مهندس الخراب: المفارقة المريرة في سعي توني بلير للإشراف على غزة
في ظلّ الدمار غير المسبوق الذي شهدته غزة، وبينما يتصارع العالم مع مخططٍ لمستقبلها، يمثّل التعيين المقترح لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في دورٍ إشرافي خيارًا إشكاليًا للغاية.
إن التفاصيل المسرّبة لخطةٍ أميركية–إسرائيلية تخصّ القطاع المحاصر، مع طرح اسم بلير كمديرٍ دولي محتمل، لا تشكّل بصيص أمل، بل استمرارًا لسياساتٍ تعمل بشكلٍ منهجي على تهميش حقّ تقرير المصير الفلسطيني. إنه مقترحٌ ينطوي على مفارقةٍ مثيرةٍ للقلق، إذ يتجاهل إرث بلير الكارثي في المنطقة ويُروّج لإطارٍ مصمَّم لإدارة الصراع بدلًا من حله، من خلال ترسيخ المصالح الأمنية الإسرائيلية على حساب الحقوق السياسية الفلسطينية.
شبحٌ من الماضي
إن مجرد طرح اسم توني بلير للإشراف على غزة بعد الصراع يُعدّ تذكيرًا صارخًا بإخفاقات السياسة الخارجية السابقة، فقد كان بلير مهندسًا رئيسيًا لغزو العراق عام 2003، وهي حرب شُنّت بذَرائع واهية وأدّت إلى زعزعة استقرار المنطقة بشكلٍ كارثي ومعاناةٍ إنسانيةٍ هائلة. إن دفاعه عن تلك الحرب، استنادًا إلى معلوماتٍ استخباراتية فاقدةٍ للمصداقية، ساهم بشكلٍ مباشر في مقتل مئات الآلاف، وتصاعد العنف الطائفي، وخلق فراغٍ في السلطة مكّن من ظهور تنظيم "داعش". لذا فإن ارتباط اسمه بإعادة الإعمار والحكم يُعدّ، بالنسبة إلى كثيرين في الشرق الأوسط، إهانةً عميقة.
علاوةً على ذلك، فإن سجله بعد رئاسة الوزراء لا يقدّم الكثير من الطمأنينة. فبصفته ممثلًا للجنة الرباعية الدولية للشرق الأوسط بين عامي 2007 و2015، اعتُبرت فترة ولايته غير فعّالة إلى حدٍّ كبير، إذ فشلت في وقف التوسع الاستيطاني الإسرائيلي أو تقريب الأطراف من حلّ الدولتين القابل للحياة. وكثيرًا ما تعرّض لانتقاداتٍ لكونه شديد القرب من الموقف الإسرائيلي ولإعطائه الأولوية للمشاريع الاقتصادية على حساب الحقوق السياسية الأساسية. إن عودته إلى دورٍ بارز لا يُنظر إليها على أنها وصولُ وسيطِ سلامٍ محايد، بل كظهورٍ جديد لشخصيةٍ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتدخل العسكري الغربي والوضع الدبلوماسي الراهن الفاشل. وتعيينه سيمثّل استخفافًا عميقًا بتاريخ المنطقة والمظالم المشروعة لشعوبها، مما يقوّض مصداقية أي خطةٍ منذ البداية.
مخطط التهميش
إن الخطة الأمريكية–الإسرائيلية التي قد يديرها بلير ليست مخططًا للسلام، بل إطارًا لاستمرار إخضاع الفلسطينيين. وبحسب التقارير، يشتمل المقترح على عدة مكوّناتٍ رئيسية، كلٌّ منها مصمَّمٌ لسلب الفلسطينيين أيّ حكمٍ ذاتي حقيقي وفرض سترةٍ أمنيةٍ خانقةٍ ودائمة.
أولًا وقبل كل شيء، تصرّ الخطة على سيطرةٍ أمنيةٍ إسرائيلية مطلقةٍ وغير محددةٍ زمنيًا على غزة. هذا الشرط وحده يجعل أيّ حديثٍ عن السيادة الفلسطينية بلا معنى. من الناحية العملية، سيعني ذلك إقامة مناطق عازلة داخل أراضي غزة، ومنح الجيش الإسرائيلي الحقّ في شنّ غاراتٍ متى شاء، والتحكم الكامل فيمن وما يدخل أو يخرج من القطاع. إنه يضفي الطابع الرسمي على قدرة إسرائيل على إملاء شروط الحياة على سكانه، من الحصول على موادّ إعادة الإعمار إلى حرية التنقل. فالدولة التي لا تسيطر على أمنها ليست دولة، بل أرضٌ محتلة تحت مسمّى مختلف.
ثانيًا، تقترح الخطة وجود قوةٍ متعددة الجنسيات أو عربية. هذه القوة لن تخدم حماية الفلسطينيين من العدوان الإسرائيلي، بل ستعمل على ضبطهم أمنيًا نيابةً عن المصالح الأمنية الإسرائيلية. سيكون دورها الأساسي هو منع أيّ مقاومةٍ مسلّحةٍ للاحتلال، لتكون بمثابة ذراعٍ تنفيذي لإسرائيل. وستكون مشاركة الدول العربية مدمّرةً بشكلٍ خاص، إذ ستضعها في مصافّ المتواطئين في نظر الكثيرين، وتخلق شقاقاتٍ عميقةً في التضامن الإقليمي، كلّ ذلك بينما يتمّ تصدير العبء الأمني للاحتلال.
