منعطفات سردية فارقة ومجاز يغمر قصص "كورال الدمى"

المجموعة القصصية للكاتبة نهى الطرانيسي تمتثل فكرة الآلية التي تندحر إليها الإنسانية بتصحر التواصل الإنساني، فالوحدة رفيق بتعبير القصص، والهم الشاغل البحث عن الأمل والدفء.


رمز فني في القصص يقترب من حدود الشعر


الشوق الدائم للكتابة يتماهى في القصص

بقلم: خالد جودة أحمد
التخصيب المجازي بالصور اللونية 
مثلت قصص "كورال الدمى" للقاصة نهى الطرانيسي لون القصص التي تحقق "تمنع النص متعة القارئ لا المتلقي"، أي تحتاج حالة واعية للتلقي، وإعادة القراءة وتدوير المعنى، حيث الحدوتة ليست أساسا، وحيث تفتيت الحدث القصصي ومثول "حالة" تستحوذ على الشخوص الرئيسة بالقصص، فالمعنى لا يسلم ذاته للقارئ بيسر، حتى يتحقق التأويل القرائي عبر مفاتيح هادية بين سطور القصص، تسبب في تجذير هذا الشأن تلك اللغة الإيحائية القائمة على التخصيب البياني، بالاعتماد على الصور المجازية البلاغية، خاصة اللونية منها، حيث هيمنتها في المجاز الذي يغمر القصص، بحيث لا تمضي صفحة في الكتاب الإبداعي دون أن تمهرها الالوان بدوالها عبر ثيمات القصص الموضوعية، بل قد تتعدد الألوان في السطر الواحد: (من لوحة أرجوانية اللون بدأ يتسلل من أطرافها خيوط برتقالية صفراء مخترقة الغمامات القطنية). 
المجاز القصصي "قصة الكناية"
حيث اعتماد الرمز الفني في القصص، والذي تحدث عنه النقد أنه بطبيعته يقترب من طبيعة الشعر، ويرى د. عبدالقادر القط أنه عندما يزيد نصيب القصة من التخيل وتتبلور فيها الحكمة والمعاني الإنسانية فيتحول حينها الرمز إلى كناية كبيرة ذات مغزى، فقصة (العين لا تبصر الأهداب) حيث السارد الطائر المغرد الحبيس خلف (أعمدة متراصة صلبة باردة سلطت جبروتها)، ُيطلب منه الاستسلام لتنعم السيدة المخملية بألوان الطائر الزاهية، والطائر المسكين يسقط في فك ظلمات متعددة بين السيدة والقط المتخايل في تقزز، وسلبية الآخر، ورؤية العبيد (طعامك وشرابك محضر وبيت آمن جميل بعيدًا عن الصيادين والطيور الجارحة). ومثلت القصة "ايقونة الحرية" والرحلة إلى السماء: ( بيتي هو السماء بقبتها الواسعة التي لا حدود لها هكذا يكون بيتي)، (أريد أن أسبح بين طيات السماء لأغرد ..)، فدائمًا الفن وثيق الصلة بالصعود إلى السماء من أرض القفص "الواقع" الكريهة، أما الخاتمة فجاءت ملخصة تحمل بشائر التغيير بإسداء النصح حول التنقيب في الذات وتثوير الباحة الخاصة. وقصة (ميلاد) حيث السارد الجنين يصف بلورته العازلة، ورحلة تشقهها، وخوف الميلاد، لكنه يؤثر الخروج ليحقق التواصل مع الأمومة. 

القصص في رحلتها ومتنها الموضوعي تنشد التغيير وإضاءة إيقونات الحرية على المستويين الذاتي والجماعي، لذلك نجد الحركة الدائمة ومفردات الأفول والرحيل والفراق والطريق، وفكرة الصعود من الأرض للسماء، والصخب الداخلي 

