مرة أخرى، فيسبوك قوة متعجرفة بموقفها من تويتر


من الخطأ الاعتقاد أن الحرب التي يشنها ترامب على تويتر لا تستهدف فيسبوك، لأن فكرة "تكسب" مارك زوكربيرغ من هذه المعركة على حساب تويتر لا تعني غير خسارة فيسبوك ثقتها بنفسها.


إن زوكربيرغ يقع في خطأ مكشوف عندما يعتقد أن الحرب التي يشنها الرئيس الأميركي على تويتر لا تستهدف فيسبوك

اليوم تتم استعادة جملة صاحب فيسبوك مارك زوكربيرغ التي قالها قبل سنوات تحت نشوة التفوق والثراء، بوصفها “معلومة متجددة” وملائمة لتعبر عن صراع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع موقع تويتر ومديره جاك دورسي.

استثمر المدير التنفيذي لشركة فيسبوك قصص الخيال الأدبي وهو يصف منصة صديقه دورسي “يبدو الأمر وكأنهم قادوا سيارة من المهرجين إلى داخل منجم ذهب وتعطلوا”.

وفي حقيقة الأمر إن زوكربيرغ يقع في خطأ مكشوف عندما يعتقد أن الحرب التي يشنها الرئيس الأميركي على تويتر لا تستهدف فيسبوك، بل هي حرب ضد جميع مواقع التواصل الاجتماعي، لأن فكرة “التكسب” من هذه المعركة على حساب تويتر لا تعني غير خسارة فيسبوك ثقتها بنفسها، فترامب يرى في جميع وسائل الإعلام التقليدية والرقمية “نبتة شيطانية” لا تنشر غير الأكاذيب، حتى النأي بالنفس عن هذه المعركة الذي اتخذه مدير فيسبوك هو خسارة للقيم التي يزعم زوكربيرغ العمل من أجلها.

فما وجده مدير فيسبوك في “منجم ذهب تويتر العاطل” يمكن أن نجد له مقابلا في تعبير تيم هارفورد الكاتب في صحيفة فايننشيال تايمز الذي سبق وأن عبر عن “احتقاره لفيسبوك”! معترفا بأن أسباب تحيزه ضد هذا الموقع هي نفس الأسباب التي عادة ما يحتقر الناس بسببها فيسبوك: الخصوصية، وقوة السوق، والتشويش، والتفاعلات بالابتسامات الوهمية، وبقية الأمور الأخرى.

علينا التذكير هنا بكلام سابق لزوكربيرغ عندما تحدث إلى الكاتب ديفيد كيركباتريك عام 2012 وقال “فيسبوك لا يعني لي مجرد شركة، بل بناء شيء يغير الواقع، ويحدث تغييرا فعليا في العالم”.

وفي النهاية، عندما أعلن أن شركة فيسبوك لن تفرض أحكامها على مدونات الرئيس دونالد ترمب، فهو لا ينأى بنفسه عن معركة ترامب مع وسائل الإعلام، بقدر ما يضع شركته في صف الرئيس الذي لا يثق بالجميع؛ وسائل الإعلام التقليدية والشركات الرقمية. بينما ينبغي على زوكربيرغ أن يعلن ما كان يفترض به لمساندة موقف زميله دورسي الرافض لتراجع تويتر عن موقفها من تغريدات ترامب.

بالتأكيد هناك من المستشارين من ذكّر زوكربيرغ  بـ”قرصه الأذن” الأميركية العام الماضي، قبل الاتفاق على دلالة تصريحه المتكسب من معركة ترامب وتويتر، عندما فرضت السلطات غرامة خمسة مليارات دولار على فيسبوك لانتهاكها خصوصية المستخدمين.