ثالثًا، يُقدَّم مفهوم عودة “سلطةٍ فلسطينيةٍ مجدَّدة” إلى غزة كخطوةٍ نحو الحكم الفلسطيني. ومع ذلك، فهذا حلٌّ تجميلي يسيء فهم الواقع السياسي بشكلٍ أساسي. ففي نظر الولايات المتحدة وإسرائيل، يعني “التجديد” إنشاء سلطةٍ فلسطينيةٍ أكثر فاعلية في تنسيقها الأمني مع إسرائيل، لا سلطةً أكثر مساءلةً ديمقراطية أمام شعبها. تعاني السلطة الفلسطينية بالفعل من أزمة شرعيةٍ عميقة ولا تحظى بشعبيةٍ كبيرة بين الفلسطينيين. إن فرضها على غزة دون تفويضٍ شعبي جديد نابع من انتخاباتٍ حرةٍ ونزيهة سيعني تنصيب هيئةٍ إداريةٍ طيّعة، مما يخلق واجهةً من الحكم المحلي بينما تظلّ كلّ السلطة الحقيقية في يد إسرائيل.
إقصاء حق تقرير المصير الفلسطيني
إن الخلل الجوهري في هذا الإطار برمّته هو الغياب التام للإرادة الفلسطينية. فالخطة يتمّ تصميمها ومناقشتها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل وجهاتٍ فاعلةٍ دولية أخرى، مع التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم رعايا يجب إدارتهم لا شعبًا يتمتّع بحقٍّ غير قابلٍ للتصرّف في تقرير المصير. إن أيّ حلٍّ شرعي ودائم يجب أن ينبع من الفلسطينيين أنفسهم، من خلال ممثّليهم الذين يختارونهم.
يكشف هذا النهج عن نفاقٍ مذهل. فالقوى الغربية ذاتها التي تدعو إلى الديمقراطية وتقرير المصير على مستوى العالم، تعمل بنشاطٍ على تقويضهما في فلسطين. فعندما شارك الفلسطينيون في آخر انتخاباتٍ تشريعيةٍ وطنية عام 2006، رفض المجتمع الدولي قبول النتائج، وفرض عقوباتٍ أدت إلى تعميق الانقسامات الداخلية. ويوضح هذا التاريخ تفضيلًا واضحًا لقيادةٍ فلسطينيةٍ مطواعة على قيادةٍ ديمقراطية. إن فرض هيكلٍ جديد من الخارج هو نهجٌ استعماريٌّ جديد محكومٌ عليه بالفشل، فهو لا يبني سلامًا، بل يزرع بذور صراعٍ مستقبلي عبر ترسيخ نظامِ سيطرةٍ سيواجه حتمًا بالمقاومة.
مفارقة عودة بلير المريرة
إن اختيار توني بلير للإشراف على مثل هذه الخطة ينطوي على مفارقةٍ مريرة. فالقائد الذي أدخل بلاده في حربٍ مدمّرة استنادًا إلى معلوماتٍ استخباراتيةٍ مغلوطة، يُنظر في تعيينه الآن لإدارة التداعيات الحسّاسة لصراعٍ وحشي آخر. لقد حطّمت حرب العراق فكرة الغرب كطرفٍ فاعلٍ ذي مصداقيةٍ أو نزاهةٍ في المنطقة، ولم تكن هناك أيّ مساءلةٍ لمهندسيها. إن وضع بلير في موضع حكمٍ للسلام يتجاهل الضرر الذي أحدثته سياساته السابقة ويُظهر نمطًا من الإفلات من العقاب للقادة الغربيين الذين تتسبّب قراراتهم في عواقب كارثية في العالم العربي. إن وجوده سيُضفي غطاءً من الشرعية الدولية على خطةٍ تدور في جوهرها حول ترسيخ السيطرة الإسرائيلية. إنها مناورةٌ سياسية لا تحترم الذاكرة الجماعية للمنطقة، وتؤكّد أن الاستراتيجيات الفاشلة ذاتها للماضي يُعاد تدويرها في الحاضر.
وصفةٌ للكراهية لا للحل
في نهاية المطاف، إن الخطة الأمريكية–الإسرائيلية لغزة، سواء مع توني بلير أو بدونه، ليست منطلقًا لسلامٍ عادلٍ ومستدام. فهي تعطي الأولوية لأمن المحتلّ على حساب حقوق وحرية المحتلّين. ومن خلال حرمان الفلسطينيين من أيّ دورٍ حقيقي في تشكيل مستقبلهم، فإنها تضمن استمرار عدم الاستقرار. لا يمكن فرض السلام الحقيقي من خلال الترتيبات الأمنية والإداريين المعيّنين، بل لا يمكن تحقيقه إلا عبر عمليةٍ سياسيةٍ متجذّرةٍ في القانون الدولي وحقوق الإنسان — عمليةٍ تعترف بالحقوق المتساوية للفلسطينيين، وتنهي احتلالًا دام 57 عامًا، وتفكّك هياكل الفصل العنصري (الأبارتهايد)، وتسمح بتقرير المصير الحقيقي. هذه الخطة تفعل العكس تمامًا؛ إنها وصفةٌ لإدارة احتلالٍ دائم، الأمر الذي لن يؤدّي إلا إلى توليد كراهيةٍ أعمق وضمان استمرار دائرة العنف لأجيالٍ قادمة.