منقذ البشرية عقيدة دينية ام حتمية تاريخية؟

عقيدة المنقذ ليست مجرد موروث ديني غيبي، بل هي ضرورة تاريخية وفطرة بشرية تجلت في سير العظماء والأنبياء وحتى الفنون المعاصرة كأمل حتمي لمواجهة الظلم.

من الصعب الوصول إلى إثبات علمي قطعي على عقيدة دينية أو تاريخية، إذ إن معظم العقائد الدينية هي عقائد غيبية لا تخضع للحس والبرهان، والعقائد التاريخية لعلها الأكثر مرونة؛ لأنه يمكن إخضاعها لمجموعة من الأدوات بما يحقق إمكانية إثباتها أو نفيها بنسبة كبيرة تفيد الاطمئنان.

عقيدة المهدي لدى المسلمين، والتي هي مثار خلاف دائم بين المذاهب الإسلامية، وهي وإن كانت عقيدة دينية، إلا أن لها أبعاداً تاريخية وأنثربولوجية وثقافية عميقة؛ لأنها جزء من عقيدة المنقذ في الثقافة البشرية. فالمنقذ عقيدة دينية، وعنصر ثقافي، وسنة حية لدى أغلب الأمم والشعوب منذ فجر التاريخ وحتى عصرنا الراهن، ما يجعلها مثار بحث خصب ومتجدد على الدوام.

في الدائرة الشيعية، فإن المنكرين لوجود عقب للإمام الحسن العسكري، الذي هو آخر الأئمة عند الشيعة، عليهم إدراك أنه حتى لو لم يوجد محمد بن الحسن لا يعني هذا عدم وجود المهدي أو المنقذ، وإثبات عدم وجود شخصه يحتاج في الأصل إلى قراءة موضوعية واسعة في التراث الإسلامي والعربي. في "وفيات الأعيان" لابن خلكان، وهو متحامل على الشيعة كما يبدو، يقول عن محمد بن الحسن: "أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد، ثاني عشر الأئمة على اعتقاد الإمامية، المعروف بالحجة، وهو الذي تزعم الشيعة أنه المنتظر والقائم والمهدي، وهو صاحب السرداب عندهم، وأقاويلهم فيه كثيرة، وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسامراء. كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولما توفي أبوه كان عمره خمس سنين، واسم أمه خمص، وقيل نرجس. والشيعة يقولون إنه دخل السرداب في دار أبيه وأمه تنظر إليه فلم يعد يخرج إليها، وذلك في سنة خمسة وستين ومائتين، وعمره يوم ذاك تسع سنين".

وذكر ابن الأزرق في "تاريخ ميّافارقين" إن الحجة المذكور ولد تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقيل في ثامن شعبان سنة ست وخمسين ومائتين، وهو الأصح، وأنه لما دخل السرداب كان عمره أربع سنين، وقيل خمس سنين، والله أعلم أي ذلك كان، رحمه الله تعالى.

المثير أن ابن خلكان أورد بعض التفاصيل عن حياة الأئمة السابقين عليه، أما هو فلم يذكر عن حياته شيء. وابن حجر الهيثمي في صواعقه يذكر محمد بن الحسن ويورد حججاً كثيرة في نفي مهدويته، يقول عنه بعد ذلك: (وَمُحَمّد الْحجَّة هَذ إِنَّمَا ولد بسر من رأى سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ)، ثم يقول إن الكثيرين يعتقدون أن لا وجود له البتة، وأن الشيعة تفرقوا بعد العسكري، ويورد قول ابن خلكان عنه.

ويقول المعاصر الكاتب والباحث المغربي في كتابه الطاهر بن عبد السلام اللهيوي في كتابه "الحصن المتين" ما نصه في ترجمة الإمام الحسن العسكري: "مات بسامراء سنة 260 هجرية وكان ميلاده سنة 232 هجرية وله من العمر 28 سنة.. ويقال إنه مات مسموماً أيضاً، ولم يخلف غير ولده ووارث سره محمد".

