"واجب" .. الحياة لا بدّ أن تستمر

الفنانة الفلسطينية آن ماري جاسر ترى أن بعض الأفلام الروائية أكثر صدقا من الأفلام الوثائقية.


الحبكة السينمائية تعتمد على نمو الحدث وتسلسله


المخرجة آن ماري جاسر لم تلتزم بقصة معيّنة في فيلمها

ترى الفنانة الفلسطينية آن ماري جاسر، أن بعض الأفلام الروائية أكثر صدقا من الأفلام الوثائقية، لذلك فإنها استعارت من الحياة اليومية ثيمة فيلمها الجديد (واجب) والذي تمّ إنتاجه من قبل شركة الإنتاج الفلسطينية عام 2017. 
وقد جاء الفيلم حافلا بصور الحياة المنتزعة من واقع حياتي مُعاش لفلسطينيي الأرض المُحتلة، بحكاياتهم اليومية، وهم يتعايشون مع واقع فُرض عليهم، وبأساليب معيشتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وبفوضى الشوارع التي تعكس المشاهد المختلفة، ببيوتهم ودفء علاقاتها وأواصر القرابة والجوار.
إنها مجموعة من الحيوات التي التقطتها المخرجة من خلال زوايا متعددة ومختلفة، الحادة منها أو الناعمة، وقامت بمزجها بمهارة كي تستخلص منها هذا النسيج السينمائي الجميل، لحشد من الناس تجذروا في أرضهم، وظلوا يغرسون فيها عاداتهم وتقاليدهم وطرائق حياتهم.     
وإذا كانت الحبكة السينمائية تعتمد على نمو الحدث وتسلسله، فإنّ المخرجة آن ماري جاسر تعمدت كسرَ هذه القاعدة، ولم تلتزم بقصة معيّنة في فيلمها، تبدأ وتنمو وتنتهي بأشكال حزينة أو مُفرحة، وآثَرت أن تترك أبطال الفيلم من الناس البسطاء، ينسجون قصصهم بتلقائية وعفوية، من خلال اللقاءات الخاطفة والأحاديث مع المعارف والأصدقاء المدعوين، والذين يجعلون مسار الفكرة لا يُضاهي انهماكهم في شوونهم اليومية، وأفعالهم وإشكالات حياتهم وهموم معيشتهم، التي تنضح أثناء هذه اللقاءات بشكل تلقائي وغير مفتعل. 
إنها مجرد أفعال عفوية تطفو على سطح النص السينمائي، وتلوّنه بالرؤى والأفكار، من خلال هذه اللقطات العابرة لبشر فلسطينيين مختلفين في أديانهم وعقلياتهم وسبل تفكيرهم، ولكنهم متشابهون في مصيرهم، وفي محنتهم وفي صراعهم مع الحياة، فيسعى الفيلم إلى تحسس دفْقَهُم الإنساني، مما جعله في منأى عن المباشرة، مما أكسبه جاذبية وجمالا، وجعله بعيدا عن الرتابة والشعارات السياسية.   
أبو شادي وهو مدير مدرسة في الناصرة، وابنه شادي الذي يدرس الهندسة المعمارية في إيطاليا، والذي جاء في إجازة موقتة خصيصا لحضور حفلة زواج أخته آمال. يقومان (الأب والابن) بواجب توزيع رسائل الدعوة إلى العرس، كما تقتضيه الأعراف الاجتماعية. وخلال هذا المارثون المرهق من صعود السلالم في العمارات، والبحث عن الناس في الشوارع والأسواق، والدخول في بيوتهم، لأداء طقوس الضيافة التي تتحول إلى عرف لا بدّ منه، ومن خلال الإحراجات والطرائف والمواقف الجادة وغير المتوقعة نكتشف نبض مدينة الناصرة، وسرّ تجذرها وعراقتها واحتضانها لأبناء الديانات المختلفة.  
السيارة القديمة التي يمتلكها أبو شادي تتحول إلى شاهد على  تلك المرحلة، والتحولات التي طرأت على العائلة من خلال التصدع في الحياة الزوجية بعد أن تخلت أم شادي عن زوجها، وتركته  في حالة البؤس، حيث ألسنة الناس التي لم ترحمه، يضاف إلى ذلك حالة الفقر العاطفي الذي عاشه لسنوات وحيدا مع عاره الشخصي، ومع ذلك فقد نذر حياته في سبيل تربية ابنته آمال وابنه شادي، حتى استطاع أن يربيهما بصبر وتحمل كبيرين. 
ومن خلال الحوار الساخن بين شادي وأبيه، يستطيع المشاهد أن يتعرف على محنة أبي شادي، وكيف أفاض الرجل عن المعاناة التي عاشها وحيدا، وكيف تحمّل كل أصناف المذلة، وداهن حتى الذين كانوا يكتبون عنه التقارير من اليهود من ذوي الفكر الصهيوني، كي يثبّت وجودَهُ القلق كمدير مدرسة، وكيف وقف على قدميه كي ينقذ ابنه شادي ويبعثه إلى إيطاليا لإكمال دراسته. ومن خلال هذا الحوار الذي كان يهدأ أحيانا ويتفجر أحيانا أخرى، نرى أن الفيلم يتناول خندقا واحدا ومنظورين مختلفين:

السينما الفلسطينية
لقطات مُنتقاة بدقة ومن زوايا مختلفة

منظور شادي الذي انعتق من ضغط الاحتلال، ولكنه ابتعد عن الوطن، والذي لم تصقله تجارب الحياة، فانفصل عنها مهتما بمفاهيم وأفكار جديدة، قد استقاها من أجواء الغربة، ومنظور أبيه الذي بقي تحت ضغط الاحتلال وضغط ظروف الحياة وقسوتها، وضغط الزوجة التي تركته وحيدا، ولكنّه صمد أمام هذه المصاعب، وبقي ملتصقا بمسامات مدينته. 
ومن خلال هذين المنظورين اللذين يتحاوران بحدة، تتشظى الصوروالحكايات والأسئلة، ولكنّها تتجمع في المُحصّلة النهائية، لتمنحنا الرؤية التي أراد الفيلم إيصالها، وهي: 
إن حدة الحياة وقسوتها وعمقها أكثر دلالة من الشعارات الجاهزة  والهتافات عن القضية، وقد أشار أبو شادي بطرف خفي حينما انتقد الذين باعوا القضية، وظلوا يتاجرون بها.  
ولم يبرز التناقض بين جيل شادي وجيل أبيه في هذا الأمر فحسب، بل تجاوزه إلى السلوك والذوق الفني في طريقة الاستماع إلى نمط الأغاني، حيث إن صوت  المغني المحلي قد استفز ذائقة شادي، كما أن أباه كان غير مقتنع بقميص ابنه والذي يراه بعيدا عن الذوق السائد، وغير مقتنع بالعلاقة العاطفية بينه وبين صديقته الفلسطينية التي تدرس معه في إيطاليا. 
كما أن الاختلاف بينهما في نظرتهما إلى طبيعة العمل، فأبو شادي يوهم الآخرين بأن ابنه يتابع دراسة الطب في إيطاليا، وذلك لأن الطب ودراسته تستحق أن يفخر به الإنسان لاعتبارات اجتماعية، ولكن شادي يفخر بأنه يدرس الهندسة وليس الطب، فيسببان بإحراج بعضهما البعض، كما أن الاثنين كانا غير شفافَيْن إزاء بعضهما البعض، وخاصة بادعاء شادي بأنه لا يدخن التبغ، والأب يفعل ذات الشيء خشيةً من ردّ فعل ابنه، ولكنهما في اللقطة الأخيرة من الفيلم يدخنان معا وكأنهما يصلان إلى شفافية الصدق.  
لقد صوّر الفيلم الحياة في الناصرة، وعلاقات الناس ونظرتهم إزاء بعضهم البعض، وقد أظهر لنا تقاليد الكرم الجميل بين الناس في تبادل الزيارات، وحميمية العلاقات، والكرم لدى الباعة الفقراء الذين لا يترددون في تقديم ما يبيعون مجانا لأصدقائهم، إضافة إلى الإصرار على تقديم واجب الضيافة في زيارات المجاملة. ولكن في الجانب الآخر فقد أظهر الفيلم التناقض في السلوك المتبادل  بين الناس الذين لا يرحمون غيرهم، ففي الوقت الذي يتبادلون كلمات الود في مواجهتهم لبعضهم، ولكنهم لا يتورعون في ذكر السوء في حالة الغياب، كما حدث للحلاقة التي رحبت بشادي وهو يسلمها بطاقة الدعوة، ولكنها تكلمت عن عائلته بسوء حينما أغلقت الباب، وقد تسربت كلماتها المسمومة إلى أذنيه عبر النافذة. 
لم تتصد المخرجة وكاتبة السيناريو آن ماري جاسر في فيلمها "واجب" لضغط الاحتلال وظروفه اللاإنسانية، ولكنها كانت توحي به بشكل غير مباشر، وذلك من خلال إشارات الأخبار التي يعلنها المذياع في سيارة أبي شادي، وهما منهمكان في توزيع بطاقات الدعوة. ومن خلال ذكر المناضل المعتقل مروان البرغوثي على شكل أقرب إلى الطريفة منه إلى الحزن، كما ورد أيضا تعليقات إبي شادي على سياسة الاستيطان ومحاولة جلب اليهود من روسيا. 
كما رصدت عدسات الفيلم الكثير من السلوك غير المنضبط للكثير من شرائح المجتمع، في رمي القمامة في غير أماكنها، وتركها في الشوارع، وفوضى الطرق، وزعيق منبهات السيارات، وعدم الالتزام بتسلسل دَور الانتظار في محطات تعبئة البنزين، والمشاحنات بينهم التي تصل إلى حد الضرب والاشتباك بالأيدي أو بوسائل مختلفة. إنه غضب الطريق االذي يجعل البشر يخرجون عن أطوارهم، ويفصحون عن نزعات عدوانية تجاه بعضهم البعض، وحتى حادثة دهس الكلب والهروب من مكان الحدث، يعتبر جزءا من حالة الفوضى التي رُصدت بصدق. 
كل هذا السيل الجميل من اللقطات المُنتقاة بدقة ومن زوايا مختلفة، لمدينة الناصرة وأبنيتها القديمة وأسواقها ومقاهيها وطراز بيوتها وكنائسها، كما تناولت تقاليد الموت والحياة فيها، وحالة الانسجام بين المكوّنات الدينية. 
كما كان الفيلم أكثر واقعية في استخدام العبارات اليومية الهابطة، ولغة الشارع وسلوكه، هذا الرصد الذي يصوّر الحياة بعين ذكية، تتناول أدق التفاصيل، كما أن الكاميرا وزوايا التصوير قد أتاحت أن تمنح الفيلم جمالا فنيا، من خلال الممثلين الذين أدوا أدوارهم بشكل مُتقن، وكانت إيماءاتهم وحركاتهم وطبيعة ملامحهم قد منحت الفيلم مصداقية عالية.