هبة العقاد من سقوط المفاجأة إلى صعود القلق

الفنانة السورية القادمة من حي الميدان الدمشقي تمزج بين التمرد على القمع والحس الفني العميق، مجسّدة طفولتها وواقعها الاجتماعي في أعمال تشكيلية تنبض بالحياة والحرية.

هبة العقاد (دمشق 1981) من الأسماء التي تمت المراهنة عليها، وما زالت وبقوة، وستكون لها شأن جميل في المشهد التشكيلي المعاصر، فهي من اللواتي يلفتن النظر من بين فنانات وفناني الجيل الجديد في الفن السوري المعاصر، فلها حضورها وبصمتها المميزتين.
فهي ابنة حي الميدان الدمشقي، ميدان الحب والتفاهم والتسامح والتاريخ، ومنه استمدت عزمها وبحثها. ورغم أنها عاشت في جو محافظ، إلا أنها بإصرارها وبعشقها للفن استطاعت أن تدخل كلية الفنون الجميلة وتتخرج منها / قسم التصوير / بنجاح وبرؤية مفتوحة على السموات. حتى أنها، لما رأت أن نساء الحي (الميدان) يخرجن في تظاهرات يطالبن بالشمس، وهن يرتدين الخمار درءاً لعيون الأمن – كما قالت هبة ذاتها مرة – إلا أنها لم ترغب في ذلك، فخرجت معهن كما هي، سافرة الوجه، وتبرر ذلك أيضاً بقولها: كي أبعد شبهة التشدد والسلفية عن التظاهرة، كما كان الآخرون يرسمون لها.

هبة، بهذه الروح النابضة والمنبثقة من انتمائها، انخرطت في الحياة العامة وفي الحياة الفنية، روح التمرد على الظلم ورفضه، وينعكس ذلك كثيراً في أعمالها.
فهذا الأمر عندها حاسم، كموقف وكإنسان. فهي كفنانة الأقرب لوجع البسطاء، فكيف لا تكون في صفهم، بل وتمشي معهم في ذات النهر، دون أن ترسم في خلدها أي جدار للخوف، أو أن الطاولة قد تنقلب عليها أو على الجميع، فثقتها بنفسها توازي ثقتها بمطالب أبناء وبنات حيها، وحقهم في حياة حرة كريمة بعيدة عن الرقابة الأمنية المدمرة للإنسان وللبلاد.
فقالت كلمتها على الأرض حين امتزج صوتها مع أصوات بنات الميدان، وهن يصرخن للحرية، وقالتها أيضاً في مجمل أعمالها، لتلخص مرحلة لم تنتهِ بعد، وهي الحاضرة في كل الاختلافات، مستخدمة مفاهيمها كأدوات صالحة للتوكيد بإمكانية العيش الجميل في هذا الاختلاف الجميل بدوره.

فهي تسكن السموات بوعيها وبعفويتها الغارقة في طفولتها التي لم تبرح منها بعد، بل تطلق العنان لها في أعمالها، التي بدورها باتت ملعباً لها ولصديقاتها في الحي.
أقصد لطفولتها، ولتلك الطفولة التي تتيه أو تاهت في أزقة الحي رويداً رويداً، حتى تم اغتيالها بقناصات النهار، وباتت دون ملامح.
فكل حركة من عناصرها المكونة لدواخلها تم اعتقاله، بل وقتله. فهبة تركز على اختزال طاقة شخوصها بإعطائها عناية مركزة بالعبور إلى طبيعتها المفقودة أو المغتالة، لتطيح بالحدود فيما بينهم.
ويمكن القول إن أعمال هبة ليست ردّات فعل على ما يجري في الأرض وعلى الشمولية التي كانت وما زالت طاغية، بقدر ما هي اجتياح للحظات الخراب الفاعل، حتى في صوتها، وما يملي عليها قيمها الذاتية والجمالية، والتي ستشكل المدخل الأهم، التي منها ستتسلل هبة نحو تحقيق وإنجاز عملياتها اللامتناهية، وإرساء مواقع جديدة لتجربتها.
فهي لا تسقط تلك الفرضيات التي تخص المتلقي والقيام بمقولته الإجرائية، بل ترمي بعناصرها في طريقه لتحديد ما تشتغل عليه من تناظرات دلالية، كإجراء لفهم ما تطلقه من مسارات التأويل، وتمنح القراءة فعلاً يسمح – على نحوٍ ما – بالوصول إلى ممكنات العمل الدلالية.

