نشأت المصري: الأدباء والمثقفون منفصلون حتى عن العربة الأخيرة

نحتاج إلى مثقف يواجه أمراضنا الاجتماعية والسياسية معا دون انتظار للدولار أو منصب مختار.


مشهد أدب الطفل مشهد مظهري معظمه يتجلى في المدن، أما القرى التي تضم غالبية السكان فلا تتجه الخدمات الثقافية إليهم بشكل كاف


الحراك الثقافي لا ينفصل بحال عن حيوية المجتمع ومدى الحرية فيه

يجمع نشأت المصري بين كتابة الرواية والشعر والمسرح والدراما الإذاعية وأيضا الكتابة للبرامج الإذاعية، يكتب للكبار والأطفال، وقد استطاع منذ انطلاق مسيرته الإبداعية أن يخلص لقضايا مصر والأمة العربية وأن تكون تلك القضايا أحد مشاغله الرئيسية بعيدا عن قضايا التنظير سواء ما تعلق منها بالإبداع أو النقد. وعلى الرغم من انتمائه إلى جيل السبعينيات معاصرا للعديد من الاتجاهات والتيارات التي أشعلت الساحة الأدبية والنقدية وغيرت الكثير من سياقات الكتابة إلا أنه ظل محافظا ومحتاطا لتجربته التي تعمقت على اختلاف مساراتها بين الرواية والشعر والمسرح لتشكل بناء خاصة في نسيجه الأسلوبي والرؤيوي، وقد تجسد ذلك في ما يقرب من 27 عملا روائيا وقصصيا و30 عملا شعريا ومسرحيتين بالإضافة إلى 6500 حلقة إذاعية. 
في هذا الحوار مع المصري نتعرف على مسارات تجربته انطلاقتها وتطورها، ورؤاه للمشهد الشعري والثقافي وذلك الخاص بأدب الأطفال.
بداية وحول المراحل التي قطعتها تجربته مع الكتابة، قال المصري: البداية كانت حصاد عزلة اختيارية كتبت فيها القصة القصبرة والرواية وبعض التمثيليات وما يشبه المسرحية بالعامية المصرية، كما قرأت بنهم أشعار ايليا أبو ماضي ومحمود حسن إسماعيل، جذبني الشعر إليه جذب العشاق، ونشرت أولى قصائدي وهي عمودية في فترة المرحلة الثانوية وعنوانها "نداء فتاة" عن فتاة مراهقة تطالب أباها بمزيد من الحنان حتى لا تنزلق. 
وفي المرحلة الجامعية انفرد بي الشعر ونشرت بعض القصائد الوطنية والعاطفية. وما بعد الجامعة تلونت قصائدي بالبعد الفلسفي والإنساني العام وبعضها نشر في مجلة الآداب البيروتية أهم مجلة عربية آنئذك ومجلات الشعر والهلال وجريدة الأهرام، واستقر بقلمي المطاف إلى قصيدة التفعيلة، وفتنتني قصائد أوروبية وأميركية وشرقية مثل "الأرض الخراب" لاليوت وقصائد لطاغور ورامبو وبودلير والفريد دي موسيه وغيرهم، مع معايشة لأشعار عربية لمعاصرين وقدامى مثل أنسي الحاج وأدونيس والمتنبي وابن الفارض، ثم اتجهت الى أدب الطفل بعد عشرين عاما من الكتابة للكبار، كأنني مسخر لأداء رسالة أدبية وأخلاقية، وحاولت أن أكتب في المسكوت عنه وركزت على الأبعاد السياسية والاجتماعية والاهتمام بالبسطاء والمهمشين، وأثناء ذلك توليت رئاسة تحرير "مجلة زمزم" وأشرفت على مجلات للأطفال في العالم العربي وأميركا مثل "مجلة سنابل". ونشرت أكثر من ديوان للكبار وللأطفال، وحصلت على جائزة الدولة في الشعر عن ديوان "قالت الأشجار"، وجائزة اتحاد الكتاب لأفضل قصص مصرية للطفل "مدينة القطط".

