نبيل فازيو يقترح استراتيجية لتفكيك مسألة العدل

أستاذ الفلسفة بجامعة الحسن الثاني يربط في كتابه "العدل والعدالة" بين العدالة والمُلك ليفكيك بارادايم المُلك.


فازيو يقارب إشكالية العدل عند الفقهاء من منظورٍ تاريخي ومعياري في الآن نفسه


الماوردي كان من أبرز المنظرين لمفهوم المُلك في التقليد الإسلامي الكلاسيكي

يقترح المفكر المغربي د. نبيل فازيو أستاذ الفلسفة بجامعة الحسن الثاني في كتابه "العدل والعدالة" استراتيجية لتفكيك مسألة العدل كما يُمكنُ أن يطرحها التراث العربي الإسلامي. من أُسس هذه الاستراتيجة مُساءلة فكرة العدل من داخل دوائر ما يسميه "بارادايم المُلك" في الإسلام الكلاسيكي، والذي يقصد به الإطار النظري والتفسيري العام الذي حكم رؤية الفكر السياسي والأخلاقي الكلاسيكي في الإسلام إلى السياسة ومجالها عامةً، وإلى العدل على وجه التحديد؛ حيث يبدو أنّ الاختلاف الحاصل بين الخطابات الكثيرة، التي تناولت مسألة العدل، ما كان ليُخفي تقاطعها على مستوى الرؤية العامة، التي حدّدت، على نحوٍ قبلي، أُفقَ التفكير في سؤال العدل في ذلك الإبَّان. 
وانطلاقا من ذلك نقب فازيو في أعقاب فصول كتابه عن معالم هذا البارادايم الذي ألقى بظلاله على مختلف مستويات التفكير في إشكالية العدل، سواء ما تعلق منها بمستوى توظيف العدل شعاراً لمواجهة السلطة، أو بمستوى دراسة صورة الحاكم "المَلك" والقيم الناظمة لنفسه العادلة، أو بمستوى تأسيس المُلك وسياسيته وإصلاحه، أو بالعقاب وآليات الرقابة والإخضاع... إلخ. 
وقال "في هذه المستويات كلّها، ظلَّ التفكيرُ في السياسة خاضعاً، على نحو خفي، لمقتضيات نموذجٍ ذهني حكم رؤية العقل الإسلامي الكلاسيكي للسياسة، وهو عينه النموذج الذي أفرزه واقعُ المُلك وتجربته في التاريخ السياسي والاجتماعي الإسلامي، الأمر الذي جعل من استشكال العدل محاولة للتفكير في هذا النموذج من خلال التموقع داخل بعض مرتكزاته المتعلقة بالتدبير والسياسة المقترنة بسؤال العدل، وهذا ما فرض الربط بين مفهومي العدالة والمُلك في هذا الكتاب، وأن نأمل منه أن يكون مدخلاً لتفكيك بارادايم المُلك، والإسهام في تعبيد الطريق أمام الفكر السياسي العربي للإفلات من قبضته".
إذن فإن الكتاب الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود وفقا لـ فازيو محاولةٌ لفهم رؤية التراث السياسي للسياسة ومجالها، من مدخل تحليل تصوُّره مفهومَ العدل كما تناولته الأدبيات السياسية الكلاسيكية، والذي لم يُمَثِّل إلّا الوجهَ الآخر لمفهوم المُلك عند مفكري الإسلام الكلاسيكي. وأضاف "أنَّ موضوع العدل لم يحظَ بكثيرٍ من العناية من طرف هؤلاء، وإذا استثنينا بعضاً من الآراء حول العدل التي أوردها الفقهاء في مجال التدبير، فإنَّ جلَّ ما كُتب بشأن هذا المفهوم ظلَّ ملحقاً بإشكاليات أخرى أثثت مشهد الفكر السياسي الإسلامي، كمسألة الإمامة، وحرية الإنسان في علاقته بالمشيئة الإلهية التي شغلت بالَ المتكلمين؛ وبإشكالية الطبيعة الإنسانية وأهوائها كما تتحدّد داخل مفهوم المُلك الذي هيْمنَ على وعي الكتَّاب والأدباء؛ وبفكرة انسجام قوى النفس ونظام الكون عند الفلاسفة الذين ذهبوا بعيداً في التشديد على اعتبار العدل أمارةً من أمارات محايثة العقل للمدينة. 

