مندور والقط وعباس شغلهم سؤال جوهري واحد

النقاد الثلاثة من أعلام العربية في القرن العشرين بلا منازع، خدموا لغتهم وثقافتها وأدبها وحضارتها خدمة فريدة نمت عن علم وفهم وحب وإخلاص وتجرد.


بداية محمد مندور بعد عودته من فرنسا هي البحث عن الأسانيد والمبادئ التي تدعم معرفته الجديدة


عبدالقادر القط اختار أن يكتشف مفهومًا للشعر عند العرب من خلال كتاب" الموازنة"   


إحسان عباس انشغل بكتابة تاريخ النقد العربي عند العرب منذ القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري

هم ثلاثة من كبار القوم في حياتنا النقدية خاصة والثقافية عامة. أولهم هو محمد مندور (١٩٠٧-١٩٦٥) من كفر مندور بمحافظة الشرقية بمصر. وثانيهم عبدالقادر القط (١٩١٦- ٢٠٠٢) من شرقية المعصرة بمحافظة الدقهلية. وثالثهم إحسان عباس (١٩٢٠- ٢٠٠٣) من عين غزال فلسطين.
هم من أعلام العربية في القرن العشرين بلا منازع، خدموا لغتهم وثقافتها وأدبها وحضارتها خدمة فريدة نمت عن علم وفهم وحب وإخلاص وتجرد. نستطيع أن نحسبهم من الجيل الأول من تلامذة طه حسين وأقرانه النبهاء في الجامعة الأم جامعة القاهرة. تمتعوا بالحس الموسوعي للمعرفة الذي أكسبهم النظر الكلي لعلوم العربية وهي كثيرة واتصالها بعلوم الدين والتاريخ والفكر والثقافة والتراث، فتحقق لهم ميزان النظر باعتدال إلى الثقافات المغايرة مثل الثقافة الأوروبية في كل مصادرها، وإلى ثقافتهم الأم فقرنوا بين المشترك الإنساني وحافظوا على فوارق التميز والاختلاف والسؤال الذي يتبادر إلى ذهن قاريء هذه المقالة، هو وما الرابط بينهم الآن في هذا السياق، فمندور والقط مصريان، وعباس فلسطيني، وكل منهما شق طريقه المختلف عن الآخر، بل استوت تجربته واكتملت بعد رحيله، ولم يبق منهم إلا تراث مكتوب نضيفه إلى كتاب تراثنا العريض على امتداد القرون وتغاير الظروف وتبدل الأزمان؟
وسؤل القاريء سؤال مقبول بل مفروض ومصدر قبوله أو فرضيته أن كل كتابة ينبغي أن يكون لها منطق متماسك يحفظ وحدتها ويضمن صدق مقدماتها وصدق نتائجها. ومنطق كتابتنا هو أن هؤلاء الأعلام اشتغلوا بسؤال جوهري لأنه سؤال كل مرحلة تاريخية كبرى. هذا السؤال ما النقد الأدبي؟ وما موضوعه؟ وما منهجه؟

