هيغل والعالم الشرقي

الفكر الغربي لا يهدأ في إقامة التضاد والتقابل بين ذاته والآخر.


شخصية الصيني والهندي لا تعبر في صميمها عن الحرية، والفكر لصيق بالهيمنة الخاصة بالكبار


أسمى القيم الروحية والأخلاقية والمادية تحققت بفضل مسار الروح، والتناقض بين العقل والطبيعة

لا يهدأ الفكر الغربي في إقامة التضاد والتقابل بين ذاته والآخر، مرآة تنعكس عليها تطلعات الغرب كوريث للحضارة اليونانية والرومانية، يقدم الغرب نفسه رائدا في العقلانية، كيان ينعم بالحرية، وشرق مضاد ثقافيا وفكريا، نتاج لانتقال الروح كثقافة وحضارة من الشرق نحو الغرب، واكتمال التطور من خلال تلك الوحدة التامة بين الذاتي والموضوعي، بين المجرد والمحسوس، انتقال الحضارة في تأملات هيغل من الشرق نحو الغرب، وبالذات من مصر نحو اليونان، عندما ودعت الروح الطبيعة في سمو الفكر عند الفراعنة، الذين اعتبروا النفس البشرية خالدة، ومنحوا قيمة عليا للفرد، وقدرة الذات على البقاء في إطار التصور الذاتي.
ما يريده هيغل بالذات ملامسة التدرج في مسار التاريخ والعقلانية حتى الإعلان عن النهاية، دورة الحضارة من البداية نحو الاكتمال دون العودة من جديد للشرق، ملامح القيم العقلانية، ومسار العقل والإرادة الكلية، حيث تعني وحدة الإرادة الذاتية والعامة التي تنتهي للتعيين في الواقع وبناء الإنسان، فالتناقض الذي ينتج حقائق مثيرة في تطور الإنسان والفكر، جدل الإنسان وذاته، وجدل الإنسان والطبيعة، وهذا التقابل بين الحضارة و"البربرية"، بين العقل كمقياس في النمو والإبداع، والاستبداد كظاهرة في السلطة والتسلط. 
عوالم الحرية الثلاثة، يعني انتقال الروح وسمو الفكر المحدد بالغايات القصوى التي لا يدركها الإنسان، التاريخ عرض للروح، العقل يحكم التاريخ، وجوهر الروح الحرية، وعندما يتأمل هيغل في أهداف الحرية وغايات التاريخ، يدرك هذا الانتقال من العالم الشرقي نحو العالم اليوناني والروماني، وأخيرا العالم الجرماني، روح الحضارة والتاريخ بدأت في الشرق والحضارات الشرقية، وينصب تحليل هيغل على الشرق القديم والشخصية الشرقية، من الصين والهند وبلاد الفارس ومصر، قراءة في التاريخ العام بنكهة فلسفية، دون التغلغل في تحليل الاقتصادي والسياسي، سوى ما يتعلق بالتركيبة السكانية والجوانب النفسية والعقلية.

الإنسان يولد بفكر متحرر ونزوع قوي نحو التقدم، وهذا الأمر ينسف كثيرا نظرية نهاية التاريخ وتفوق الحضارة الغربية، وحتمية البقاء للحضارة الغربية بقيمها المادية والعقلانية 

يقابل هيغل تجليات الروح التي لا تزال حبيسة في الفكر بدون ملامح واضحة، الوعي في حالة تخمر والذات في سبات بعيدا عن الوعي الذاتي كثمرة أولى لانتقال الروح نحو الطبيعة، والتعين كفكر موضوعي، فكر شيد الأنظمة والمؤسسات، وأرقى الأشكال التنظيمية الدولة، بوصفها نظام عقلاني مبني على الحرية والمواطنة، وتحرير الناس من الخوف والترهيب.                                                                              