فهم الواقع استنزف جهد الفقهاء، وطوَّح بوعيهم بين صنوفٍ من الخطابات السياسية كانت تبدو على قدرٍ كبيرٍ من التناقض

بذلك يحقُّ لنا القول: إنَّ التصور الإسلامي التراثي للعدل لم يخرج عن الرؤية الكلاسيكية، التي نظرت إلى العدل من حيث هو قيمةٌ متعاليةٌ "مفارقة" عن الوجود الإنساني، وهي قيمة تجدُ أصولها المسوِّغة لها في معايير تتجاوزُ نسبية الاجتماع السياسي، كالعقل، والعدل الإلهي، والتناغم مع نظام الكون، وتحدّد، على نحو قبلي، مقبولية هذا الأخير. ويبدو أنَّ فقهاء السياسة، وبصرف النظر عن المجهود الكبير الذي بذلوه في سبيل بلورة فهم معقولٍ لواقعهم، ظلّوا ضحية هذه الرؤية المُفارقة للعدل، على الرغم من أنّهم كانوا الأقرب إلى الواقع ومعتركه".
يقارب د. فازيو إشكالية العدل عند الفقهاء من منظورٍ تاريخي ومعياري في الآن نفسه، وذلك بسبب طبيعة خطابهم المتأرجح بين الواقعية التاريخية والمعيارية الشرعية. ورأى أنه "إذا كانَ حديثُهم عن العدل لا يُفهم إلّا على ضوء وعيهم المتوتر بمفعول المُلك، وأثره في الحُكم على قيمة أفكارهم، فإنَّ تمسّكهم بالرؤية المعيارية كان خير ردِّ فعلٍ على امتعاضهم من هذا الواقع. كانَ على فقيهٍ كالماوردي، أو الغزالي، أو ابن تيميّة، أن يُسهم في تأطير هذا الواقع؛ أنْ يعملَ على الحيلولة دون انقلابه إلى طُغيانٍ يأتي على الأخضر واليابس في الاجتماع السياسي الإسلامي. غير أنه كانَ، في الآن نفسه، مقتنعاً بأنَّ قُوَّة الواقع تفرضُ على كلِّ تفكيرٍ معقولٍ في السياسة أن يتنكَّب مآل الفِتن والحروب الجاثم طيفُها على المخيال الإسلامي في حقبة الإسلام الكلاسيكي، وأنَّ الدفاع عن سلطةٍ قوية يبقى ضرورةً لا بدّ منها لتجنّب مثل هذا المصير.
وأوضح "هكذا تقاطع في ذهن الفقيه وعيٌ شقيٌّ بتواري نموذج الخلافة، وتبدد رمزيتها أمام تصاعد نموذج المُلك، وتوجسٌ من تضخّم السلطة وانقلابها إلى طغيان على ضوء الأحداث وقوتها التي جرّت الفقهاء إلى تقبّل الواقع والتأقلم معه، بما كان يعنيه ذلك من ارتباكٍ على مستوى تمثلهم للعلاقة بين السلطة والعدل. لكن تمسّك هؤلاء بالعدل، وشهْر شعاره في وجه السلطة، لم يحُلْ دون وعيهم بالمفارقات التي يطرحها على مستوى سياسة المُلك، وبضرورة تفهم العدل في ظلِّ الإكراهات التي تطرحها السياسةُ ومجالها. إنَّ هذا الموقع، الذي يسائل منه الفقهاء مشكلة العدل، هو ما يجعل مقاربتهم مختلفةً كثيراً عن غيرها ممّا أنتجه المفكرون السياسيون في الإسلام. وهو، تحديداً، ما مكَّنها من احتكارِ القولِ في سؤال المشروعية، والانطلاق منه إلى فهم السلطة في التجربة السياسية في الإسلام الكلاسيكي، حيثُ كان عليهم أن يفكروا في أسس السلطة المشروعة على ضوء إكراهين اثنين؛ إكراهُ الشرع ومعياريته أوّلاً، وإكراهُ الواقع وضروراته ثانياً. 