يسعدني دائما أن أرى الناقد المتميز الذي يبدأ من العمل والمجتمع الذي يعيشه دون حذلقة

وفي المرحلة الثالثة كان الاهتمام بالرواية وقراءة عيون الأدب العربي والعالمي، ولاقت القصص النفسية هوى خاصا في نفسي، وقمت بتأليف عدة روايات فرعونية "نفرتيتي ـ تاوسرت ـ بلباي" ورواية عن المهدي "دماء جائعة"، وأخرى نفسية "المهزوز" وثالثة اجتماعية "خاص جدا" ورابعة رومانسية "كوتشينة"، وفي الوقت نفسه امتد اهتمامي إلى المسرح الشعري، فقدمت "أشواق النصر" و"الحفر إلى أعلى" وتم تنفيذ الأولى على مسرح جامعة الإسكندرية، وهما تنتميان إلى اللون الوطني. وعلى مدى هذه المراحل تواصلت كتاباتي للإذاعة والتليفزيون في كافة المجالات الأدبية والثقافية والدينية "أكثر من 6500 حلقة" والعديد من الأعمال الدرامية.
وأوضح المصري أنه بدأ بالشعر ثم كتب الرواية فالمسرح، وقال "الشعر بسط أجنحته على إبداعي كله وأرى أنه يضيف إليه فيعمق التعبير، ويلمس جذور المعاني إلا أن تأثير الشعر على المسرح أكبر، لأن المسرح بدأ شعريا وهو يزدهر به، ولهذا يلجأ العديد من المترجمين إلى ترجمة المسرح الشعري شعرا كما فعل د.محمد عناني وغيره. وكذلك يمكن أن نقول إن الألوان الأدبية تتلاقح فيما بينها ولهذا يثري القصيدة أحيانا أن تعانق القصة وتمتزج بها وهو ما انتهجته في عدد من قصائدي للكبار والكثير من شعر الأطفال الذي يعتمد على صور قصصية مبتكرة.
وأكد المصري أن قضايا الإنسان مع العدل والحرية شغلته في مجمل إبداعه، وأضاف "العدل لا يتوفر إلا في مناخ الحرية.. وكذلك قضية الانعتاق من عبوديتنا للماضي التي تعطلنا عن الوثوب إلى المستقبل، فليس كل ما نرثه قابلا للتطبيق أو ينبغي تطبيقه. وهذه القضايا متجذرة في الواقع العربي المهزوم والمأزوم معا الآن. وأصبحت تعلة سخيفة ووسيلة الرمز للهروب من ضراوة الواقع، أو اللجوء إلى التاريخ أو الغرق في إسقاطات بدأت تفقد تأثيرها أمام الصور المباشرة الصارخة. نحن نحتاج إلى مثقف يواجه أمراضنا الاجتماعية والسياسية معا دون انتظار للدولار أو منصب مختار. للأسف الأدباء والمثقفون منفصلون حتى عن العربة الأخيرة، عربة السبنسة. أيضا تشغلني وتعذبني هذه البشاعات الدامية اليومية في الوطن العربي المسكين، لقد أصبح الدم رخيصا ومشهده اعتياديا.
ورأى المصري أن المشهد الشعر يدعو إلى الرثاء. وقال "في زيارة واحدة لبيت الشعر الذي يرأسه حجازي تجد الرد جليا حيث الشعراء يخاطبون أنفسهم فقط، والجمهور في غياب لأسباب بعضها يتعلق بالمدرسة التي تقرر على الطلاب نماذج منفرة من الشعر، والشاعر الذي يلهث مقلدا النصوص الأجنبية أو يوغل في الرمز إرضاء للنقاد، وهذا التعالي الأدبي أفسد المشهد. مع التغافل عن النماذج الجميلة المدهشة التي يقدمها قلة في مقدمتهم د.أمجد ريان التي تعتبر نموذجا لما يجب نشره بين الطلاب. 
أمر آخر مهم هو تقوقع الشعراء في قاعات الندوات وعدم التحامهم بالجمهور. كما أن ما ينشر من شعر من طرف وزارة الثقافة تسيطر عليه شلة من المتحذلقين يضاعفون الهوة بين الشعر والمتلقي، والعجيب أن شعر العامية أيضا ارتدى قبعة وتاه في زحامهم، وكذلك غياب حرية الكلمة يقتلها في مهدها وتصبح بددا، وبشكل ما فإن الأزمات الاقتصادية الدائمة تجعل الأولوية لرغيف الخبز.. إنها مشكلة أمة لم تنهض بعد.
ولفت المصري إلى أن حركته مع الشعر تشكل له ضرورة فهو لا يملك طي صفحته، وأضاف "الشعر يغير جلده معي فيتقمصني في صورة مسرحية شعرية أو سرد شعري لقصص من الواقع أو من التراث أو من القصص الديني، كما هو الحال في "معجزات الأنبياء" للفتيان. وحاليا تستهويني قصيدة التفعيلة وأحيانا قصيدة النثر، وشحنة القصيدة هي التي تختار مسارها كما أن ما يمكن تسميته بقصيدة الومضة يلح على قلمي وهذا اللون في ظني أقرب إلى روح العصر، لكن هذا لا يلغي أهمية ومكانة النماذج الجديدة الممتازة من القصيدة العمودية. إن ظهور أو غلبة لون من الكتابة لا يعني اختفاء ما عداه بدليل إقبالنا حتى الآن على أشعار كبار شعرائنا القدامى واستمتاعنا بها، لهذا فإنني أطالب من يختلقون المعارك حتي الآن بين مختلف ألوان الشعر أن يكفوا عن ذلك. إن قصيدة النثر ترسخت يا سادة، وظهرت محاولات جميلة لعقد قران بينها وبين القصة القصيرة، أما شعر التفعيلة فهو على الاقل ضرورة فنية لكتابة مسرحية شعرية جيدة.

