نزع سلاح الميليشيات هو خطوة التعافي الأولى
لم أتعب نفسي بقراءة مسودات مشاريع وقف النار في غزة بغض النظر عن الجهة التي تقترحها لا لشيء إلا لأني مقتنع أن إسرائيل لن تستجيب لما يُطلب منها إلا بعد نزع سلاح حركة حماس. وعلى سبيل المناورة بحثا عن تنازلات مقابلة ترفض حماس ذلك الواقع ولكن حقيقة وضعها لا تسمح لها في الاستمرار طويلا في ذلك الرفض. ما دفعته غزة وأهلها من أثمان باهظة يشكل عنصر ضغط على المستوى الإنساني والأخلاقي لا يمكن الاستهانة به. سلاح حماس لم يعد مؤهلا للدفاع. لم يكن كذلك فيما مضى. كان سلاحا هجوميا بنفس قصير قياسا لميزان القوى الذي تميل كفته إلى إسرائيل. وعلى العموم فإن قياديي حماس العسكريين الذين هم الآن ليسوا على قيد الحياة لم يخططوا لإنتصار مباشر من خلال قوة سلاحهم. فهم بسبب خبرتهم العسكرية كانوا يعرفون أن في إمكان السلاح الإسرائيلي أن ينتصر على سلاحهم. لذلك فإن تفكيرهم في الانتصار كان يستمد قيمته من محاولة لفت أنظار العالم إلى قضيتهم وبالأخص ما يتعلق من تلك القضية بالظلم الذي يعاني منه أهل غزة حصارا وعزلا ونبذا وتجويعا وتهمشيا.
على الجانب الآخر هناك سلاح حزب الله الذي يجب نزعه قبل فوات الأوان. كل الرهانات القديمة سقطت. بات الحزب بعد تصفية قياداته العسكرية والسياسية التاريخية مجرد كتلة بشرية مسلحة. لا يزال أفراد تلك الكتلة يؤمنون بالعقيدة ذاتها التي جعلتهم على ثقة من إن الخيار الإيراني سينتصر في المنطقة وان جنود الولي الفقيه وهو تعبير مستعار من زعيمهم الأسبق حسن نصر الله سيُكتب لهم النصر غير أن ذلك الإيمان لا يكفي من غير وجود إيران قوة ضاغطة. سلاحهم لا معنى له في حالة انكفاء إيران على داخلها ومحاولة حماية أمنها واستقرارها. سلاح حزب الله من غير الدعم الإيراني لا يشكل خطرا على إسرائيل غير أن استمراره يشكل عقبة أمام تنفيذ القرارات الدولية. ذلك ما تستفيد منه إسرائيل، لأن لبنان مع استمرار سلاح حزب الله هو بلد منقوص السيادة، دولته غير قادرة على فرض سيطرتها على أراضيها. تعرف إسرائيل أن تمسك الحزب بسلاحه لن يؤذي إلا لبنان. لا أحد في العالم سيمد يد العون للبنان ما دام هناك شيء اسمه سلاح حزب الله.
لن تكتمل الصورة إلا إذا سلطنا الضوء على سلاح الحشد الشعبي في العراق. ذلك سلاح إيراني وُجد لحماية المصالح الإيرانية في العراق غير أن البعض يظن متوهما أنه يقوم بواجبه في حماية أبناء الطائفة الشيعية أو بشكل محدد الأحزاب الشيعية الحاكمة في العراق. واقعيا فإن ذلك السلاح تم استعماله في أوقات سابقة حسب أجندة إيرانية واضحة المعالم. لا يشكل سلاح الميليشيات في العراق خطرا على إسرائيل بقدر ما يشكله من خطر على العراق. كل ما يُقال عن دور الحشد في حماية العراق في مواجهة داعش هو نوع من التضليل فالموصل على سبيل المثال لم تتحرر من احتلال داعش إلا بالقوة النارية التي شكلها القصف الأميركي. ولأن الحشد يتلقى أوامره من الحرس الثوري الإيراني فإن انتسابه إلى القوات العسكرية العراقية وخضوعه لأوامر القائد العام لتلك القوات هو واحدة من أعظم الأكاذيب التي يعيشها العراق الجديد.
لست هنا في حاجة إلى تقديم أمثلة الخطر الذي يمثله العبث بالسلاح المنفلت. لقد ضجرت وضجر الكثيرون مثلي من الحديث عن مقاومة بأجندة إيرانية تحولت إلى عبء على المجتمعات في منطقتنا الملغومة أصلا بالكثير من أسباب الانفجار، كالفقر والحرمان والفشل السياسي والفساد والتبعية وسوء الخدمات ناهيك عن استمرار إسرائيل في سياساتها العدوانية التي وصلت إلى درجة الإبادة الجماعية كما حدث ويحدث في غزة. وما السلاح غير القانوني إلا دعامة لإبقاء الدول الذي ينتشر فيها في حالة فشل مستمر. وإذا ما كانت المقاومة حسب الوصفة الإيرانية قد انتهت إلى ظاهرة كارثية فليس من المعقول الاستمرار في عملياتها التجريبية. لقد تحول الشرق الأوسط إلى مختبر تجارب إيراني انفجر أو تم تفجيره من غير أن يترك انفجاره أي أثر سيء على إسرائيل. لذلك صار من المجدي طي تلك الصفحة بدءا من نزع سلاح الميليشيات، لا لدرء خطره عن إسرائيل كما يزعم البعض فليس لذلك الخطر أي وجود بل لحماية المنطقة من شروره.
تهب الميليشيات بسلاحها الفالت وغير القانوني فرصة لإسرايل هي في أمس الحاجة إليها لتبرير سياساتها العدوانية وفي المقابل فإن ذلك السلاح الذي لا يزال ويظل يخدم أجندات إيرانية أكدت الوقائع أنها مضللة ولا علاقة لها بالقضية الفلسطينية ينفع إيران في تكريس هيمنتها على جزء من العالم العربي على الرغم من أنها فشلت في حماية منشآتها النووية.
سلاح الميليشيات في حقيقته هو الخط الدفاعي الأخير لإيران فإن تم نزعه تعرت إيران واقتربت المنطقة من خط التعافي الأول.