وعندما نسجّل انبعاث مفهوم المُلك في الأدبيات الفقهية السياسية التأسيسية منذ زمن الماوردي، فإنَّ ذلك يشي باعتراف الفقهاء بقوّة الواقع، وخطورة التنكر لمقتضياته في مجال السياسة والتدبير، وهنا أبيِّن أنَّ المُلك لم يكن مجرّد مفهوم من مفاهيم النسق السياسي الكلاسيكي في الإسلام، بقدر ما جسَّد الرؤية العامة التي حكمت تصوّر الوعي الإسلامي للسياسة ومجالها في ذلك الإبّان، وقد كانَ من الطبيعي أن ينضح تصور الفقهاء، وغيرهم من مفكري الإسلام، بكثيرٍ من ملامحِ نموذج المُلك وخصائصه.
ورأى فازيو أن الماوردي كان من أبرز المنظرين لمفهوم المُلك في التقليد الإسلامي الكلاسيكي؛ لذلك تشغل نصوصه حيزاً كبيراً في هذا الكتاب؛ بل غالباً ما اتخذناه نقطةً مرجعيةً للتحرّك داخل جغرافيا التراث السياسي والأخلاقي الإسلامي. وقال "تأتّى ذلك لهذا الفقيه بعد خبرةٍ تحصَّلها في مجال المُمَارسة السياسية، أفضت به إلى الاضطلاع بمهمة السفارة لدى الخليفة العباسي، وتقلَّد وظائف على قدرٍ كبير من الأهمية، كمنصب قاضي القضاة. ويبدو أن كتاباته الأساسية كانت تعبيراً عن وعيه المأزوم المتمخّض عن خيبة أمل من مسار الأحداث، الذي قاد، قسراً، إلى ما حاول الماوردي تجنّبه طيلة حياته؛ إلى انهيار الخلافة، وتبدُّدِ أبسط مظاهر رمزيتها. 
ولعلَّهُ من العسير فهمُ مسارات الكتابة عنده (وعند غيره من فقهاء السياسة) من دون وصله بمسألتين أساسيتين؛ الأحداثُ السياسية التي عاصروها أوّلاً، وما أفرزته في ذهنهم من اقتناعٍ بضرورة الانفتاح أكثر على الواقع وتقبله ثانياً. متى أخذنا هذه الملاحظة في الحسبانِ، أمْكننا النظرُ إلى متن فقهاء السياسة باعتباره خطاباً؛ أي نظامَ حقيقةٍ، وتدبيراً لمعنى الاجتماع السياسي الإسلامي في ذلك الإبَّان. 
وأضاف "يمكن النظرُ إلى خطاب الماوردي، مثلاً، باعتباره نصّاً سعى إلى بلورة فهمٍ معقولٍ للواقع ومتغيّراته؛ نصٌّ يُمكن تفكيكه والتنقيب عن تمركزاته الكبرى، التي هي عينُها تمركزات الوعي السياسي الإسلامي الكلاسيكي المتجذّر في نموذج المُلك، وهذا ما يجعل من عملية قراءته تموقعاً داخل نظام المُلك نفسه، ومحاولةً لفهم تكلّساته التاريخية، التي جعلته يرتقي إلى مستوى النموذج الحاكم للوعي السياسي الكلاسيكي، وهو ما يفسّر اكتساحه مجالَ العقيدة، والقيم الأخلاقية، والسياسة؛ بل وصيرورته آليةً لتحديد ملامح الذات المحكومة، ومشاهد علاقتها اليومية مع السلطة. ويمكن أن نزعم أن كتابات فقهاء السياسة كانت خير مرآة انعكست فيها الثقافة السياسية الإسلامية في العصر الكلاسيكي؛ إذ عكست محددات رؤيتها إلى السياسة ومجالها، كما انعكست فيها طموحات تلك الثقافة، وتمزّقاتها الداخلية، ومعاناتها تجاه الزمن والواقع. 