  لحظة الاشتعال القصصي "منعطف السرد" 
تباينت الرؤى حول مفهوم القصة القصيرة، لكن ظل الاعتبار للحظة القصصية الفارقة المنتقاة بعناية، والتي تمثل المتكأ في هذا الفن الصعب، فلحظة التحول أو الإبدال هي لحظة إشعال الفتيل القصصي، لكونها لحظة كاشفة، فعند منعطف الطريق تتسع الرؤية، وكما يقال "إذا اتسعت الرؤية.. ضاقت العبارة"، مما يعني أن خاصية التقطير السردي ترتبط بلحظات الاشتعال القصصية، وفي مجموعة قصص (كورال الدمى)، نجد تمثل هذه الفكرة عبر (16) قصة قصيرة جدًا ضمن عدد (28) قصة تمثل مجموع الكتاب القصصي، وبعضها قصة الومضة التي لا تزيد عن سطور قليلة.
فقصة (عندما يزهر الأمل) نجد المفارقة في استعمال اللون الأبيض: (بدأت حياتي كالنجمة اللامعة تضئ للآخرين.. لكن بارتدائك الأبيض إنطفأت شمعتي)، وشكلت المفارقة "الساعة النفسية" أي انصرف الوقت سريعًا "فجوة سردية هائلة"، ووافق المبنى المعنى، فكانت العبارة مكثفة ناجزة، ووضح منعطف السرد (التغيير) عبر لحظة التوهج والإبدال من الحزن إلى الأفراح: (في ظل الحزن الهائل خرجت أناجي الله، لك الحكمة يا إلهي)، وعقب اللحظة الفارقة كان الإبدال إلى عذوبة وخيوط نور وبعث لروح الأمل، وحقق العنوان دعمًا للفكرة.
أما الحضور القوي للفنون باعتبارها وسيلة للتغيير المنشود، والعزاء عن قسوة الواقع، فهي في ذاتها لحظات اشتعال قصصية، ومنعطفات سردية محورية في القصص. ففي قصة (أفول الكلمات) تقدم لنا الساردة معاناة لحظة الإضاءة (هي ذاتها لحظة تحول)، فنجد تعبيرات طريفة حول: نذالة الكلمات الراحلة وفوهة الفراغ القابعة بعقل المبدع حين تعانده تلك اللحظة الذهبية: (أين تذهب الكلمات حين تنساها عقولنا؟ ألها مخبأ داخلنا لا نعلمه، أم أنها تعاقبنا برحيلها إلى مكان غير معلوم)، (تركتني الكلمات وحملت معها الصور والخيال بجعبتها دون وداع)، واقتنت القصة فكرة "الفنتزة" بلقاء شخصيات القصص. ونجد الشوق الدائم للكتابة: (لا أدري ما الذي دفعني للكتابة الآن؟ أحنين لها؟ أم مشاعري ضاقت بصدري، فاشتاقت لنسمة هواء باردة)، ثم متابعة "التوريق" في الصورة فالمشاعر تهدد القاصة وتحرضها وتسجنها، وفي الوقت نفسه تختنق بداخلها. وقصة (ضوء القمر) تقوم حول فن الرسم، وعزلة الفنان سبيل التغيير، حيث القلوب الذابلة من الأوجاع، ثم لحظة التحول بالفن، حيث ترسم الفنانة بطلة القصة ألوانًا أخرى تخالف الألوان الكئيبة خارج النافذة "الواقع": (ترسم الألوان كؤوسًا هنية تمنح القدرة والأمل)."

قصص
 تقطير سردي يرتبط بلحظات الاشتعال القصصية

ويقترن بشأن حضور الفن في القصص قضية التعدين القصصي وعنوان الكتاب الإبداعي، حيث لا توجد قصة تحمل هذا العنوان، بل لا تحمل قصة في متنها هذا التعبير، مما يمنح فكرة "جماعية القصص"، والقيمة المضافة لمجاورة القصص لبعضها البعض بالتشغيل القصصي إضافة لقيمتها الذاتية، إلى نفي تثمين قصة واحدة واستحواذها علي الإهتمام النقدي باعتبارها ممثلة النضج الفني، وهذا الاتجاه في صناعة العنوان موفق ومثمر وأؤيده. ولأنها دمى فهي مسلوبة الإرادة بفعل خارجي حيث تنتظم كورالا يعزف النغم الموجوع، هنا تمنح القصص "معًا" دال الشيئية مثيرة لفداحة القهر العصري للإنسانية. 
الشيئية والأنسنة والتغيير
والقصص تمتثل فكرة الآلية أو الشيئية التي تندحر إليها الإنسانية بتصحر التواصل الإنساني، فالوحدة رفيق بتعبير القصص، والهم الشاغل البحث عن الأمل والدفء، فأسست القصص الفكرة البديلة عن الفقد بالأنسة للأشياء والكائنات للتعزي عن مادية الإنسان، فنجد الإشارات الكثيفة حول: (صبر الكرسي ومده أياديه الخشبية لإزالة عناء الجمود / الكرسي الخشبي الذي يشتكي والآخر المهمل في الزاوية / الصور علي الحائط  للأحباب الراحلين "مروي عليهم" في القصص يشاركون البوح والذكريات لأبطالها / وفنجان القهوة لا يهدأ ولا يصبر ويطلق زفراته الشفافة). وقصة (الشريدة) الإنسان الروبرت يابس الوجه ساردًا بالقصة عن يوم ممل اعتيادي آخر له خطوات بطيئة مضجرة مثل "سجن الواقع"، وشخصيات "دمى" عاجزة عن الفعل يتلاعب بخيوطها الروتين والسكون المميت، وشحوب الحلم: (كأننا في يوم المحشر العظيم، تسوقنا الأحلام الواهنة المتواضعة)، والقصة تشتمل في جدل (الشيئية / الأنسنة) لحظة إشعال الفتيل بالإبدال، ففي أحد الأيام جرى الكسر للروتين والحياة مع الطبيعة بالبكور حيث "زقزقة العصافير" واستعارة فرحتها، وبدت لحظة التواصل الإنساني في القصة مهددة تحت أثقال الرماد والخيبة وشحوب الحلم وتدهور صحة الأمل، وثقل الإعتياد، حيث الروبرت لا يسمح له بالتواصل الإنساني أو التأمل في تفاصيل الملامح أو الالتفات، والقصة كان يمكن أن يتم ختامها بهذا النسق النابه، ليكون المغزي حاضرًا، ولكن آثرت القاصة إشباع لحظة الاشتعال القصصي وتجذيرها: (تملكتني طاقة سحرية، فتحت نافذتي لإطل علي عصافير أوت إلى أعشاشها بسلام). 

