مروان قصاب باشي يكثف الزمن في وجوه في دواخلها سيرورة غير محدودة
في تشرين ودّع العنب والتين، "مقولة يرددها الشرقيون كثيرًا".. وها نحن نودّع في هذا الشهر لا العنب والتين فحسب، بل أشجارها الباسقة التي منحتنا طويلاً سلالاً من العنب والتين، سلالاً إبداعية ستبقى أثر مذاقها طويلًا في ذائقتنا الجمالية. ففي العام الفائت، 2015، ودعنا فيه الملوّن الأكبر عمر حمدي / مالفا /، وها نودع فيه، في هذا العام 2016 وقبل أيام، كل من الفنان التشكيلي نذير إسماعيل والفنان التشكيلي مروان قصاب باشي.
وبخسارة هؤلاء تكون الحركة التشكيلية قد خسرت أعمدة مهمة من بنائها الإبداعي، فكل واحد منهم يشكل كيانًا كان بإمكانه أن يقود الحياة نحو الجميل زرعوه أينما حلّوا.
وسبق أن تحدثنا عن مالفا وعن نذير إسماعيل، ولهذا سنقتصر في حديثنا على مروان، أحد رواد الحركة التشكيلية السورية، الفنان الذي يعزف اللون عزفًا لا رسماً، الفنان الدمشقي الذي غادرها إلى الغرب / ألمانيا / منذ ستة عقود تقريبًا / 1957 /، لكن دمشق لم تبرح قلبه أبدًا، حيث بقي يلون أحاسيسه بنفح الشرق الجميل.
فكما كان شجرة كبيرة مثمرة في دمشق، هكذا كان هناك أيضًا / ألمانيا /، لدرجة أنه في عام 2005 نال استحقاقًا ألمانياً من الدرجة الأولى، فهو كان يؤسس لرؤية تشكيلية جديدة عبر تلقائية سمحت له بالانتشار الواسع، وبات يشكل رقمًا مهمًا في الغرب كما في الشرق أيضًا، عبر استخدام تقنيات تجعل من مشروعه / التصويري على نحو أكثر / أكثر ملاءمة للتعبير عن مفاهيم فنية جديدة. وتوصل في تمسكه ببساطته الشرقية إلى فك رموز حياة فنية قلقة، ترجمت كل ذلك في الوجوه التي خلقها، تلك الوجوه التي باتت في أعماله جزءًا مهمًا من مشروعه الجمالي، بل باتت صورة للعالم وليس لشخص واحد كما عبّر هو نفسه عن ذلك.
فوجوهه تلك، واستنادًا إلى التحديدات المعرفية لديه، يحدد عبرها نمطًا من إدراك الذات لاستحضار العلاقة بين الفعل الإدراكي الذي يقود عملية الخلق وبين الفعل الداخل في البناء العام والذي يقود التجربة للتخلص من عبئها ومن فضاءاتها. وبناءً عليه يمكن التمايز في سيرورات التأويل، مجسدة في الفعل الذي يبحث في وجوهه تلك، وهذا يحيلنا إلى القول بأن مروان يسقط كل الوقائع والملامح المسبقة الصنع، وبهذا المعنى يوفر مروان قوة تأويلية للوقوف بديناميكية على وفرة الإحالات اللامتناهية، فكل إحالة مرتبطة بأخرى بوجود حركة استقرائية تدعم دعائم سياقاته بتكثيف الزمن في وجوه تحمل في دواخلها سيرورة غير محدودة تمليها مخزونه الثقافي الذي يمنح وجوهه حضورًا يستوعب كافة أشكال انفعالاتها، بما فيها تلك التي تتوق لرصد الأشياء المصاحبة لها بمجمل امتيازاتها، بما فيها المظاهر الإيقاعية والمسارات العاطفية.
فوجوهه أيضًا، رغم تكسير الضوء على مجمل تضاريسها، تكسوها خطاب سردي، ولهذا فهي محفوفة بالمخاطر، رغم قدرة المتلقي على الحصول على الكثير من آثارها الدلالية عبر إدراكه الحسي لخطاباتها التعبيرية لحظة استثماره للعاطفة الجمالية.