قوة أفكار الحداثة الغربية لم تكن كافية لتقويض هذا البرادايم العتيد، وكلُّ تفكيرٍ في مستقبل الاجتماع السياسي العربي سيكون عليه أن يجيب عن سؤال الخروج من أفق هذا النموذج

ولفت فازيو أن فهم الواقع استنزف جهد الفقهاء، وطوَّح بوعيهم بين صنوفٍ من الخطابات السياسية كانت تبدو على قدرٍ كبيرٍ من التناقض. لم يتقبَّلوا الواقع كما هو، لأنهم أدركوا حجم مجافاته لنموذجهم المعياري في السياسة والحكم، لكنهم كانوا مدركين، أيضاً، أنَّ رفض الواقع لا يمثل، في حد ذاته، حلاً لأزمته. وقد أتت كتاباتهُم تعبر عن قدرةٍ فريدةٍ على التصالح مع الواقع والسعي إلى ضمه إلى دائرة المشروعية الدينية والسياسية، حتى لو اقتضى منهم ذلك التنازل عن الخلافة والانسحاب من مداراتها الكبرى، والانزلاق بالمشروعية صوب المُلك والتنظير له من داخل أطر الوعي الفقهي نفسه. وبين لحظة الاقتناع بعُقم موقف رفض الواقع وضرورة التأقلم معه للتقدم خطوةً إلى الأمام، ولحظة تأليف نصوصٍ تعبر عن هذا الوعي وتعرض معالم هندسته وتفاصيلها، تكمن مسافةٌ ذهنيةٌ كان فقيه كالماوردي في مسيسِ الحاجة إليها للتبرُّم، ولو قليلاً، من نَفَس المقاربة الفقهية المعيارية والانفتاح، شيئاً فشيئاً، على رؤيةٍ أكثرَ تفهُّماً للواقع، تَخرج من دائرة الأحكام الفقهية، لتتكئ على التاريخ، ومنثور الحكم، وأقوال الحكماء، وتتوسل أسلوبَ الحكي والسرد واستثمار الخيال، بقصد التخفيف من وطأة الحكم والتقرير المؤسسين للقول الفقهي. وقد كان فعل التسويغ جوازَ جمعه بين الأسلوبين والرؤيتين؛ به استطاع أن يُفلت من قبضة الرؤية المعيارية الفقهية، وبه تمكن من تجنب السقوط في رؤيةٍ تبريرية للاستبداد بمختلف أشكاله.
وخلص فازيو إلى إن "برادايم المُلك" يفرض على الوعي السياسي أفقاً تاريخياً ضيقاً ومحصوراً؛ هو أفق الدولة السلطانية وآليات اشتغالها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية وحتى النفسية المتحرّرة من هاجس الفتنة والتخوف من أيِّ تغييرٍ ممكن. يستطيع هذا البرادايم مقاومة الحقب الطويلة المتعاقبة، فيحتوي على غيره من البرادايمات التي أفرزتها الحداثة السياسية عندما يُخضعها - متى تأتى له ذلك - لمنطقه: لاقتصاد الريع والعطاء، وعلاقات الولاء الشخصية، ولآلة الإذلال اليومي للرعية، وإفراغ كل هيئات المجتمع المدني من مضمونها، وترسيخ ثقافة الطاعة، والصبر، والولاء الشخصي المُفضي إلى الكُفر بالمؤسسات وبالسياسة...إلخ، فيُبقي على الجانب الشكلي من تلك النماذج السياسية ويمتصُّ محتواها كما تفعل العنكبوت بفريستها. حاوَل الماوردي أن يحلل بنى اشتغال المُلك ويجعلها أكثر التزاماً بالعدل، وقد كان الفشلُ مصير محاولته، لأنه لم يدرك أن المشكلة في الملك نفسه، في الرؤية التي يصدر عنها كل من يفكر في دائرته المغلقة. ويبدو أنَّ قوة أفكار الحداثة الغربية لم تكن كافية لتقويض هذا البرادايم العتيد، وكلُّ تفكيرٍ في مستقبل الاجتماع السياسي العربي سيكون عليه أن يجيب عن سؤال الخروج من أفق هذا النموذج.