ورأى أن مشهد أدب الطفل مشهد مظهري معظمه يتجلى في المدن، أما القرى التي تضم غالبية السكان فلا تتجه الخدمات الثقافية إليهم بشكل كاف. ومكتبات المدارس في القرى تعاني من الإهمال، وحتى على المستوى التنظيمي اختفت حصة المكتبة. وهناك حلول وخطط بسيطة لا تكلف شيئا لكنها تخدم الأمة، وعلى المسئولين أن يبادروا بتنفيذها إذا كانوا يفقهون، ومن ذلك ما دعوت إليه وهو إعادة حصة القراءة بنهج جديد حيث يعرض الطفل في كل حصة مضمون كتاب جديد من المكتبة، واقتراح آخر جميل نشره الأديب د.أحمد الخميسي بأن تستضيف الحصة أديبا يحكي للأطفال عن كتاباته. لكن هل النظم العربية تتطلع فعلا إلى تعليم وتثقيف الشعب؟!
وتساءل المصري في سياق أدب الطفل عن دور التليفزيون المصري، وقال "هو من مدة طويلة عاجز عن إنتاج أعمال لافتة للطفل ربما لضعف التمويل. ولا يمكن أن نتغافل عن دور وحجم أداء مسرح الطفل، إنها أعمال تقدم على سبيل العينة لفترات محدودة جدا وفي أماكن أقل محدودية، والمسرح المدرسي يعمل على خجل من أجل المسابقات فحسب، لكن لا يوجد مد مسرحي دائم في المدن والقرى، كما أن المسئولين عن مسرح الطفل يحكمهم الوساطة ومجاملة موظفي وزارة الثقافة من الكتاب بغض النظر عن جودة أعمالهم. 
إن عدم امتصاص وقت وطاقة الطفل في القراءة والمسرح يجعله فريسة سائغة لمعطيات التفكير المتطرف والإنترنت ومخاطره، ويخلق طبقة من جهلة المثقفين يصبحون طعاما للإعلام الفاسد وتحويلهم إلى عناصر هشة تهدد مستقبل الأمة. إن من البلاء أيضا إن الطفل العربي يتربى على الخوف والتهاون في حقوقه لأسباب منها رد فعل الأب والأم تجاه انتهاكات الآخرين لهم. وللأسف فإن جانبا كبيرا من أدب الطفل يزرع العبودية في نفسه خصوصا هذا النقل الغبي من التراث دون تنقيح أفكاره وفقا لأصول التربية. وباختصار إن أدب الطفل يعد مرآة للموروثات الشعبية ويكرس للشخصية السلبية غير الابتكارية، ولهذا يستحق كاتب الطفل الخاضع لهذه التيارات أن يوصم بأنه كاتب من الدرجة الثانية أو أقل لتواضع ثقافته أو انعدامها وعدم الاهتمام بما يكتب للكبار. وقد حاولت في كثير من أعمالي الابتعاد عن الموضوعات التقليدية التي قتلت كتابة كما أنني عنيت بتقديم نموذج الأم الإيجابية والدعوة إلى وجود مكتبة صغيرة في كل بيت.
وأشار المصري إلى أن الحراك الثقافي ينحصر في مجالين الأول حراك رسمي حكومي والثاني جماهيري خاص، الأول تقليدي يتم بالحد الأدنى من الجودة لأنه مكبل بالمحاذير الرسمية والمصالح والشلليات، والثاني يعمل متوجسا خائفا، ناهيك عن قلة التمويل. ومن واقع تجربتي المباشرة لاحظت أن الجوائز عامها وخاصها تعاني من انعدام المعايير، أما الجماعات والجمعيات الأدبية العريقة مثل نادي القصة، فقد انحسر نشاطها رغم جهود القائمين عليها. ونشهد عزوفا للجماهير عن متابعتها بما في ذلك الندوات الادبية التي أصبحت دوائر مغلقة على الأدباء، وهذه العزلة تفرغ الحراك الثقافي من مضمونه، ومن الأمثلة الصارخة بيت الشعر بالقاهرة الذي لا يحضره أحد وهو أهم نافذة للشعر في القاهرة بالإضافة إلى الدور البائس الذي يقوم به المجلس الأعلى للثقافة بلجانه العاجزة.
وأكد أن الحراك الثقافي لا ينفصل بحال عن حيوية المجتمع ومدى الحرية فيه، حتى القضايا الكبرى يتخاذل المثقف عن تبنيها مثل شبح العطش القادم. وننتهي إلى المجلات وهي تعاني من انعدام الإقبال عليها عدا مجلات الأطفال المدعومة، وأيضا نحذر من استمرار غياب الخطط العلمية والمعايير، وتخضع الترجمة أيضا لنفس المشكلة، إن غياب الرؤية كما يجب أن تكون وسوء اختيار القيادات الثقافية هما من أهم آفات واقعنا الحالي. 