لا تتجسد معالم الروح إلا في إطار الوحدة والتناقض بين الذاتي والموضوعي، ولا تكشف عن نفسها إلا في سياق الوعي، آسيا البعيدة وآسيا القريبة، الأولى تضم الصين والهند، وهما ينتميان إلى الجنس الآسيوي الأصيل، أي الجنس المغولي، والثانية الشعوب الآسيوية الغربية القوقازية أي العرق الأوروبي، شخصية الصيني نتاج للهيمنة الذكورية، والعقلية البطريركية، الإمبراطور في الأسرة، والإمبراطور على رأس الدولة، الطاعة العمياء، وعلاقة الحاكم بالرعية أشبه بالعلاقة بين السيد والعبيد، لا يتبلور هنا استقلالية الشخص بذاته، ولا يتبلور الوعي الذاتي كدافع عن الحرية والتحرر، عبودية الحاكم، والخنوع للسلطة الأبوية يعطي مؤشرا دالا على الطغيان السياسي، والاستفراد بالقرار، عبودية الشرق يعني انعدام الوعي الفردي، والمفاهيم الفلسفية التي سادت في فلسفة الوعي والتفكير الفلسفي إجمالا، غير نابعة من الذات، ومن الفعل الأخلاقي الحر، أو كما يسود عند كانط من الإرادة الحرة والمستقلة، المشرعة للفعل والواجب بعيدا عن سلطة الإكراه الخارجي، المشرع هنا هو الأب القائد، فالشرقيون بطبيعتهم "عبيد"، والفكرة ليست جديدة في تأملات الفكر الغربي، بل نجدها كذلك عند أرسطو في التقابل الواضح بين الحضارة اليونانية والبرابرة أي الشعوب الأخرى، بين الإنسان اليوناني والآخر المختلف، بعض الناس بطبيعتهم سادة، والبعض الآخر بطبيعتهم عبيد، رسالة أرسطو للإسكندر الأكبر معاملة الجندي اليوناني كقائد، ومعاملة الشرقيين معاملة السيد لعبيده، الشرقي لم يوجد إلا للتسخير، وجر عربة الحاكم، نصيب الشرقي من الحرية منعدما، والحاكم الذي نعتقد أنه حر ليس كذلك، بل طاغية ينقاد للغرائز والميولات الفردية، ليس في حاجة للقرار المشترك، والحرية النسبية تجلت في العالم اليوناني بانقسام المجتمع، بين السادة والعبيد، أما الحرية الفعلية، فظهرت جليا في العالم الجرماني، عند بعض الشعوب، من بينهم الألمان، والشعوب الاسكندنافية، والهولنديون، والانجليز، الحرية تعميم، لا تمنح ولا تعطى لفرد دون غيره، الإنسان روح، سعيه الدائم نحو التحرر من نير الطغيان السياسي، وقيود التقاليد والاسترقاق .                                                                                                      
شخصية الصيني والهندي لا تعبر في صميمها عن الحرية، والفكر لصيق بالهيمنة الخاصة بالكبار، التبلد البائس للهند، وغياب الاستقلالية في الفعل والقرار، والتقاليد الضاربة في التاريخ عند الصينيين، قيود في ميلاد الوعي الذاتي والحرية الفردية، لا مكان لحرية المرأة، التقاليد والعادات هي السائدة، الحرية مفروضة من الخارج، مواجهة هذه التقاليد يعرض الأفراد للعقوبات الزجرية، الأخلاق يجب أن تكون نابعة من الذات، والفعل الأخلاقي ذاتي مرتبط بمفاهيم، كالاختيار والمسؤولية والذاتية، والقانون والالتزام، أما نظرة الإنسان الهندي للعالم، فهي نظرة مفعمة بالخيال، ويتحول المتناهي إلى تقديس وتبجيل، أوصاف ومواصفات ثابتة في تحليل الشخصية الهندية، من الطمع والجشع والخداع والشهوانية، وحياة الهنود كلها خرافة، والمجتمع الهندي نتاج للتنوع الطبقي، من الكهنة أو "البراهما"، وطبقة المحاربين، وأصحاب المهن والحرف، وطبقة الخدم، لا توجد مساواة، وتنعدم المواطنة والعدالة الاجتماعية، وبذلك ظلت الهند على حالها ، عرضة للغزوات، والصراع على الهوية، دون أن تخرج عن حدودها، أما بلاد فارس حسب هيغل، فقد عرفت تحولات جمة، قامت بدورها في التاريخ، ثم تهاوت واختفت، ويقف هيغل كثيرا عند الأديان خصوصا الزرادشتية، في مبادئها العامة، ذلك التقابل المثير بين الخير والشر، وبين النور والظلام، ويعتبر أن زرادشت ينتمي إلى عالم الوعي، كل ما في العالم من خير وشر، الشمس تشرق على الكل، كما تضم فارس سهول دجلة والفرات، ووادي النيل، مصر الجسر الذي عبرت منه الروح من الشرق نحو العالم اليوناني، الأمم الجديدة ستعرف نمطا جديدا من التفكير، الذي يتحول كذلك من الطبيعة بمبادئها العامة والوجود بما هو مادي، نحو الوجود العيني والموضوعي .                            