هبة العقاد من القلائل الذين واللواتي يشتغلن بتقنية الكولاج ويبدعن فيها أيّما إبداع، وتكشف لنا بمتعة البساطة كيف يكون البحث الحر في ملعب حر، وكيف تتحول بقايا الأقمشة والورق إلى حكايا فنية نقوم بقراءتها بصمت.
فهبة، وبمزج جميل ما بين التعبير والتجريد، وباختيار جميل – وإن كان متعباً – للأقمشة التي تحتاجها في عملها، اختيار يحتاج إلى مناورة ذكية للوصول إلى لحظة غير اعتيادية، لحظة لا تأتي إلا بسقوط المفاجأة وصعود القلق.

هبة لا تستحم في ذات النهر مرتين، وإن كان من الوهلة الأولى توحي لنا أعمالها بأنها تعيد ذات الموضوع، تثقيب ذاكرتها، ورش طفولتها، وما تحمله تلك الطفولة من وجع الياسمين والأزقة الحميمة والمطعونة لحيّها حي الميدان.
ولكن بالاقتراب أكثر من فعلها، سيتيه ذلك الاعتقاد، وتلد فينا تلك الصرخة لذلك الطفل بمتاهاته، ويجعلنا نمسك معه ذلك الخيط ونتبعه حتى نصل إلى ممر مغلق، أو قد لا نصل أبداً.
فهبة هنا ترسم بروح الطفلة التي لا تبارحها، ولهذا عناصرها تمثل النقلة المفتاحية لضبط نسق الحضور والغياب في الآن ذاته، النقلة بصيغة سجالات مجردة بينها كفنانة طفلة، وبين أطفالها – أقصد شخوص أعمالها – فهي لا تسيء الظن بهم أبداً، بل تتطور بتطورهم، تستوعب انفعالاتهم وتنشرها باختزال، مع صرختهم التي هي بالتالي صرختها هي.

وبرؤية للغتها، حيث تستخدم مفردات بسيطة وبتنوع كبير، وتجعلها تقول أشياء كثيرة ومختلفة، فلا حدود لجوانبها، وإن كانت تجلب لنصها اقتباسات تمضي بها لإنجاز أغراض فنية، إنسانية، قد تخلق انطباعاً بأنها محاكاة بين أكثر من مستوى، بين اتباعها أسلوب الربط في عملية بنائها، وبين استخدامها قطعاً قماشية برؤية هندسية متميزة، مزدانة برصف دقيق، وبمناسك خاصة ضمن قاعدة إدراكية من سلوكها الإنساني/الإبداعي.
فهبة هنا قادرة على تحقيق بناء قصدي دون التضحية بإسقاط أي خطوة من خطواتها الجديدة لتنظيم تجربتها وإطلاقها، تجربتها البالغة الغنى والتنوع.

فهي تستثمر بذكاء حاد تحوّل النظام القيمي من العام إلى الخاص، حيث تبدأ المعاني الجمالية بالإنتاج.
فقواعد التوليد عندها، وهي منخرطة بين مفردات عملها، تجعل طريقة التوليد تشق مسارها بعذوبة التحقق، بالإمساك بالزمن الإنساني والجمالي في الوقت ذاته، وخارج حدود التصور، بل اعتباره حالة معطاءة في تحليل الفوارق الإبداعية من زاوية لأخرى، في العمل ذاته، ومن عمل لآخر.

فالأساس في ذلك النسق الذي يمنح عملها بصمتها ومقولتها، التي هي مبتغاها في طريقها وأدائها نحو استشراف بؤر دائرة فعلها، بإيماءات وحركات هي جديدة في فضائها التشكيلي، بوصفها تؤسس دلالات أشيائها، والتي تُعد بدورها مدخلاً لعويلها في الكشف عن هوية انطلاقاتها اللامتناهية.

وفي ضوء ذلك، فهبة لا تتجنب الخطاب الذي يعج بخانات تتضمن وجوهاً منهكة بالمتاعب والمآسي، داخل لحظات مقتطعة من حكاية الإنسان.
أي أن سبيلها إلى فهم ما يؤطر تلك الوجوه هو الاحتماء بالذات، وبالتمثلات البصرية الضاجة في الذاكرة، والتي قد تثير خطابها كإبلاغات معلقة بفضاءات تجربتها.