إن الأقوال النافية لوجوده أو مهدويته تتفق على اختفائه وهو صبي، ولا يورد القائلين بوجوده شيء من سيرته، في تناغم مع الذين يعتقدون باختفائه. وقرأت أن هناك أسر في المغرب العربي من الأشراف تنحدر من رجل من أهل البيت يدعى محمد بن الحسن العسكري، ومعروف أن بلاد المغرب كانت ملجأ للأمويين والعلويين الفارين من السلطة العباسية. في هذا الصدد يقول الباحث والمحقق المصري حسن عشابى برين في بحث له بعنوان "القول الفصل في قضية الإمام المهدي": "وأما محمد المهدي ابن الإمام حسن الخالص العسكري ولد سنة 252 هجرية وأمه أم ولد يقال لها نرجس هو آخر الأئمة الاثني عشر، وغلط من قال إنه المهدي المنتظر، هو الذي يكمل العدد ثلاثة عشر، تأمل ذلك جيداً، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: المهدي المنتظر اسمه كاسمي واسم أمه كأمي واسم أبيه كاسم أبي. سيكون الكلام عن الإمام محمد المهدي آخر الحديث، وأما الإمام محمد المهدي ابن الأمام حسن العسكري المذكور لما انتشى وعلم أن الكرب اشتد عليه والأعين ناظرة إليه من بني العباس وما حصل لآبائه السالفين، هاجر من المدينة إلى بلاد المغرب حتى رمته المقادير بمدينة فاس، فدخلها سنة 276 هجرية، واعتقدوا فيه أهلها وكذلك السلطان يومئذ، زوجه ابنته رغبة فيه وهدية منه إليه، مات بفاس سنة 290 هجرية".

فالحاصل أن الأقوال في محمد بن الحسن متباينة: فقول بوجوده وأنه اختفى وهو المهدي في آخر الزمان وهو قول عموم الشيعة الإمامية، وقول بوجوده ولكنه ليس المهدي وقد عاش ومات وله عقب، وقول ينكر وجوده ولكن لا ينكر المهدي، وقول ينكر وجوده والمهدوية، وهم بعض المتأخرين مما لا مكانة لهم بين جمهور العلماء والباحثين، وكل ما لا يمكن إثباته لا يمكن نفيه.

الجدير بالذكر أن الأحمدية وهي فرقة من المسلمين لهم رأي مناقض لكافة المذاهب الإسلامية، يتلخص في أن مؤسس مذهبهم ميرزا غلام أحمد القادياني هو الإمام المهدي المنتظر والمسيح الموعود، وأنه قد أدى مهمته بتجديد وتصحيح الدين الإسلامي متمثلاً بالأحمدية، وأن المسيح رفع إلى السماء ثم عاد وعاش حتى توفي في الهند، ومن المعروف أن له ضريح يزار في مدينة سرينجارا بإقليم كشمير.

من ناحية أخرى فإن عقيدة المهدي، أو بالأحرى المنقذ، إحدى العقائد الأساسية في معظم الأديان الكبرى في العالم؛ فالمنقذ في المسيحية هو يسوع، وفي اليهودية من نسل داوود بن إسحاق. فالمسلمون واليهود يتنافسون في أن المهدي منهم؛ فالمسلمين وتحديداً العرب يقولون إنه من ذرية إسماعيل، واليهود يقولون إنه من ذرية إسحاق، والعرب كما هو معروف من إسماعيل، واليهود من إسحاق، وكلاهما من إبراهيم. وفي البوذية بوذا، وفي الهندوسية الإله كالكلي، الذي سيظهر في آخر الزمان لينشر العدل والسلام ويقضي على الشر والظلام، وعند الزرادشتية سيظهر من نسل زرادشت "سوشيانت" في آخر الزمان، ليقود جيوش الحق ضد قوى الباطل ويقود البشر إلى السلام والكمال.

من ناحية أخرى تبرز عقيدة المنقذ كعقيدة مركزية في الفكر والثقافة الإنسانية منذ القدم، فالأمم والشعوب تتوقع أن يكون لحياتها نهاية على الأرض وقبلها سيظهر من يخلصها من الشرور وينشر العدل والسلام، وقد ثبت علمياً أن الشمس والأرض والمجموعة الشمسية وكافة الأجرام السماوية لها أعمار وآجال كالبشر وبقية الموجودات.

