سوريا بين الاستثمار والتتريك
مع اقتراب انعقاد مؤتمر "مبادرة الاستثمار في الرياض"، والأنباء المتداولة عن مشاركة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع فيه، عاد الحديث عن الدعم والمساعدات والاستثمار في سوريا التي استُثمرت في فترة سابقة لتسويق الوهم للناس، ووعدهم بفرص عمل مليونية، وأبراج شاهقة، وتحسن في المستوى المعيشي للسوريين. ومع تراجع مثل هذه الأنباء وزوال أسباب ضخها إعلامياً بشكل مكثف وبالتالي تجاهلها، لكن على ما يبدو إلى حين، فإن حبال الوهم طويلة وممتدة ومتجذرة.
الناس المسحوقون تحت سياط أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة توقفوا عن الحلم بهذه الاستثمارات بمليارات الدولارات، فغابت المؤتمرات الاقتصادية الزاهية الوعود وتضاءل صخب الدول المانحة حتى صمتت جميعها مترقبة لما يحدث في دمشق.
وهنا يبرز السؤال الملح: هل سوريا، وبعد سقوط النظام منذ أحد عشر شهراً، تملك مشروعاً واضح الاتجاه والهوية يستحق الدعم والمساندة؟ ولكي يصبح الدعم مكتمل الملامح يجب أن يكون داعماً لرؤية سياسية واقتصادية واضحة، وإلا فسيكون البديل مبادرات إغاثية وإنسانية.
ومع ضغط الوضع الاقتصادي وآثاره الكارثية على معيشة الناس، من المهم أيضاً ربط الحلول الاقتصادية بغيرها من الأزمات والمخاطر التي تحيق بالبلد: فقدان ملامح الدولة ونظامها ومؤسساتها ودستورها وهويتها الجامعة، ومخاطر التقسيم الطائفي والإثني وبوادر التفتيت التي تهدد الدولة؛ انتشار التنظيمات والمليشيات ذات الولاءات المتضاربة؛ النفوذ والهيمنة الإقليمية على القرار الداخلي.
الاستثمار قبل الإصلاح ضرب من العبث، والرهان على الاستثمار كأداة لحل الأزمات السياسية ضرب من الوهم لا حقيقة له، ويتعارض مع منطق قيام الدول واستدامتها؛ فالتنمية الاقتصادية نتاج للسياسة وليس العكس.
وسط صخب وهم الاستثمارات وهموم الناس في معيشتهم اليومية تتشكل فجوة تستغلها تركيا لتمرير مشروعها "التتريك" بسرعة وبلا صخب، فقد أُقرّ تدريس اللغة التركية في جامعتي دمشق وحلب، وتأسست جامعة تركية في دمشق. تركيا، التي تعتبر نفسها صاحبة الفضل في "التغيير" وتعتقد أن دورها سيستمر كمرجعية للنظام في دمشق ومقررة له داخلياً وخارجياً، تتطلع لأثمان هذا الدور سياسياً وجغرافياً واقتصادياً، وتستغل أن ما هو قائم الآن في دمشق هو “سلطة بديلة” وليس “مشروع دولة” وتستثمر ذلك في تعزيز الوهم التركي القديم بأن بعض المناطق السورية هي "ولايات تركية" يجب إعادتها إلى الحضن "العثماني".
سوريا لا تزال ورقة تفاوض دائمة تشهرها تركيا بوجه الجميع، والمؤسف أن كل ذلك يتم بصمت أو بمباركة أو بتغاضٍ إقليمي ودولي. والأخطر في الدور التركي تماهيه مع أجندة الإخوان المسلمين والفصائل المسلحة العابرة للحدود، فتتضخم أدوات التتريك لتشمل الإعلام والثقافة واللغة والتعليم والدين، وقيادات داخل أجهزة النظام في دمشق. وهنا يكمن الخطر: بهدوءٍ يتسلل هذا الدور لربط سوريا عضوياً بتركيا في كافة المجالات عبر استراتيجية التغلغل من الأسفل، بدءاً من القواعد إلى القيادات في مؤسسات الحكم والإدارة بقيادة إخوانية، حتى يصل إلى التمكين التلقائي لاحقاً.