وقد شغلهم هذا السؤال بسبب انشغالهم بفنون الأدب في زمنهم ونشأتها وتطورها وحركة التمازج الثقافي بينهم وبين واقعهم العلمي من جهة، وبين نظيرتها في بلدان العالم المتقدم من جهة أخرى. فلا يكفي قبول المنتج الثقافي والعلمي كما هو بل يحتاج هذا التلقي إلى قراءة مماثلة لما استقر في تراثنا الأدبي والنقدي. وتنبع أهمية هذه القراءة من زاويتين الأولى إعادة اكتشاف الماضى بوصفه ضمانة لاستمراره وتطوره وهذا بدوره يدعم الحاضر ويقويه. والزاوية الثانية أن هذا الاكتشاف يعد سندًا للمعرفة الجديدة المنقولة حتى تستقر وتؤتي أكلها في كل حين.
وقد مارس كل واحد من هؤلاء الثلاثة هذه القراءة بغية الإجابة عن سؤال ما النقد؟ فماذا قرأوا؟ هم بطبيعة الحال قرأوا مصادر التراث النقدي القديم كما قرأوا مصادر الشعر ولكنهم مع ذلك اجتمعوا على قراءة مصدر مهم وهو كتاب "الموازنة بين الطائيين" أبي تمام والبحتري. فمندور حين كتب كتابه "النقد المنهجي عند العرب" وفرغ منه ١٩٤٣ كان شاغله سؤال بسيط هل توفر ناقد من نقاد الشعر في القرن الرابع على قراءة كبار الشعراء قراءة منهجية على أسس نظرية معلومة أو أسس تطبيقية يمكن استنباطها؟ ولماذا القرن الرابع؟ وجد مندور الآمدي صاحب الموازنة ووجد في كتابه ممارسة نقدية واضحة أقيمت على أسس نظرية وطرائق تطبيقية اتخذت من اختلاف الشاعرين الكبيرين أبي تمام والبحتري مجالا تطبيقيا لها. غير أن مندور لم يفرح بأن وجد ضالته في الموازنة بل ازداد فرحا باكتشافه "الوساطة بين المتنبي وخصومه" لعبدالعزيز الجرجاني الذي دار نقده في هذا الكتاب على علم شعري فذ هو المتنبي شاعر القرن الرابع بلا منافسة. وامتد نظر مندور إلى اكتشاف المباديء الأولى لتطور النقد في القرن الرابع عند هذين الكبيرين فعاد إلى ابن سلام الجمحي في القرن الثالث وكتابه "طبقات فحول الشعراء" ليكتشف الأسس الأولى.
بداية مندور إذن بعد عودته من فرنسا هي البحث عن الأسانيد والمبادئ التي تدعم معرفته الجديدة.    
أما عبد القادر القط في لندن، فقد ذهب مشغولًا بالسؤال نفسه عند مندور الذي سبقه إلى تقديم محاولته في كتابه المذكور. كتب القط عن "مفهوم الشعر عند العرب" ١٩٥٣. ومفهوم الشعر عند العرب مصادره متعددة ومتنوعة ولكنه اختار أن يكتشف مفهومًا للشعر عند العرب من خلال كتاب" الموازنة" أيضًا ولكن من طريق غير الطريق التي سلكها مندور. انطلق مندور من الموازنة والوساطة وعاد إلى الجذور عند ابن سلام. لم يفعل القط ذلك فقد انطلق من الموازنة وحدها ومن مسألة محددة فيها وهي مذهب البديع الذي سلكه أبوتمام وتجلى في لغته الشعرية ومن قبل في رؤيته. ومذهب البديع كانت له بداياته الشعرية البسيطة عند شعراء القرن الثاني الهجري أمثال بشار ومسلم وأبي نواس، ازدادت هذه البدايات وتعمقت وصارت أسلوبًا في رؤية العالم ولغة الشعر عند أبي تمام الذي اختلف بذلك عن أقرانه اختلافا بينًا ومنهم البحتري مما خلق له أنصارًا ومناوئين وعلى رأسهم ابن المعتز الذي كتب كتاب "البديع" خصيصًا ليبطل اتجاه أبي تمام وينصف اتجاه التقليد على يد البحتري.
كتب القط كتابه على هذا النحو انطلاقًا من قراءة الموازنة وقراءة مذهب البديع. 
أما إحسان عباس فأمره مختلف كل الاختلاف لأنه انشغل بكتابة تاريخ النقد العربي عند العرب منذ القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري واختط لنفسه خطة واضحة تعتمد على التطور التاريخي لمسارات التطور المادي والتطور الاجتماعي والفكري للحضارة العربية بوصفهما أساسين ينتج عنهما حس المفارقة بين الأذواق والتقاليد والمذاهب والنقد وحده هو القادر على اكتشاف طبيعة هذه المفارقة كميا وكيفيا ومصادرها وانعكاسها في الأدب والفنون.

تتبع إحسان مصادر نقد الشعر في مهدها الأول حتى صعودها ونضجها عند ناقدين هما الآمدي في "الموازنة" والجرجاني في "الوساطة" ورأي في هذين المصدرين الكبيرين أن النقد العربي بلغ قمته عند هذين الناقدين في بلورتهما منهجين مهمين هما منهج "الموازنة" ومنهج "المقايسة" الأول ينطلق من النص والثاني ينطلق من تاريخ الأدب للبرهنة على جودة النص أو رداءته.
وقد كتب القط مقالته الشهيرة في مجلة "فصول" عن النقد القديم والمنهجية في بداية الثمانينيات من القرن العشرين ليقلل من غلواء من يدعون منهجية النقد القديم وهى ردة عما كتبه في كتابه مفهوم الشعر.
هؤلاء الثلاثة من الكبار قدموا ثلاث قراءات مختلفة لموضوع واحد مع أن سؤالهم المنهجي واحد وهمهم الثقافي الذي دفعهم للكتابة كان واحدًا تقريبا.
وهذا ما أدعو إليه وهو اكتشاف قراءة القراءة لتأسيس مباديء جديدة في النظر والفهم، قوامها تطور الرؤى والأفكار في واقع اجتماعي متطور ومتغير ومشتبك مع ماضيه البعيد والقريب من ناحية، ومع قوى الهيمنة والسيطرة المعرفية والمادية من ناحية أخرى.