وجاءت الجلسة الأخير لتجمع الشاعرين عبده وازن وسيد محمود، حيث توقف وازن عند محطات في مسار درويش الشعري مشيرا إلى أن درويش "راح في التسعينيات عشية او غداة صدور دواوين بديعة له مثل "سرير الغريبة" و"لا تعتذر عما فعلت" و"جدارية" يتحرر من الإرث الوطني والقومي الذي ألقي على عاتقه بصفته شاعر فلسطين أو شاعر القضية - كما أطلق عليه، لكنه كلما كان يتحرر من ذلك الإرث كان يبدو أكثر قربا منه. فالقضية التي كانت مأساة الجماعة أصبحت أيضا مأساة الفرد، والمأساة التاريخية أضحت كذلك مأساة ذاتية. أما شاعر فلسطين فأصبح شاعر الوجود الذي لم يتخل عن مأساته الشخصية، وشاعر الأرض والقضية أصبح شاعر الإنسان في يأسه ورجائه، في انتمائه ولا انتمائه، وأصبح أيضا الشاعر الحالم والرائي، المألوم والمجروح، والباحث أبدا في عتمة اللغة عن ضوء ساطع، وفي سديم اللاوعي عن منفذ يطل على شمس الحياة". 

Mahmoud Darwish
اللغة تسكن المرأة والأرض

ولفت وازن أن درويش يؤاخي عبر غنائيته العالية بين النثر والشعر ويصهرهما في بوتقة واحدة هي بوتقة اللغة العاشقة أو "المؤنثة" كما يقول الشاعر نفسه. وأمام هذا التآخي والانصهار لا يبقى من الممكن الكلام عن شعرية النثر ولا عن نثرية الشعر التفعيلي. يصبح النثر فضاء لغويا يحتوي البنى الإيقاعية والشعر فضاء لغويا يضم النثر بألفة: "أحب من الشعر عفوية النثر"، يقول الشاعر .إلا أن "أنوثة" اللغة هي التي تلغي التناقض أو التنافر بين النثر والشعر في القصيدة الواحدة وتجمع بينهما في تناغم كلي يصبح من الصعب حياله التمييز بينهما: "لك التوأمان: لك النثر والشعر يتحدان"، يقول الشاعر أيضا. فالنثر والشعر يصبحان توأمين حين يحظيان بالحب أو حين ينصهران تحت ناره. توأمان يتحدان اتحاد الجزئين في الكائن "الأندوروجيني". 
وإن كانت المرأة هي التي تحفظ أنوثة اللغة فأن اللغة بدورها هي التي تحفظ الأرض. اللغة تسكن المرأة والأرض، تسكن اللغة من كونها لغة مؤنثة أي لغة ثنائية متوحدة في ثنائيتها. والشاعر الذي نادى امرأته "يا اسمي المؤنث" لا يحقق صورته المثلى كشاعر عاشق إلا في فعل التأنث الذي ينضاف الى ذكوريته من غير أن يلغيها أو تلغيه. وفي قصيدة "درس من كاما سوطرا" الرائعة يجسد درويش حال الانتظار التي يحياها الشاعر - العاشق خير تجسيد، وفي هذه القصيدة تحضر المرأة حضورا سحريا يضيء اللغة ويحررها من أسر الشعر والنثر معا ويجعلها مادة عشقية غنائية صافية.
أما سيد محمود فسعى في بحثه إلى الإحاطة بالأسباب والوقائع التي دفعت محمود درويش للمجيء الى القاهرة في العام 1971 ثم مغادرته لها عقب حرب أكتوبر بشهور قليلة، منتقلا إلى كشف التحولات الفنية في نصوصه التي نشرها في القاهرة وطبيعة تفاعل درويش بالبيئة الثقافية المحيطة به في مصر ومدى تفاعله مع ما كان ينتج من الشعر المصري في تلك الفترة التي كانت حافلة أيضا بتحولات فنية ساهمت في تمييز بعض الأصوات الرئيسية في الشعر المصري.
وخلص سيد محمود أن درويش في القاهرة عايش التحولات الرئيسية في الشعر المصري مع ظهور شعراء الموجة الثانية من جيل الستينيات أو شعراء التفعيلة، وقال "في مصر نضجت قصائده الغنائية وتطورت وكان من الصعب عليه أيضا أن يذهب في الاتجاه الذي راحت له قصائد عفيفي مطر بالاتكاء على الأسطوري وأغلاق دلالاتها ومعانيها والرهان على الرمزية، فقد أفضت به قصيدته في زمن قياسي وبعد تجاوز هذا المنعطف الى القصيدة الدرامية المركبة كما في "سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا" نموذجا لهذه النقلة النوعية، ففيها لم يلجأ كما فعل في قصائد سابقا إلى ارتداء القناع بل رأى أن مهمة سرحان هي خلع الأقنعة، وبالتالي كانت هذه القصيدة "فاتحة الفضاء الجديد" الذي داهم درويش خارج الديار وبدأ معها في بلوغ "الدينامية الدرويشية".