إن مجرى التاريخ هو المعيار الأساسي لقراءة المستقبل؛ لأنه يقوم على سنن ونواميس راسخة في الطبيعة البشرية والحضارة الإنسانية. ومنذ فجر التاريخ كانت استمرارية حياة الشعوب والأمم والمجتمعات قائمة على التجديد والإحداث والتغيير والتطوير والتحديث، حيث خرج آلاف المصلحين والمجددين الذين سخروا حياتهم في سبيل إنقاذ شعوبهم من الطغيان السياسي، أو تجديد الثقافة، أو الإصلاح الديني والاجتماعي، أو على تنمية العلوم وردفها بالاكتشافات والمخترعات التي غيرت أوجه وأنماط الحياة بشكل مطلق، فكل هؤلاء أو معظمهم مارسوا دور المنقذ المهدي وإن كان ذلك في إطار من النسبية، وما يتطلع إليه معظم البشر منذ القدم هو خروج منقذ مطلق لكل شعوب الأرض.

الأنبياء كانوا من هذه الفضيلة البشرية، وأغلبهم لم يدعوا فقط لأديان جديدة وإنما إلى العدالة بين البشر والدعوة إلى التغيير، وصاحب دعواتهم تشريعات وأحكام مناقضة لما هو سائد، ما حتم دخولهم في مواجهات مع سلطات زمانهم من الحكام أو الزعماء، لأن دعواتهم كانت تشكل خطراً على سلطاتهم ومصالحهم. المسيح لا شك أنه من أعظم المنقذين في الحضارة البشرية، ويتبع دينه اليوم أكثر من مليار نسمة، وتزخر المسيحية بتراث ضخم من المعرفة والحكمة والقيم الروحية والمعنوية. والنبي محمد (ص) آخر الأنبياء والمنقذين العظام، حيث لم يأتِ فقط بدين جديد، بل أنشأ أمة، وأنشأ لها دولة، تحولت فيما بعد إلى قوة كبرى لمئات السنوات، ولا تزال أمة العرب والمسلمين من الأمم الكبرى لأنها ساهمت في الحضارة البشرية بما قدمته من نظم وتشريعات ورسخته من قيم، وما أنتجته من علوم ومعارف، وما خرج منها من علماء ومبدعين ساهموا في نهضة البشرية على مختلف الأصعدة والاتجاهات.

وعلى مر التاريخ ظهر آلاف المنقذين والمهديين على مختلف الأصعدة: في الهند غاندي، في أفريقيا نيلسون مانديلا، في أمريكا جورج واشنطن (أول رئيس وأحد أبرز قادة الحرب ضد الوجود البريطاني) وإبراهام لينكون رئيس أمريكا الذي حارب الانفصاليين وحرر العبيد، في فرنسا شارل دوغول قائد المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال الألماني ومؤسس الجمهورية الخامسة والذي أنهى استعمار بلاده للعديد من البلدان الأفريقية منها الجزائر، في بريطانيا "ونستون تشرشل" الذي قاد بلاده بجدارة في الحرب العالمية الثانية، والأمثلة تطول ولا حصر لها. في الأندلس عبد الرحمن بن معاوية المعروف بالداخل، الذي أسس في الأندلس دولة عربية مركزية بعد أن كانت تعج بالنزاعات والحروب، وتحولت الأندلس تحت حكم ذريته إلى بلد منتج للحضارة والعلم والثقافة. السيوطي جلال الدين له كتب بعنوان "التنبئة بمن يبعث الله على رأس كل مائة" أورد فيه سير أعلام من الخلفاء والعلماء وغيرهم الذين قد يكونون مقصودين من حديث ورد عن النبي (ص): "إنَّ اللَّهَ يبعثُ لِهَذِهِ الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سنةٍ من يجدِّدُ لَها دينَه"، حسب منهم الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، الذي أعاد المظالم التي ارتكبها أمراء الأمويين، وعمل على مصالحة العلويين والخوارج، ورد لبني فاطمة فدك، وأوقف سب علي على المنابر، وسعى في صلاح الناس، حتى أن بعض المؤرخين قالوا بأنه سعى لجعل الخلافة شورى. ومن المعاصرين لا الحصر جمال الدين الأفغاني الذي دعا إلى الوحدة الإسلامية وإصلاح الحكومات في العالم الإسلامي، والشيخ محمد عبده الذي عمل على إصلاح التعليم وتجديد الفقه والفتوى والثقافة الدينية. وفي المذهب الجعفري يبرز الشيخ الطوسي مؤسس الحوزة العلمية في النجف الأشرف، والشيخ مرتضى الأنصاري، الذي يعد من منظري ومجددي علمي الفقه وأصول الفقه. وفي الأمم الأخرى مثل ذلك في شتى اتجاهات الإعمار البشري، ففي الفيزياء أينشتاين صاحب النظرية النسبية التي أحدثت انقلاباً كبيراً في المفاهيم العلمية، وسيمون بليفار الذي قاد حروب التحرير في عدد من دول أمريكا اللاتينية، في اليابان الإمبراطور ميجي الذي قاد ثورة تحديث كبيرة وإصلاح هائل حولت اليابان إلى دولة ذات شأن، جون لوك وآدم سميث وجاك روسو وفولتير مؤسسو الثقافة الليبرالية والنظام المدني التي تعد اليوم من أهم الأيديولوجيات السائدة في العالم، وكارل ماركس مؤسس الفكر الماركسي في الاقتصاد والسياسة والذي كان وما يزال له أثر كبير على العالم أجمع.