لا أدري ما الذي دفعني للكتابة الآن؟ أحنين لها؟ أم مشاعري ضاقت بصدري، فاشتاقت لنسمة هواء باردة

والقصص في رحلتها ومتنها الموضوعي تنشد التغيير وإضاءة إيقونات الحرية علي المستويين الذاتي والجماعي، لذلك نجد الحركة الدائمة، ومفردات الأفول والرحيل والفراق والطريق، وفكرة الصعود من الأرض للسماء، والصخب الداخلي بالخواطر والأسي، لكنها تنزع لحلم التحرير: (وأصررت على تحطيم حصن الأشواك حول زمردة القلب الذي يأبى الخفقان).
المناجاة الدرامية بالقصص 
تنوعت طريقة القص بهيمنة السرد الذاتي المنوع بتقنيات ناجزة بين سيرة شخصية القصة الذاتية، والاستمداد من خبرات وتجارب تمثل معاناة خاصة، وتقترب للهامش الاجتماعي وهموم إنسانية كونية لإنسان إهدرت حقوقه لجعلها متنًا سرديًا، ووجهة النظر عبر "المناجاة الدرامية" وذلك  بالعرض إلى شخص يتحدث إلى شخص آخر، حديث يتسم بالتلقائية، وهو مثيل للمناجاة "المونولوج الداخلي" للكشف عن مكنون الشخصيات، حيث مناجاة الأحباب الراحلين، ومناجاة البحر والطبيعة، حتى الحوار يغلب عليه ذات الأسلوب، فقصة (الأشباح لا تفشي الأسرار) قصة صوتية تغلب عليها تقنية الحوار الممسرح، لكنها في حقيقتها مناجاة بتقنية الانقسام علي الذات "التشظي". 
الصعود إلى السماء 
أما المركزية الموضوعية للقصص في تأويلي فتتمثل في ثنائية (الضباب "الواقع" / الطبيعة "المثال")، وهي ذاتها ثنائية (الأرض /السماء): حيث القاموس القصصي البلاغي الأثير يقوم علي تكرار مفردات ذات حقول دلالية تنتمي إلى تلك الثنائية، فمفردات: الشمس الحارقة الضباب والدخان والرمادية المقيتة والأتربة والأرض، يناظرها مفردات الضوء والنور والصفاء والأمل والسماء، والشواهد النصية وافرة يضيق عنها الحصر مثال لها: (لا تتركي ضباب الخوف يسطر الفزع بسمائك بدديه بالأمل واسطري أول كلماتك)، (التراب خفيفًا جافًا يخنق الأنفاس مشبعًا بالعرق والدماء)، (ونظرت إلى السماء، سرت.. أمشي وأمشي، لا تعب ولا ملل، وكأني أردت كسر الأرض بخطواتي، لعلى أستطيع التنفس بعد قليلاً)، مما يعني أن فكرة التغيير ماثلة رومانسيًا عبر رحلة الصعود من الأرض "الواقع" إلى "السماء": (السماء في الأفق البعيد مع ملتقي البحر تغمز لي: أنا ملجؤك هدئ من روعك، وأزح الهم عن فؤادك.. احك واسرد)، واحك واسرد دال الفن للتغيير المنشود، ورحلة الصعود تمثل "ايقونة الحرية" والتغيير المنشود. أما الخواتيم القصصية فكانت من لون القصص التي تقوم بتلخيص وإعادة تقديم المقولة القصصية.