مرة أخرى لدينا قصة صحافية لم نكن من صنّاعها


هناك قصة مخفيّة في كل الذي حدث بالأردن يمثلها الطرف الخارجي، لم تستطع وسائل الإعلام الوصول إليه، وهي المعلومة الأكثر طلبا اليوم بانتظار التحقيقات.


هل يكتشف الصحافيون متأخرا مساحات مجهولة سياسيا كانوا يعتقدون أنهم يعرفونها جيدا؟ الخبر الأردني الذي هز دول الشرق الأوسط حمل إلينا جزءا من الإجابة


بقي الجمهور هنا وهناك يتابع عن كثب ما يجري في الأردن، لكن من حمل إليه الإجابة الشافية؟

مرة أخرى لدينا قصة صحافية تحدث في أروقتنا السياسية العربية ولم نكن من صنّاعها، وتم التقاطها من مصادر صحافية غربية.

الأمير حمزة بن الحسين فضل أن يرسل الفيديو الذي تحدث فيه بالنسختين العربية والإنجليزية لهيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي”. ولم يختر محاميه أي وسيلة إعلام عربية لإرسال الفيديو مع أنه توجد نسخة عربية منه!

صحيفة واشنطن بوست كانت السباقة في نشر خبر الأمير حمزة قبل وسائل الإعلام الأردنية. ونقلت الصحيفة الأميركية عن مسؤولين أردنيين تأكيدهم وجود “مؤامرة معقدة وبعيدة المدى بدعم أجنبي”.

لا أحد من أولئك المسؤولين الأردنيين فضل أن ينقل هذه المعلومة المهمة لوسيلة إعلام عربية واختاروا جميعهم الصحيفة الأميركية!

ماذا يعني ذلك غير استمرار عدم ثقة المسؤولين الحكوميين في العالم العربي بوسائل الإعلام المحلية.

دعك مما حصل بعد ذلك، أنه كم من التحليلات والافتراضات لسيناريوهات تفتقد إلى المعلومات تعيدنا إلى جملة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون عندما وصف المحللين بمجموعة من المهرجين.

ودعك أيضا مما حصل بعد انتشار الخبر بوصفه معلومة جديدة، لأن المنشور مجرد كم هائل من التكرار في تقارير وسائل الإعلام العربية، فيما افتقدت بعدها وسائل الإعلام الغربية إلى حماسة صناعة مادة صحافية بمحتوى متميز باستثناء إعادة ما تنشره وكالات الأنباء العالمية.

ولم يجد ديفيد غاردنر محرر الشؤون الدولية في صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية والذي يزعم أنه الأكثر معرفة بأحوال الشرق الأوسط، غير جملة أن الأمير حمزة أكثر من مجرد شخصية هامشية وأنه كان يسبح في المياه السياسية والاجتماعية العكرة منذ سنوات، مكررا المعلومات المتداولة التي عرفها القراء قبل أن يكتبها غاردنر!

خذ مثلا صحيفة التايمز البريطانية كلفت اثنين من كبار مراسليها في بيروت وعمان بإعداد تقرير شامل عن قصة تمرد الأمير حمزة على حكم شقيقه الملك عبدالله الثاني بعد يوم من الحدث، لكنهما لم يأتيا بجديد يذكر غير الكلام المعروف والمتداول عن القصة نفسها.

أما عندما كتبت الصحيفة البريطانية لاحقا رأيا يمثلها بشأن الخلاف الذي حصل فحذرت العاهل الأردني من تجاهل إشارات السخط بما جرى، مطالبة الملك بكبح جماح المسؤولين الأردنيين المتعجرفين. ورأت أن على الغرب أن يقف على أهبة الاستعداد لتقديم المزيد من المساعدة والدعم للأردن، محذرة من تهديد أسس المملكة الهاشمية.

أما الصحف الأميركية التي عادة ما تولي الخبر الأردني أهمية في خطابها، لم تقدم أكثر مما هو متداول.

ذلك ما دفع علياء عوض الله المحللة في فورن بولسي إلى التعبير عن شكوكها في كل ما يتعلق بالأخبار، مؤكدة أن قلة قليلة في الأردن من تعرف حقيقة ما حصل.

وطالبت عوض الله التي سبق وأن كتبت تحليلا موسعا بشأن اختيار ولي العهد الأردني، الولايات المتحدة بالاستعداد لجميع السيناريوهات المحتملة في الأردن، مشددة على أن واشنطن يجب أن تتابع حلفاءها الذين تعدهم أكثر استقرارا.

في كل الذي حصل في الأردن الأسبوع الماضي هناك خبر، يمتلك المواصفات الحقيقية للخبر الصحافي، لكن لا وسائل الإعلام الأردنية بوصفها مكان حدوث الخبر ولا العربية القريبة منه استطاعت صناعته. كما اكتفت وسائل الإعلام الغربية بالمتداول من تقارير وكالات الأنباء.

فهل يكتشف الصحافيون متأخرا مساحات مجهولة سياسيا كانوا يعتقدون أنهم يعرفونها جيدا؟ الخبر الأردني الذي هز دول الشرق الأوسط حمل إلينا جزءا من الإجابة، عندما افتقرت تقارير وسائل الإعلام إلى المحتوى المتميز الشافي لإجابات يبحث عنها الجمهور. والأكثر خيبة من ذلك قرار النائب الأردني بمنع نشر كل ما يتعلق بقضية الأمير حمزة، ليتراجع لاحقا مستثنيا الآراء والتعليقات. الأمر الذي يكشف ذعر الحكومات مما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي. فيما تحول تعليق رئيس تحرير صحيفة أردنية إلى “كوميديا صحافية مريرة” وهو يعبر عن شكره لله على انتهاء الأزمة في تصريح نقلته وكالة الصحافة الفرنسية بقوله “وكأن شيئا لم يحصل”!

هناك قصة مخفيّة في كل الذي حدث بالأردن خلال أيام، يمثلها الطرف الخارجي، لم تستطع وسائل الإعلام الوصول إليه، وهي المعلومة الأكثر طلبا اليوم بانتظار التحقيقات.

بقي الجمهور هنا وهناك يتابع عن كثب ما يجري في الأردن، لكن من حمل إليه الإجابة الشافية؟

أرى أن هذا السؤال الأهم الذي ينبغي علينا كصحافيين إعادة إطلاقه على أنفسنا كلما فشلنا في تقديم محتوى متميز في زمن تتدفق فيه معلومات هائلة على الجمهور.

لقد غابت المعلومة عن أهم خبر شهدته المنطقة العربية في أزمة الأيام الثلاثة في عمان، فيما بقي المراسلون يدورون على ما هو معروف ومكرر من دون أن يصنعوا قصتهم الحقيقية عن الحدث السياسي العاصف الذي هز الأردن والمنطقة وبقيت الفجوة قائمة بين ما حدث فعلا وما نشر.

في يوم ما كتب روبرت كايسر المحرر الرائد على مدار خمسين عاما في صحيفة واشنطن بوست قبل تقاعده، أن القراء يبحثون عن الحقيقة ويستحقون لقطة واحدة وواضحة على الحقائق حتى يتمكنوا من تحديد من هم الرجال الصالحون ومن هم الأشرار.

ويبدو من المناسب استعادة هذا الكلام مرة أخرى في وقت لم تنته بعد تداعيات الخبر الأهم الذي مر على الأردن والمنطقة وشغل الصحافيين والمحللين من دون أن يصلوا إلى الحقيقة كاملة.