philosophy
رواسب من فلسفة مونتيسكيو 

لم تعد الروح مكبوتة تعبر عن نفسها في شكل صور محسوسة، بل الروح في عودتها نحو عالمها خلقت لذاتها متنفسا جديدا من التأملات في غايات الإنسان والحرية، تلك الميزة التي ساهمت في إيقاظ شعوب كانت مستعدة للتحرر من الطغيان، الحرية ممارسة وليس تنظيرا، والفلسفة التي عبرت عن العالم اليوناني، أثرت بشكل كبير في العالم الروماني، التناقض مولد للتطور، الحرية صيرورة التاريخ، والحقيقة تعني الوحدة بين الجزئي والكلي، ويكشف التاريخ عن مسار الروح وتدرجها، الجدل في محاولة إظهار الطبيعة الروحية للعالم، عقلانية هيغل التي تعتبر ثمرة العقل في تطويع الطبيعة، وثمرة الفكرة التي تبلورت معالمها من الذات نحو الموضوعات الخارجية، انعكاس للوحدة الشاملة، وذلك التطابق بين العقل والواقع، تحققت أسمى القيم الروحية والأخلاقية والمادية، بفضل مسار الروح، والتناقض بين العقل والطبيعة، وبين الأنا والآخر، والحرية والضرورة، أصبح الفكر حرا من أجل ذاته، تحولات الأفكار من عالم الطبيعة نحو الموضوعات الخارجية، حقق الإنسان ما كان يطمح إليه العقل في إشاعة الفكر والحرية في وحدة مركبة، والعالم الشرقي الذي أدخله هيغل في حالة من الجمود والركود، من الروح الخارجية عن الصين، والشكل البدائي للروح عند الهنود، وفي قدرة المصريون على إخراج الروح من المكبوت للتعبير عن المحسوس، كانت البداية هناك تم التقط الغرب نسمات الفكر، ثم تحققت معالمه في كل المجالات بفعل قوة العقل والإرادة الحرة. 
بقي الفكر يراوح ذاته في العالم اليوناني حتى اكتملت الروح في العالم الجرماني باكتمال المطلق الذي حل في كل المجالات، يعني تحققت الصورة الراقية للعقلانية الغربية، قطعت الروح أشواطا في التجلي والتعين، مسار ومخاض في ولادة الحداثة الغربية، وميلاد الحضارة، وامتثال الإنسان لروح الشعب، جدلية السيد والعبد عند هيغل بمثابة صراع وجودي انتهى للصلح، وميلاد علاقة إنسانية يطبعها السيادة المشتركة على الخيرات من خلال الإبقاء على ما يملكه السيد من قدرة وسلطة ونفوذ، وما يملكه العبد من خبرة وكفاءة، جدلية الأنا والآخر، وجدلية الصراع بين وعيين متناقضين، وكل الأشياء تبدأ بالتناقض، وتنتهي للوحدة والتكامل، الثورة الفرنسية جاءت بالآمال المعهودة في تحرير الذات من الاستبداد، هلل هيغل لهذه الثورة، وما حملته من الأحلام والأمل في إقامة الفكرة على ما يريده العقل، وما تصبو إليه الروح والفكر، وما تحمله من مضمون إنساني، وقيم عقلانية، تعني إرادة الإنسان في التحرر من الخوف، والاستبداد السياسي، والتصلب الفكري، تاريخ الحضارة ممزوج من ثقافة الشعوب وجغرافيتها.
هنا يمكن العثور على رواسب من فلسفة مونتيسكيو عن المناخ والتضاريس، وعقلية الشرق الذي تهيمن عليها العقائد الدينية، وما نلمسه من كتابات أرسطو عن العقلية اليونانية، وعقلية الشرق في سياق الصراع التاريخي بين اليونان والفرس، ظلت نظرية الطغيان الشرقي والاستبداد حاضرة في الفكر السياسي الغربي، وفي أفكار العامة من الناس، ترسخت تأملات هيغل في الفكر الاستشراقي الخاص بالقرن الثامن عشر والتاسع عشر، وحسب تعبير المفكر العربي طيب تيزيني، ساهم هيغل في تأسيس ما يسمى "الاستشراق الحديث"، بقي الفيلسوف وفيا للنزعة المركزية الغربية وللقيم المسيحية، للتعميم والهيمنة، وفكرة إمام عبدالفتاح إمام مترجم بعض كتب هيغل للعربية، أن التاريخ عند هيغل ينتهي في الحاضر لا في المستقبل، نوع من التحيز للدولة البروسية وللشعوب الجرمانية، وما نراه الآن أن الحضارة كما قال مالك بن نبي في عودة من جديد للشرق في إطار دورة كاملة، تشرق الشمس من جديد على الشرق، وهناك دلائل قوية في صعود الصين، وعودة الروح من جديد للشرق، دورة الحضارة تكتمل عند الإلمام بالفكرة الدينية أو عودة قوية لروح الثقافة، وإعادة تصويبها نحو أفق آخر، يولد إنسان بفكر متحرر ونزوع قوي نحو التقدم، وهذا الأمر ينسف كثيرا نظرية نهاية التاريخ وتفوق الحضارة الغربية، وحتمية البقاء للحضارة الغربية بقيمها المادية والعقلانية .