مصطفى الصاوي يرصد حركة نشر الشعر العربي في السودان

الباحث يأخذ بالمنهج التكاملي إطارا منهجيا لبحثه، من خلال طرح بعض الأسئلة.


حمزة الملك طمبل دعا إلى إيجاد أدب قومي يستلهم الروح السودانية وتراثها وبيئتها 


من التجارب الشبابية في مجال نشر الشعر في السودان: مبادرة برانا، وجماعة مشافهة النص، وجماعة رائحة البن، وهي مجموعات لها حضور قوي في العالم الرقمي

يرصد الباحث د. مصطفى محمد أحمد الصاوي حركة التأليف والنشر في السودان خاصة الشعر ونقده باعتباره الجنس الأدبي الذي تراكم كميا ونوعيا على مدى واسع منذ فجر النهضة الأدبية وصولا إلى اللحظة الراهنة.
وفي بحثه المنشور في تقرير حالة الشعر العربي الصادر عن أكاديمية الشعر العربي بجامعة الطائف السعودية 2019 يلجأ الباحث للأخذ بالمنهج التكاملي إطارا منهجيا لبحثه، من خلال طرح أسئلة مثل: ما أوضاع النشر في السودان؟ ما أهم الإصدارات الشعرية والنقدية به؟ ما مدى مواكبة الإعلام لحركة الشعر" ما أثر وسائل التواصل الاجتماعي على حركة الشعر إيجابا وسلبا؟
وهو يلجأ إلى كتاب الراحل د. عبدالمجيد عابدين "تاريخ الثقافة العربية في السودان" 1953 وفيه يوضح ملامح الشعر في السودان في فترات تاريخية وصولا إلى ما أطلق عليه الشعر في العصر الحديث، حيث لاحظ عابدين أن الأثر الديني قوي في هذا الشعر، ولا يزال أكثر الشعراء من رجال الدين والفقه، ويعنى كثير منهم بالمدائح النبوية والإشادة بالدين إلى جانب النظم في الأغراض التقليدية الأخرى كالمدح والغزل والهجاء والشكوى.
كما يستعرض الصاوي دراسة محمد إبراهيم الشوش "الشعر الحديث في السودان" 1971، ودراسة عزالدين الأمين "نظرية الفن المتجدد وتطبيقها على الشعر" 1964. ودراسة حسن صالح التوم "الاتجاه الأفريقي في الشعر السوداني المعاصر" 2001، ودراسة محمد الواثق 2009 "الشعر السوداني في القرن العشرين آراء ومختارات" ويعلق عليها الصاوي بقوله: "هذه الدراسة هي أقرب الدراسات لما نحن بصدده". وهي تضم مختارات لثلاثين شاعرا.
أما عن أوضاع النشر في السودان، فيؤكد الصاوي أن أول كتاب طبع في السودان كان بعنوان "نسمات الربيع" وهو ديوان يضم مدائح نبوية نشرت في المولد النبوي في عام 1923، وهو يعتبر أول ديوان شعر نشر بالسودان.
كما يتابع الباحث حركة النشر والتأليف في عهد الحكومات الوطنية، ويذكر أن "مجلة النهضة" 1931 نشرت خلال سنوات صدورها التي لم تدم سوى أربعة أشهر، 145 قصيدة. ويذكر أن أول ناشر سوداني هو إبراهيم صديق الذي أول من استعمل كلمة ناشر في السودان، وكان قاضيا بالمعاش. وأن والد ديمتري البازار (صاحب مكتبة البازار 1921 بالخرطوم) اهتم بتسجيل الأسطوانات الغنائية التي ألفها شعراء تلك الحقية بالعامية السودانية، واللغة العربية الفصحى.
وعن راهن دور النشر الأهلية والرسمية ذكر الصاوي عددا من دور الطباعة والنشر العاملة بالسودان، كما ذكر التجارب الشبابية في مجال نشر الشعر، ومنها: مبادرة برانا، وجماعة مشافهة النص، وجماعة رائحة البن، وهي مجموعات لها حضور قوي في العالم الرقمي. ثم يذكر أهم الإصدارات الشعرية الحديثة خلال السنوات السابقة.
أما عن أهم الإصدارات النقدية في مجال نقد الشعر، فيذكر الصاوي أنه منذ سني العشرينيات من القرن الماضي شهد السودان إرهاصات لتوجه نقدي كلاسيكي، وبرزت مختارات شعرية جمعها الأديب المصري سعد ميخائيل وهو من الذين أسهموا في نشأة الحركة الأدبية في السودان، وكان يكتب في جريدة "رائد السودان 1913 – 1918"، كما شهدت كتابات نقدية حاولت ملاحقة الإبداع الشعري من الأمين علي مدني، وحمزة الملك طمبل الذي دعا إلى إيجاد أدب قومي يستلهم الروح السودانية وتراثها وبيئتها،  ثم ظهر العلامة عبدالله الطيب في سني الخمسينيات.