Literary dialogue
أكتب ما يعن لي 

ورأى المصري أنه خلال فترتي الستينيات والسبعينيات كانت الحركة النقدية نشيطة وموضوعية إلى حد كبير واستطاعت أن تقدم للقارئ عددا من الشعراء والروائيين وكتاب المسرح المهمين وإن تدثر بعض هؤلاء النقاد بمسوح الأيديولوجيات، وقد تعرض الكتاب وأهل الثقافة للقهر حينا وفي حين آخر سيطروا على النوافذ الأدبية المتاحة. ثم انحدر هذا الازدهار الثقافي ليصل إلى مداه السفلي في العقد الأخير، لكن ثمة بارقة أمل مع ابتعاث عدد جديد من المنتديات الأدبية وتواصل نشاط ندوات مهمة كالندوات المثابرة لنادي القصة وتلك التي يتبناها الشاعر والإعلامي السيد حسن ود.ثريا العسيلي ود.سليمان عوض والأديب السعيد عبدالكريم وغيرهم. ونتمنى أن نصل إلى ثلاثة أهداف الأول أن يسعى الناقد إلى العمل الأدبي وليس العكس، والثاني ألا يعتلي منصة النقد إلا أصحاب الاختصاص، والثالث الإعلان الجيد الذي تساهم فيه كل النوافذ الإعلامية بالقنوات العامة مجانا لجذب الجمهور المحتمل. إن الحركة النقدية غير متوازنة وتخضع للهوى رغم توافر شروط النهضة عدا غياب المناخ الاجتماعي والسياسي الملائم.
وأخيرا وحول نشره ثلاث روايات متتابعة هذا العام، قال المصري "كما يقال في الشعر إن القصيدة تفرض قالبها المفضل لدى من يكتب دون تقيد بإطار مسبق فإن الرواية رغم تخطيط العديد من فصولها وتفاصيلها قبل البدء تفرض أيضا وسائلها المعبرة، ولهذا فإن تطبيق قواعد غربية مستحدثة على التكنيك قد يكون عائقا أمام القارئ العادي وهو هدفنا الأول، وإن صفق له نقاد الحدائة وما بعد الحدائة. 
وفي ندوة أخيرة سمعت ناقدا كبيرا يحدثنا بما قاله بارت ولم يحدثنا عن تصوره هو، هذه التبعية غير المبررة تؤثر بالسلب على الكتابة ووصولها إلى جمهورها الطبيعي. إن النجاح الحقيقي للأديب هو أن يعبر عن الناس وتتفاعل كلماته معهم وإن كره بارت ومرددو آياته. 
يسعدني دائما أن أرى الناقد المتميز الذي يبدأ من العمل والمجتمع الذي يعيشه دون حذلقة. ولهذا أكتب ما يعن لي بالطريقة التي يمكن أن تصل إلى القارئ، وقد لستخدم في ذلك تقنيات الحدائة إذا كانت تخدم العمل وليس طلبا لتصفيق النقاد.