حسنا، لا يمكن لأي عاقل أن ينكر وجود حرب رقمية تضرم فيها نار الأخبار الزائفة والتحريض على العنف، لكن من بإمكانه تحديد الأطراف المتحاربة، ومَن في حقيقة الأمر يحارب مَن، إذا كان كل شخص يمتلك هاتفا ذكيا اليوم متهما بدخول هذه المعركة سواء بنية الحرب أو من دونها؟ هذا يعني أن العالم برمته يعيش معركة عبثية لا هدف لها سوى التنكيل بالآخر من دون أي سبب، ومن ساعد على نشوب هذه الحرب شركة فيسبوك نفسها، ترامب أيضا يدير “تلفزيون الواقع” في حسابه على تويتر مع ثمانين مليون متابع، نستيقظ كل يوم للتوجه إلى أجهزتنا قبل احتساء فنجان القهوة الأول لمعرفة من أقيل ومن نكّل به من قبل سيد البيت الأبيض.

يرى مايك إيزاك في تقرير له بصحيفة نيويورك تايمز، إن اعتقاد زوكربيرغ، بعدم التدخل في مدونات الرئيس ترامب، حتى إن كانت تشكل انتهاكا للقواعد المفروضة على أشخاص آخرين، ينبع جزئيا من إيمانه بأنه ينبغي على شركة فيسبوك النأي بنفسها عن الخوض في غمار المشاجرات السياسية، والسماح لثلاثة مليار مستخدم على منصتها بطرح آرائهم، كما يروق لهم.

وهذا الكلام مثير للتساؤل المتهكم واللاذع أمس واليوم وسيبقى كذلك، مثلما كان شأن فيسبوك نفسها وعلاقتها بصناعة مستقبل العالم. ومن شأنه أيضا أن يثير استياء العاملين في الشركة الذين ما زالوا يعتقدون أن زوكربيرغ لا يفعل ما يكفي لمواجهة حملات التضليل على مختلف صفحات الموقع.

وتنقل نيويورك تايمز عن فانيتا غوبتا، رئيسة مؤتمر القيادة المدنية وحقوق الإنسان قولها “لدى تويتر وفيسبوك معايير مجتمعية لمكافحة القمع والكراهية، والتحريض على العنف. ومع ذلك، تفرض مبادئ دورسي تلك المعايير على رئيس الولايات المتحدة، في حين أن زوكربيرغ لا يفعل شيئا مطلقا، مسببا ضررا جماعيا مربكا”.

وهذه ليست المرة الأولى التي تتصرف بها فيسبوك كقوة متعجرفة وليس كدولة رقمية محترمة، تدافع عن قيم تزعم بإعلائها، لذلك ما زالت المعاول ترفع هنا وهناك لتهديم معبد فيسبوك على مشيديه، فهو مصدر يعرّض الديمقراطية وقيم المجتمع للخطر، مثلما يساهم في هبوط حساسية الأخبار.

أو بتعبير روجر ماكنامي مؤلف كتاب “الوقوع تحت تأثير زوكربيرغ”، الذي  يرى أن وادي السيلكون ووسائل التواصل الاجتماعي قد ضلا طريقهما.

ماكنامي تكنولوجي مخضرم وداعم مبكر لزوكربيرغ، مع ذلك لم يتوقف عن مساندة النشطاء الذين يمارسون الضغط من أجل تغيير طريقة عمل التكنولوجيا بشكل جذري. ويعتقد أن الوقت قد حان من أجل المزيد من تنظيم عمل تلك الشركات العملاقة.

كل هذا في مجمله لا يعني أن الناس وحدهم من يقومون بعملية التضليل على منصاتهم الاجتماعية، فالسياسيون ورجال الدين والزعماء والمشاهير والكتّاب… وهوامشهم يشاركون في ذلك بدوافع أنانية سياسية أو شخصية أو عرقية أو دينية.

لقد سبق وأن أطلق تشارلز آرثر مؤلف كتاب “الحروب الإلكترونية: الحرب التي هزت عالم الأعمال” تساؤلات مجدية للغاية هي أشبه بحلول لتكون فيسبوك وتويتر وواتساب… أكثر جدوى لتفاعل الناس، ماذا لو أن المجموعات على فيسبوك التي يشارك فيها السياسيون تمنح الناس الفرصة لقول أشياء لن يفكروا في قولها بصوت عال؟

أرى أن هذا السؤال جدير في إعادة أطلاقه بطريقة موسعة بالتزامن مع معركة ترامب الجديدة على تويتر.