من جانب آخر ظهر قادة قادوا ثورات كان ظاهرها الإصلاح والعدالة بين البشر، وبعضها سادت ثم بادت، وكانت سيرتهم أشد وطأة ممن كان قبلهم، وبعض الثورات وئدت وقتل أصحابها، والأمثلة كثيرة لا حصر لها؛ كثورة المهدي بن تومرت التي كانت آراؤه العقائدية الأساس الديني لدولة الموحدين في المغرب والأندلس، وكان يدعي أنه المهدي المنتظر، ينقل أنه قال: "أنا المهدي المعصوم، أنا أحسن الناس معرفة بالله ورسوله". وعرف عنه كونه أمازيغياً، ولكنه ادعى أنه من نسل الحسين بن علي. وفي إقليم البحرين التاريخي كان القرامطة الإسماعيليون يعتقدون أن الإمام المهدي هو محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وأنه سيظهر في آخر الزمان، ويبدو أنهم قالوا بذلك حتى لا يتبعوا الفاطميين الذين قالوا بخلافة إسماعيل، وأن الخليفة الفاطمي هو خليفته الشرعي والجامع للخلافة والإمامة. وفي السودان في القرن التاسع عشر ادعى محمد أحمد المهدي أنه المهدي وتبعه الناس، وقاد ثورة ضد النفوذ البريطاني والدولة المصرية وأسس دولة بوسط السودان عاصمتها أم درمان قبل أن يطيح بها الإنجليز في 1899. ولا يفوتنا ذكر علي بن محمد قائد ثورة الزنج في العصور العباسية المتأخرة، الذي ادعى أنه المهدي وأطلق على نفسه لقب المنقذ.

وقد خاض المستشرقون في عقيدة المهدي وكتبوا عنها كتابات كثيرة؛ منها ما وصف بالموضوعية، ومنها ما وصم بالتحيز أو عدم القدرة على فهم واستيعاب الإسلام والتاريخ العربي، وتدل على محورية وأهمية العقيدة المهدوية في الإسلام والتاريخ الإسلامي والعربي؛ منها كتاب "السيطرة العربيّة" للمستشرق الهولندي فان فولتن، الذي اعتبر أن عقيدة المهدي سبب رئيسي من أسباب انتصار العباسيين وسقوط دولة الأمويين، وكتاب "المهدوية في الإسلام" للألماني أرنست موللر.

