يوسف عزيزي: عندنا أمل أن نبقى عربا ولن نستفرس

الكاتب الأهوازي العربي يؤكد أن إيران تسعى لتفريسنا لكننا لن نسمح لها.


يوسف عزيزي واحد من آلاف الكتاب والمفكرين والمثقفين والفنانين والطلاب الذين شاركوا في الثورة الإيرانية ثم عرفوا المعتقلات والمحاكمات الجائرة


يوميات عزيزي أوسع وأكثر أهمية من أن تروي وقائع حياة شخص واحد


لم أرحل طولا وعرضا في الأرض، ولكن في مكان ضيق يسمى الزنزانة الإنفرادية التي تتشكل من مترين عرض وثلاثة أمتار طولا

فاز كتاب الكاتب الأهوازي العربي يوسف عزيزي "وراء الشمس – يوميات كاتب أحوازي في زنازين إيران السرية" والذي ترجمه عن الفارسية د. عائض محمد آل ربيع، بجائزة ابن بطوطة لأدب اليوميات المترجمة للعام 2019، وكشفت لجنة الجائزة في تقدمتها للكتاب الصادر بالتعاون بين مركز ارتياد الآفاق للأدب الجغرافي ودار المتوسط أن هذه يوميات كاتب منفي ينتمي إلى أرض عربية محتلة، هي أرض الأهواز التي كانت حتى ثلاثينيات القرن الماضي بلادا مستقلة، ولها كيان سياسي معترف به إقليميا ودوليا، لكن السياسات الاستعمارية لانجلترا اقتطعت تلك الأرض العربية المتاخمة للعراق، والمطلة على الخليج العربي وضمتها إلى مملكة في الجوار، وجعلتها جزءا مما سيعرف لاحقا بالشاهنشاهية الإيرانية التي يحكمها الشاه رضا بهلوي.
ولفتت إلى أن الكاتب يوسف عزيزي كاتب هذه اليوميات ناضل هو وجيله ضد السياسات العنصرية للشاه الفارسي، وعرف التوقيف شابا بسبب مطالبته بالحقوق العربية للأهواز، واعتقل في سجون، ضمت نخبة الأهوازيين والكرد واللوريين والبلوش وغيرهم من أبناء القوميات غير الفارسية المطالبين بحقوقهم القومية، وعندما قامت الثورة على الشاه، شارك الكاتب بهذه الثورة التي وعدت القوميات غير الفارسية بإعادة حقوقها المسلوبة.
وأضافت أن النظام الجديد الذي شكلت نواته النخب الثائرة ونادى الأهوازيين، كما نادى أبناء القوميات الأخرى إلى المشاركة في الثورة على الشاه، واعدا إياهم بـإحقاق حقوقهم، هذا النظام سرعان ما تنكر للمبادئ التي على أساس منها نادى الأهوازيين للمشاركة في الثورة، ولم تف الثورة الإسلامية بوعدها، لا، بل سارت على نهج الشاه نفسه في قمع الشعوب الأخرى، وزج المعارضين لها في السجون.
وكان يوسف عزيزي واحدا من آلاف الكتاب والمفكرين والمثقفين والفنانين والطلاب الذين شاركوا في الثورة ثم عرفوا المعتقلات والمحاكمات الجائرة التي أقامها نظام الثورة الإسلامية وصار من نزلاء السجون المرعبة التي شهدت إعدام آلاف الشباب المؤمنين بالثورة ومنها سجن إيفين الرهيب بطهران.  

Diary of a writer
يوميات كاتب منفي ينتمي إلى أرض عربية محتلة

ويوميات عزيزي أوسع وأكثر أهمية من أن تروي وقائع حياة شخص واحد، فهي أولا تروي جانبا من حكايته وحكاية جيل المثقفين المعبرين عن الشعوب الإيرانية المضطهدة من قبل النظام الثيوقراطي العنصري العسكري المتسلط في إيران. ومن ناحية ثانية تشكل وثيقة فريدة من نوعها من الداخل الإيراني تكشف عن طبيعة التحولات التي وقعت ما بين وصول الخميني من منفاه الباريسي مع نهاية السبعينيات محمولا على أكتاف من سيصبحون ضحاياه وضحايا نظامه، مرورا بالمحاكمات والإعدامات الميدانية الجائرة للنظام الإسلامي، وصولا إلى مطلع الألفية الثالثة التي مهدت وقائعها الإيرانية لتدخلات ملالي إيران وحرسهم الثوري وسياساتهم المعادية للكيانات العربية.
 وفي إطار الجلسات النقاشية التي أقامها المركز العربي للأدب الجغرافي ـ ارتياد الآفاق ـ ضمن فعاليات معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الـ 29، تحدث يوسف عزيزي "أن الجائزة عن أدب الرحلات الجغرافية، لكن يبدو أنها شملتني أيضا، لأنني لم أرحل طولا وعرضا في الأرض، ولكن في مكان ضيق يسمى الزنزانة الإنفرادية التي تتشكل من مترين عرض وثلاثة أمتار طولا أو أقل من ذلك، وما سبرته وتعمقت فيه خلال هذه الفترة من السجن الانفرادي، هو أن أبحث عن نفسي التي ليست في الفضاء الرحب والحرية الموجودة للناس، هذه كانت رحلة في الأنفس، التي حكى لنا المتصوفة كثيرا عنها.
 إن ما ذكرته في كتابي عن الشعب العربي الأهوازي هو قطرة من بحر، فالمأساة والكوارث التي يواجهها هذا الشعب منذ تسعة عقود أعمق وأوسع مما قلته في هذا الكتاب، وللتعريف بالقضية الأهوازية نحن بحاجة إلى موسوعة حيث إنها لم تعرف كما تم التعريف بالقضية الفلسطينية، أنا لم أتحدث عن الدول سوريا ومصر والعراق أو أي دولة عربية، سواء كانت سيئة أم جيدة، فبالنهاية هناك دولة شكلت هويتها الوطنية، لكن نحن منذ تسعة عقود فقدنا دولتنا الوطنية وحكمنا الوطني، ولم نستطع أن نطور بسبب المانع المهمين علينا، الحكم الإيراني الذي منع تطوراتنا الاقتصادية والسياسية والثقافية، فكنا خلال هذه العقود التسع الماضية نصارع من أجل الوجود، في الواقع نكون أو لا نكون، ويبدو أننا لحد الآن أثبتنا أننا نستطيع أن نكون، والامتحان والاختبار لحد الآن كان ناجحا، ونتمنى أن يكون أنجح في المستقبل، وهو سيكون هكذا لأن الشعوب أصبحت واعية لأسباب معروفة منها التطور التكنولوجي وثورة المعلومات وغيرها، فالآن أبسط شخص في إقليم عربستان، الأهواز، يعرف أنه يتعرض للاضطهاد، اضهادي قومي وعنصري، وهذا لم يكن موجودا قبلا".
وحول الفترة التي عاد فيها آية الله الخميني من منفاه الباريسي محمولا على أكتاف من سيصبحون في وقت لاحق ضحاياه وانتهاء بالتدخلات السافرة لملالي إيران في الشئون العربية وإرسال حرسهم الثوري إلى الخارج، وتجنيد عرب الأهواز لإرسالهم لداخل المنطقة العربية، وأيضا البعد الثقافي لعرب الأهواز المناقض للمشروع الخميني، قال عزيزي: "نحن كمواطنين عرب في إيران تشملنا القوانين الإيرانية المجملة، ومنها التجنيد الإجباري، الخدمة العسكرية، فإذا طلبوا من هؤلاء الناس الذهاب إلى سوريا كجنود تابعين للحرس الثوري أو الجيش أو أي مكان آخر، فهؤلاء الناس يطيعون الأمر العسكري رغم معارضتهم، لكن عن البعد الثقافي فإن الشعب العربي الأهوازي رغم كل الاضطهاد حاول أن يبقي على هويته العربية، وفي دول أخرى مستقلة ممكن العلاقات العشائرية والقبائلية تمنع التطور، لكن لدينا هذه العلاقات هي التي حافظت على عروبتنا وثقافتنا وتقاليدنا، نحن لم نخلق ثقافيا من العدم، نحن لدينا تاريخ أدبي وثقافي عريق منذ أبونواس (الأهوازي) وابن السكيت وأبو هلال العسكري وسهل بن هارون إلى الفترة الذهبية لدولة (المشعشعية) العربية، التي كانت الحويزة عاصمتها، وظهر لدينا الفقهاء والشعراء والأدباء الذين لا تزال تطبع أعمالهم في بيروت والشام، لكن خلال العقود التسعة الماضية الحكم الذي هيمن علينا وحاول (تفريس) كل شيء طمس كل ذلك ولم يدرس أو يذكر شيئا عن تاريخ أدبنا وثقافتنا وعن تاريخنا كله، وما يتم تعليمه لنا هو تاريخ إيران الذي يختلف مع تاريخنا".

وحول تمكنه من الللغة العربية أوضح قائلا "عندما يدخل الطفل الأهوازي في سن السادسة للمدرسة يتم بتر لسانه العربي، ويمنع من التعليم باللغة العربية، وذلك في كلا العهدين الملكي والجمهورية الإسلامية التي تعلن أن اللغة العربية هي لغة القرآن ولغة الإسلام، ومع ذلك اللغة العربية هي اللغة الثانية، وخلال العقود الأربعة الماضية لم يسمح لنا نظام الجمهورية الإسلامية تعلم لغة القرآن، لغة أمهاتنا، لهذا نحن تعلمنا العربية، نحن عصاميين، نحن عشقنا لغتنا وأحببناها بجهودنا الفردية، مثلا شخصيا أترجم الأدب شعرا ورواية والفكر العربي، وأكتب أيضا القصة والبحث وغيره، والآن النخبة الأهوازية ممثلة في الشباب تتقن العربية بجهودها ويتقنون الفارسية المفروضة عليهم على كل حال، هم سفراء الأدب العربي في إيران، حيث يترجمون الرواية العربية من السودان والشام ومصر والمغرب العربي إلى الفارسية، ليس من قبيل المهنة ولكن لكي يقولوا  للفرس إن هناك أدبا عربيا  في بعض جوانبه أرقى من أدبكم. هذا أحد مقاصد نخبنا التي تترجم أو تكتب أو تعمل في الحقل الإبداعي والثقافي. 
إن شعبنا الأهوازي العربي بما أنه ينهل من الثقافة العربية سواء من الدول الخليجية الجارة والعراق وغيرها عبر وسائل الإعلام، وعلى الرغم من الحدود الحديدية المصطنعة التي تفصلنا عن محيطنا العربي إلا أنه لا يمكن أن تفصلنا نهائيا بسبب تطورات التكنولوجيا الحديثة، ومن هنا أحبطت مشاريعهم لعزلنا لغويا وثقافيا من محيطنا العربي، والآن لدينا شعراء لا يكتبون فقط القصيدة الكلاسيكية أو النبطية أو التقليدية عموما بل لدينا شعراء قصيدة نثر، ولدينا روائيون وقصاصون، كل هذا رغم التمييز في النشر. 
أنت عندما تكتب بالفارسية ينشرون لك ويعطونك إمكانيات، لكن إذا كان ما تأتيه عربيا سواء في الأدب أو الموسيقى والمسرح وأي من كل وجوه الفن، ستجد تمييزا صارخا ضده، ومع ذلك هناك صمود من شعبنا ونخبتنا ومثقفينا، وجميعنا يبدع ويترجم الثقافة والفكر العربيين الحديثين إلى الفارسية لمواجهة المد العنصري اليومي. 
نحن نصارع مدا عنصريا يوميا في الإعلام، المواطن العربي في الخليج أو العراق والشام أو شمال أفريقيا لا يعرف الفارسية، لكن بما أننا نحن نعرف الفارسية فإننا يوميا نهاجم ونحقر ونسفه من قبل الإعلام الفارسي، ليس فقط من الإعلام ولكن من الكتاب أيضا، أنا عضو اتحاد الكتاب الإيرانيين وهو اتحاد معارض ومع ذلك أستطيع القول بيقين أن نحو 60% أو 70% من كتابه وشعرائه عندهم بنسب مختلفة نظرة عنصرية للعرب، لقد كنت معهم وفي الأوساط الصحفية والإعلامية وحتى الناشطات في مختلف المجالات، إن ما يصلكم عن عنصرية هذا المجتمع غيث من فيض، نحن من نواجهها، هناك كتاب لهم باع في الرواية ومع ذلك لا يأتون على ذكرهم، ومع ذلك نحن صامدون، عندنا أمل أن نبقى عربا ولن نستفرس في المستقبل إن شاء الله. 

Diary of a writer
بحاجة إلى دعم معنوي عربي 

وحول دور الأدباء والمترجمين والصحفيين الأهوازيين في ترجمة الأدب الفارسي إلى العربية، حيث يوجد عمل مزدوج، قال: الأهوازيون يلعبون دور جسر ثقافي حضاري ينقل الأدب العربي إلى الفارسية وينقل من الفارسية إلى العربية أشعار وكتابات المعاصرين. 
وأشار عزيزي إلى أن استراتيجية الأهوازي عندما يترجم على الوجهتين قائلا: "في زمن كانت مصر هي التي فيها الترجمة من الفارسية للعربية، لكن منذ الثورة الإسلامية وخاصة في فترة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية صارت لدينا نخبة تجيد اللغة العربية بشكل جيد، بعضها يترجم من العربية للفارسية وبعضهم من الفارسية إلى العربية، وهذا يلعب دورا في تقريب الشعوب الجارة، فالفرس والعرب هم شعوب جارة ولا بد لهم من فهم أنفسهم، والأحسن أن يفهموا عن طريق الأدب باعتباره الكاشف عن الروح الإنسانية، يعني الإبداع الشعري والقصصي والروائي هو من يعرف الناس ببعضهم البعض، لذلك هناك عمل دؤوب من قبل نخبنا المترجمة، وهي بحاجة إلى دعم معنوي عربي كأن يتم دعوتهم إلى المؤتمرات والفعاليات الثقافية والإبداعية والسينمائية، فحتى السينما أصبح لدينا مخرجون وممثلون لم نكن نحلم بهم في فترات سابقة. لكن أمام المد "التفريسي" يبقى شعبنا في خطر لأن السلطة تستخدم أدواتها الناعمة والخشنة في "تفريس" المنطقة. ومنطقتنا "عربستان" تضم النفط والنفط يشكل 80 بالمائة من إيرادات إيران، لذا بودها لو هاجر العرب من "عربستان" أرض آبائهم وأجدادهم أو "يستفرسون" وهذه هي استراتيجية السلطة الإيرانية.