The case of Arabic poetry
تأثير الوسائط الإلكترونية في الشعر السوداني 

ثم ظهرت رابطة الجزيرة للآداب وحرصت على طباعة الكتب ومن أقطابها: نبيل غالي ومجذوب عيدروس، وعلى مؤمن، غير أن عيدروس يعلِّق في رسالة أرسلها لي (بعد اطلاعه على جزء من التقرير)، بأن نبيل غالي من رابطة سنار الأدبية، وليس من رابطة الجزيرة، وسنار تبعد عن مدينة ود مدني (مقر رابطة الجزيرة) بأكثر من 100 كيلومتر، لكن كان هناك تعاون بين الرابطتين. ولم يرد ذكر رابطة سنار الأدبية في تقرير الصاوي الذي ذكر أهم الإصدارات النقدية التي صدرت في سنوات مختلفة بالسودان، والقاهرة (الصورة في الشعر السوداني لحسن عباس) وبيروت.
أما عن الشعر السوداني وحركة الإعلام، فتبرز "مجلة الخرطوم" التي أفردت العديد من صفحاتها لنشر النصوص الشعرية ونقد الشعر، ويبدو أنها كانت تصدر في الستينيات. 
ويشير الباحث إلى أن السودان ولفترة طويلة لم يعرف مجلة متخصصة بالشعر السوداني باستثناء إصدارة شعرية ظهرت مؤخرا وهي "الوجود المغاير" وصدرت عن بيت الشعر بالخرطوم، ووصلت أعدادها في يونيو/حزيران 2018 إلى 20 عددا. ويأمل الصاوي أن تتحول الإصدارة إلى مجلة متخصصة في نشر الشعر ونقده.
وعن الإذاعات المرئية والمسموعة فيذكر الباحث برامج إذاعية مثل "شعر وموسيقى"، "شوارد"، و"سحر القوافي" وغيرها. 
كما يتوقف الصاوي عند تأثير الوسائط الإلكترونية في الشعر السوداني التي تجلت في الأقراص المدمجة، والكتب الإلكترونية، والمواقع المختلفة على شبكة الإنترنت، ومعظمها يختص بنشر إبداعات الشباب الشعرية، ولكنها إبداعات أو نصوص لم تصل إلى مقام الشعر الرقمي التفاعلي. 
ويذكر الباحث إيجابيات عديدة لنشر الشعر إلكترونيا منها: التغلب على أزمات النشر الورقي، وظهور  فضاء جمالي رقمي، وازدهار نشر الشعر في السودان، وتغطية الحراك الشعري بما فيه من أنشطة متعددة مثل: المسابقات المتعددة الخاصة بالشعر ونقده، وأخبار الملتقيات الشعرية والإصدارات الإبداعية والنقدية.
أما عن سلبيات النشر الإلكتروني، فمن أهمها - كما يرى الصاوي - تسلل نصوص تفتقر للقيمة الفنية ومصابة بالفقر التخيلي واللغوي إضافة لنسيجها المتهلهل، وافتقارها للرابط العضوي والتقني.