‏ذكريات الكتب والمكتبات

قال صبري أبوعلم إنه في حاجة إليْ لكي أساعده في توصيل مكتبة خشبية إلى البيت؛ اشتراها من بائع في شارع مصطفى كامل بباكوس.


موظف المؤسسة لم يعجبه رأيي فأراد أن يشعرني بأهميته، وبقدرته على المنح والمنع


سرتُ بين رجب وصبري وهما يحملان الكيسين الأزرقين

تقابلت في يوم الجمعة 10 يناير 2003، مع صبري أبو علم ورجب سعد السيد في فرع اتحاد الكتاب بالإسكندرية (دور أرضي في شارع الأنبا كيرلس المواجه لقسم شرطة الرمل). قال صبري لي إنه في حاجة إليْ لكي أساعده في توصيل مكتبة خشبية إلى البيت؛ اشتراها من بائع في شارع مصطفى كامل بباكوس، فقد أحيل إلى المعاش في 3 ديسمبر الماضي، وصرف مستحقاته التأمينية، ويستطيع الآن أن يشتري بعض الأشياء التي كان يتمنى شراءها.
كان هناك أحمد فضل شبلول، والدكتور محمد أبو شوارب، ورجل فلسطيني يعمل في مؤسسة البابطين، تحدث هذا الرجل عما تفعله المؤسسة التي يعمل بها، ولا أدري ما الذي جعله يتحدث عن نوادي الأدب في السعودية، فقال ما معناه:
إن هذه النوادي لم تصدر أية أعمال ذات قيمة، لأن كل نادي ينفق عليه أمير من أمراء آل سعود، فإذا امتنع؛ توقف الصرف، في حين أن مؤسستنا انفقت كذا وكذا.
فسألته ببساطة شديدة:
-  من الذي ينفق على كل هذا؟
فقال: واحد بس.
قلت: ما أنتم زيكم زي نوادي الأدب في السعودية، ينفق عليكم فرد.
فأحس بالضيق ولا أذكر بما رد علي وقتها.
انشغلت مع رجب وصبري وباقي الموجودين، ودخل الدكتور أبو شوارب وموظف مؤسسة البابطين إلى حجرة في الداخل، وجاءا بأكياس كبيرة زرقاء، واضح أن بها نتائج وهدايا أخرى. وقدما واحدة لصبري وأخرى لرجب سعد السيد وواحدة لشبلول. موظف المؤسسة لم يعجبه رأيي فأراد أن يشعرني بأهميته، وبقدرته على المنح والمنع. 
سرت بين رجب وصبري وهما يحملان الكيسين الأزرقين، ابتسمت لما حدث، استأذن رجب وعاد إلى بيته، وذهبت مع صبري إلى الدكان في شارع مصطفى كامل، فقد رأى المكتبة وهو آتٍ إلينا في فرع الاتحاد. فساوم البائع واتفقا على ثمانين جنيها، دفع صبري منها عشرين، والباقي عند الاستلام.
وقف الرجل معنا خارج الدكان نبحث عن تاكسي بشبكة فوقه، معظم التاكسيات التي تمر أمامنا بدون شبكة، قال صبري للرجل:
-  خذ فلوسك في الأول، خشية أن ننهمك في البحث عن تاكسي وأنسى ان أدفع لك.
فقال الرجل:
-  حصل هذا منذ وقت قصير جدا. اشتري رجل طقما بسبعمائة جنيه، دفع منها خمسين، وجاء بسيارة وأخذ الطقم دون أن يدفع الستمائة وخمسين الباقية، وبعد أن مشى تذكر ابني هذا، ونحن لا نعرف مكان بيته. حدث حزن وغضب في البيت، لكننا توصلنا إلى مكانه عن طريق سائق السيارة النقل.
قال الرجل: إنه فضّل أن يدفع المبلغ له هو؛ عندما وجد ابنه صغيرا في السن.
مرت التاكسيات التي بلا شبكة، وثلاثتنا وقوف أمام الدكان نشير لكل تاكسي يمر، حكي الرجل عن بلدياته الذي يعمل في الروبابيكيا، قال:
إن امرأة مسنة نادته ليشتري منها أجولة ممتلئة بورق الجرائد. وقف بلدياته هذا خارج الشقة يفحص الجرائد الكثيرة ويساوم المرأة، وفجأة جاء ابنها من أميركا، فضمته لصدرها، وبكت من السعادة، ودخلا الشقة وهما يتحدثان، تاركين حقائب ابنها الممتلئة بالدولارات، وعندما تذكراها، وخرجا لأخذها لم يجداها، فقد أخذها تاجر الروبابيكيا مع أجولة الجرائد القديمة.
أشرنا لتاكسيات تأتي من بعيد، وعندما تقترب نكتشف أنها بدون شبكة، والمكتبة لن ترتاح ولا تستقيم فوق تاكسي بدون شبكة. وأكمل الرجل حكايته:
-  سافر بلديتنا إلى الصعيد، وبنى فيللا كبيرة، تحدث الكل عنها في الصعيد وغيره، وأصبح الرجل غنيا، وبعد سنتين استطاعت الشرطة أن تصل إليه، ووضعوا الحديد في يديه، وجاءوا به مكبلا إلى دكاني هذا؛ لأقول رأيي فيه، لم أعرفه أول الأمر، فقد كان كالشبح، ما فتتش عليه سنة تالتة؛ إلا ومات، وابنه الشاب جات له رصاصة طايشة جابت أجله.
وجدنا تاكسي بشبكة أخيرا، حملت المكتبة مع صبري وانطلق التاكسي إلى شارع عرفان حيث يسكن صبري أبو علم.