ولا يقف حدود الإيمان بالمنقذ عند الدين أو التاريخ بل امتد ليشمل الثقافة والأدب والفنون بكافة الأشكال؛ في السينما الأميركية يبرز فيلم "الماتريكس" الذي يقدم شخصية "المختار" التي تقع عليه مسؤولية تحرير البشر من سلطة الآلات، ويبرز فيلم "كثيب" الصادر بجزأين الأول عام 2019 والثاني عام 2025، ملخصه صراع بين فريقين، الفريق المهزوم يتمسك بنبوءة قديمة مفادها أن "بول" (بطل الجزء الثاني) هو المهدي أو لسان الغيب، الذي على يديه سينتصرون، وهو الذي سيحول كوكبهم الصحراوي إلى ما يشبه جنة عدن.

وفي الأدب العالمي صدرت رواية مثيرة للكاتب البريطاني فيليب نيكلسون عنوانها "المهدي" عام 1927، تدور أحداثها حول صراعات محمومة بين عدد من أجهزة الاستخبارات العالمية للسيطرة على الشرق الأوسط، وفي سبيل ذلك ابتكرت أحد أجهزة الاستخبارات شخصية المهدي بعد دراسة مستفيضة للدين الإسلامي وتاريخ العرب، وعملت على بناء شخصيته ليكون مطابقاً لما ورد في التراث العربي قبل إخراجه إلى الناس على أنه المهدي الذي ينتظرونه.

في الثقافة الأميركية تبرز شخصية السوبرمان، والرجل الوطواط، والرجل العنكبوت، كشخصيات تمتلك قوة لا يمتلكها بقية البشر، ولكنهم يسخرونها من أجل إنقاذ الناس من الظلم والشر، ويوقفون حياتهم من أجلهم. الظريف في أمر هذه الشخصيات أنها عاشت مستترة فلا يعرفها أحد، وبرغم القوة التي تمتلكها إلا أنها لم تسعَ للسلطة بل كافحت قوى الشر الساعية للحكم، وكأنها تعمل على تغطية الخلل والنقص والضعف في القانون والعدالة بما تمتلكه من قوة يفتقدها الجميع. والمسلسلات الكرتونية التي دبلج الكثير منها للعربية في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي يطرح العديد منها فكرة المنقذ، فهو "الدوق فليد" في المسلسل الشهير "مغامرات الفضاء"، وهو "جونكر" في غزاة من الفضاء، وهو شخصية "صابر" في الحوت الأبيض، وهو "كمال" في المسلسل الخرافي "الرجل الحديدي"، كافة هذه الشخصيات جسدت شخصية المنقذ والمدافع عن الأرض وحمايتها من الغزاة والأشرار.

فالمنقذ ليس فقط عقيدة دينية سواء في الإسلام أو غيره من الأديان، بل هو جزء من سنن التاريخ، وليس هذا فحسب بل سنة متجددة لا تتوقف بل إنها مستمرة، وهي في كل حقل ونظام. فالقول بأن هناك منقذاً سيظهر في آخر الزمان ليس بمستهجن، خاصة مع ما يجري على البشرية من الأحداث المؤلمة والوقائع الفظيعة والحروب المدمرة والأزمات المستفحلة والظلم المريع الواقع على الكثير من الشعوب، واختلال ميزان العدالة في العالم، بل ومع احتمالية اندلاع حرب عالمية مدمرة بالنظر إلى ما تمتلكه العديد من الدول من أسلحة يمكنها تدمير الأرض وجعلها كوكباً غير صالح للحياة. لذا فإن شيوع عقيدة المنقذ أمر طبيعي ونتيجة حتمية لما يواجه البشر من تهديدات وجودية، فالمنقذ أو المخلص أو المهدي ليس مجرد عقيدة دينية بل إنه سنة تاريخية وأمل بشري، قد يكون محمد بن الحسن العسكري وقد يكون شخصاً آخر، ولكنه في النهاية أمل اتفقت عليه الأمم والشعوب وصدق محمد باقر الصدر عندما قال: "ليس المهدي تجسيداً لعقيدةٍ إسلاميةٍ ذات طابعٍ دينيّ فحسب، بل هو عنوان لطموحٍ اتّجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها".