نور خالد تقدم صورة الأم بـ'حديث الورد'

الكاتبة الأردنية تراقب الحياة من مكان مزدحم بأنفاس الأنثى في المدرسة، والشارع، والبيت فتستل منها مشاهد ومواقف وصورا لتضعها بين يدي المتلقي بهدوء وأناقة.

تعد "حديث الورد" الصادرة في عمّان عام 2022 للكاتبة الأردنية نور خالد توفيق أبوالروس عتبة عالية صعدها قلمها بثقة في دربها الصاعد في مسيرتها الأدبية المبشرة، فهي تجمع فيها ستة وثلاثين نصا توزعت على فنون أدبية ثلاثة: القصة القصيرة والخاطرة والمقالة. وكان للقصة القصيرة في هذه المجموعة المساحة الأوسع والمكانة الأعلى، فهي حاضرة في معظم نصوص المجموعة، وهي فاتحتها وخاتمتها.

وتأتي مجموعة "حديث الورد" بعد "بوح الكلمات" الصادرة عن دار وائل عام 2019، وسارت فيها الكاتبة على نهج القصة الصافية لغة وأسلوبا وموضوعا، فهي مجموعة أدبية تنتمي إلى الأدب الواقعي الاجتماعي، الذي يجس نبض المجتمع من حياة العائلة والمدرسة والشارع والحارة والسوق فيسجل ويصور وينقل لنا ما فيها من خلل وعور وعيوب ونقص.

ولم تحاول الكاتبة الاقتراب في المجموعة من اللغة الشعرية، ولا من الرمزية المبهمة، ولا من التكثيف المخل، وإنما جعلت من البساطة وعاء لبوحها، ومادة لموضوعاتها، فهي تغوص في عالمها الأنثوي بذكاء، وتراقب الحياة من مكان مزدحم بأنفاس الأنثى في المدرسة، والشارع، والبيت فتستل منها مشاهد ومواقف وصورا لتضعها بين يدي المتلقي بهدوء وأناقة، وبلغة قريبة من لغة الناس اليومية البعيدة عن الإغراق في المجازات البعيدة، والاستعارات العميقة التي تشغل المتلقي عن السرد. وبلغة قصصية فيها بعض التدخل الوعظي، أو التوجيهي، أو المدحي التعجبي كتبت نور خالد نصوصها.

وتوحي عتبات النصوص بما ستتحدث عنه الكاتبة فيها، الكاتبة التي حضرت كساردة، أو بطلة، أو شخصية رئيسة في نصوص المجموعة كلها، فهي عنوانات مكثفة دالة مختارة بذكاء فيها طرف الخيط من كل قصة تعرضها، وتحضر في أكثر قصص المجموعة صورة الأم والأب بوضوح ضمن العائلة، فتجري أحداث القصص حولهما، وما يتهدّدهما من أخطار، وما يواجهانه من مشكلات ومصاعب وأزمات، معتمدة على السرد القريب من الحكي، وبتقنيات سردية تعتمد القص والوصف والحوار والقطع الاسترجاعي، وهي تقنيات في المجموعة غير متكلفة تلائم اللغة والأسلوب اللذين تستخدمهما الكاتبة في نقل الأحداث، وتحريك شخصيات القصص.

ومع أن الكاتبة تظهر انحيازها في قصصها إلى المرأة، وتبين ما تعانيه، وتكشف عما تواجهه في حياتها اليومية، وما في قلبها من حب عظيم لعائلتها، وحرص على سلامتها، ومع ما في قصصها من صور سلبية قاتمة لبعض أنواع الرجال، إلا أنها أنصفت الرجل في بعض من قصصها، وأظهرت ما يقدمه من حب عظيم لعائلته، وتضحية طوعية من أجل سعادتهم، وحرص شديد على حياتهم وسلامتهم.

فالأم في قصة "في عتمة الأرض" الأم الحنون المودِّعة المنتَظِرة المنتظَرة، التي تروي القصص النافعة لصغيرها فتواسيه وتؤنسه، وهي الأم التي تظل حاضرة مع طفلها في أصعب أوقاته وأجملها يدثر خيالها الطفلَ في البئر من برده، وبقيت معه حتى مات، يقول: ".. يتراءى لي خيال أمي يبسم لي، ويدثرني من بردي". يقول: "لكن تلك القصة عن يوسف روتها لي أمي ذات يوم، ولا أدري بمداركي المحدودة لمَ أتذكرها الآن" وهي الأم التي تزرع حب الأرض في دم أطفالها، يقول: "قالت لي أمي ذات مرة: إن الأرض أمنا منها جئنا، وإليها سنعود". وهي الأم التي توفر دائرة الحماية والأمان والثقة لطفلها، فبعد أن قبّلها ابنها الطفل ذو خمس السنوات، وخرج ليلعب بحب بين الأشجار، ويشتم الزهور، حدثنا عن حبه للأرض، وكيف توسّدها كما يتوسد حضن أمه، وغفا تحت سنديانة شامخة تضرب بجذورها فيها، ثم سقط في البئر العميقة، وبقيت الأم مقصده وهو هناك، وطال انتظاره فيها، ومع تركيز الكاتبة على الأم وأثرها في الطفل الشخصية الرئيسة في القصة إلا أنها لم تنسَ الأب وحبه، ولكن ذكره جاء مقتضبا بعيدا عن الحدث، يقول: "إن لم ينتبهوا هم، أمي ستشعر بي، ستشعر بوجودي في هذا المكان الضيق، وستأتي لتخرجني هي وأبي وأخوتي من هنا". ويقول: "أحببت أمي وأبي".

وتظهر قصة "قطة العيد" أن لجوء الأطفال إلى أمهم لتحقيق مطالبهم هو وسيلتهم الأقرب الأسهل؛ فهي ملاذهم الذي يضحي من أجلهم، وهي محققة رغباتهم وطلباتهم ولو كان ذلك على حساب راحتها؛ فالأطفال عندها "يغيرون كل شيء". إذ تحكي القصة عن إلحاح الأطفال بطلب شراء القطة، وعلى الرغم من كراهة الأم للقطط إلا أنها لبّت طلبهم، تقول: "فاجتمعوا على قلب واحد وكلمة واحدة: أمي نريدها! اتسعت عينا الأم وهي تحاول أن تعيد الجملة وتستوعبها"، وتقول: "تكره الأم الحيوانات عموما، والقطة على وجه الخصوص" فقبلت الأم شراء القطة رابطة ذلك بأن والديها اشتريا لها عنزة حين طلبتها.. وعلى الرغم من الموقف الحيادي الذي وقفه الأب في بداية الموقف إلا أنه وافق الزوجة، ولم يعارض قرارها، مما يشير إلى أن الكاتبة قد قصدت ذلك بذكاء لتقول إن العائلة الهانئة هي العائلة التي يدعم بعضها بعضا. يقول: " لا أعلم. أنت تقررين، يجيبها الأب بحنق".

وتشير قصة "طفل كبير" إلى أن مبالغة الأم في حب طفلها وتدليله قد يكونا سببا في دماره، فالأم في القصة أحبت طفلها وكأنها لم تنجب غيره، "فمن تحبه أمه يحبه الجميع". وفي ظل غياب شخصية الأب وتقبل إخوة الطفل ما تفعله الأم من غير اعتراض، دللت الأم ابنها دلالا أضر به، وخرب حياته، ودمر علاقاته، وزواجه، فهي كانت تخصه بكل شيء، وتعطيه ضعفي ما يأخذه إخوته، "فالجميع له ثوب واحد للعيد لشريف ثوبان" فقد رأت الأم أن شريف طفلها الأصغر "طفل مميز" وأنه الأجمل، الأحب. وكبر شريف والأم تخصه بهذه العناية الفائقة حتى تزوج وظهرت الأنانية التي ربته أمه عليها على سلوكه وحياته ومعاملته لعائلته، فكرهت الزوجة هذا منه فشكته لإخوته، لكن الجميع كان قد أحب شريف على حب أمه فدافعوا عنه، وساندوه في ضلاله مما اضطر الزوجة الأم إلى اتخاذ قرارها الصعب بتركه وأنانيته ودلاله، لكنها تراجعت تحت ضغط مصير الأبناء، فقد اختارت التريث لأجل أبنائها الذين "لا ذنب لهم".

ولا تظهر الأم في قصة "دمية المعرض" التي تتحدث عن حنان الأب، ومدى حبه لأبنائه، وزوجته: "يقود نهار سيارته بعد خميس حافل بالعمل، ثم ينعطف نحو أحد المتاجر ليبتاع لطفلته حلواها المفضلة وشيئا لزوجته" فهي تحكي عن شراء الأب للدمية لابنته التي ألحت بطلبها على الرغم من ثمن اللعبة المرتفع، وعلى الرغم من أن شراءها تسبب بإفلاس الأب.

والأم في قصة "إكرام الميت" لم تحزن كثيرا لموت زوجها الظالم؛ فهي بقيت متسمرة في مكانها وقد تقوس حاجباها حين سمعت خبر موته، وحاولت أمام النسوة أن تبدي شيئا من الحزن لفقدان زوجها، ولم تهتم بدخول النعش فاستقبلته بشبه اهتمام، وطالعت المشهد "وكأنه لا يعنيها"، وقالت مستعجلة خروجه من البيت: "أخرجوه سريعا إلى مثواه... فإكرام الميت دفنه". ومع أنها لم تحزن ولم تظهر أسفها وحسرتها لموت زوجها إلا أن الكاتبة أوحت للمتلقي من تصرف الأبناء وحزنهم على أبيهم أن الأم لم تسمح لغضبها من زوجها وكراهتها له أن يتسللا إلى قلوب أبنائها، وأوحت للمتلقي كذلك من مجيء النسوة ومشاركتها الحزن أنها لم تشك لغير الله سوء خلقه، وأنها ظلت صابرة محتسبة ترعى أولادها وتحافظ على سلامتهم النفسية والاجتماعية.

أما في قصة "سائق التكسي"، فتسعى الكاتبة لرسم مشهد يومي من مشاهد حياة كثير من الأمهات، ورسم صورة لمدى تحكم العاطفة بها وبسلوكها، وبمعاملاتها، فهي في القصة الأم التي تعنى بالبيت، ويقع على عاتقها شراء ما يحتاجون من السوق، ونقله ورفعه وتخزينه. وما تعاطفها مع السائق الذي كان يكرر سماع أغنية عراقية حزينة إلا تأكيد لذلك القلب الحنون الذي يجمع الأمهات على نبضه "فالقصة تحكي عن تعاطف الأم التي ركبت" التاكسي مع السائق الذي تملكه الحزن، واستحوذ عليه، وظل ساهما مشيحا وجهه عنها، يستمع إلى الأغنية العراقية الحزينة التي فيها حديث عن أمنيات باسترداد حق مؤجل من حبيب جاحد، تقول: "... فهي من فرط تعاطفها لم تجد طريقة للتضامن معه سوى أن تجزل له العطاء".

وتتحكم عاطفة المرأة بها في قصة "مرة واحدة فقط" فيضطرها تعاطفها مع المتجر القديم إلى الوقوع في إثم الكذب أمام ابنتها، والمشاركة في عملية خداع الناس حين سئلت عن منتجات الألبان التي يبيعها المتجر فقالت: "منتجات رائعة، ومتجر رائع، لبن من أجود الأنواع" وهي "تعلم أنه ليس الأفضل"- إلى الكذب أمام ابنتها التي قالت لها: "لا نريد هذا المتجر يا أمي"، فدخلت المتجر واشترت منه، وهي تعد نفسها أن تكون المرة الأخيرة. تقول: "تعلم الأم هذا، ومع ذلك هي تفضله وستبتاع منه المواد والحاجيات ولن تأبه كثيرا"، فقط هذه المرة "تقول في نفسها. تسكت الفتاة على مضض".

وتدين قصة "صدفة بألف ميعاد" الزواج المدبر الذي ياغي إرادة الفتاة ومشاعرها ورغبتها، فهي تحكي قصة الأم المثقلة بواقع متعب مؤلم أمام ماضيها المليء بالأحلام والحب والوعود؛ فتحكي قصة الأم التي خرجت في سيارتها إلى الشوارع للتنفيس عن نفسها بعد أن أسأمها بيتها وما فيها ومن فيه: الأولاد والمسؤوليات التي لا تنتهي، والزوج الذي تحول "مع الزمن إلى آلة بلا عواطف". وفشلها في إنعاش علاقتهما. فهي لما شعرت أن صبرها نفد وما عادت تستطيع احتمال زوج مستهتر عديم الجدوى، وعيل صبرها من حمل هموم البيت وحدها ومن تحملها مسؤولية الأب والأم والمعلمة والمربية والمدبرة في ظل الغياب الطويل الدائم للزوج المستهتر غير المبالي فخرجت في سيارتها إلى لا مكان وبلا وجهة: " قررت سريعا، تناولت معطفا ثقيلا، وغطاء للرأس، واستقلت سياراتها". في يوم ماطر لتجمعها الصدفة مع فتى أحلامها السابق "عمار" الذي ساعدها وأخرجها من ورطتها التي سببها تعطل سيارتها، وأثار في دماغها عاصفة من الغضب مما وقف عائقا أمامهما ومنعهما من الزواج، الرجل الحيي المتردد والزواج المدبر، وعجز الأنثى عن البوح عما في صدرها من مشاعر في ظل عادات وتقاليد تحدد طبيعة العلاقات وطرق الوصول إليها.

ويحب الأب الجلوس في ساحة الدار لمطالعة الجريدة، بينما الأم الزوجة تلبي طلباته فهي عند الفرن تخبز له الخبز الذي يحبه، وهي في المطبخ تعد الطعام الذي لا يقبل غيره فهو يميل "إلى كل ما هو طبيعي المصدر مئة بالمئة"، ومع أن الأب في قصة "الشجرة الظليلة" يقلق على أبنائه ومستقبلهم إلا أنه سيرجئ القلق على أولاده عشر دقائق ليفطر، وهو يخرج دائما بعد أن يسأل زوجته "أتريدين شيئا" وتجيبه هي بسلام وهدوء "سلامتك". لكن مشهد الكلبة وهي تطعم صغارها قبل أن تأكل ينبهه على ما في حياته من مشكلات: ابنه العنيد الشقي دائم "الاشتباك مع أمه وأخوته، ومع الجيران..."، وابنته وخلافها الدائم زوجها وأهله، وابنته الجامعية ومصاريفها، وزوجته ودواءها الشهري. وبينما هو راقد يفكر جاءته الأفعى وأجرت معه حوارا عميقا، وطلبت أن تكون مرشدته إلى الذهب والكنز الذي حفر للوصول إليه تحت الشجرة ليصل إلى جرة فارغة، ولم ينقذه من الأفعى إلا الكلب الوفي. ويبدو للمتلقي لأول وهلة أن الأم ليس لها أثر في هذه القصة ولكن إنعام النظر والتحليل سيجد أن للأم الأثر الأكبر فيها؛ فهي المدبرة المنفذة الأمينة التي عملت بجهد على الحفاظ على البيت ومن فيها، وحافظت على الأولاد وعلمتهم ما يجب وما لا يجب في ظل غياب الأب الدائم عن البيت، وهي ترى الأمور والحياة بوضوح فكم حذرت الأب من الذهاب وحيدا للمزرعة. والأم هي التي وفرت لزوجها المكان الهادئ قليل الطلبات لقدرتها على التدبير، فهي تقول لزوجها إن سألها عما تحتاجه "سلامتك". تقف الأم في قصة "الشجرة الظليلة" إلى جانب زوجها بهدوء وسلام وقناعة ومن غير عناد وبرضا سهل على الزوج حياته وجعلها أكثر بساطة.

ولم يمنع خوف الأم من الزلزال في قصة "مصدر محلي" من التفكير في طريق النجاة، والتصرف بحكمة وهدوء للحفاظ على أرواح أبنائها بل وزوجها، فهي تلقت خبر الزلزال بجدية وخوف، فأعلنت "أن علينا أن نستعد. ونفذت خطة إخلاء سريعة ذكية واعية لمن في البيت فقد عمدت" إلى أغطية الرأس ولباس ساتر لها ولبناتها، في حين أخذ الأولاد أجهزتهم وتوجهوا نحو حديقة البيت، أما الأب فقد شرع بالوضوء لأداء الصلاة وبقي في البيت للصلاة لولا أن أحد الأولاد جاء وأخرجه ليصلي في الساحة". وبقيت الأم هي المصدر الوحيد لبث الطمأنينة في صدور أبناء العائلة حتى آخر الخوف، فهم ظلوا يسألونها: "ماما ...متى سيحدث الزلزال؟" وهي تقول لهم بهدوء "لا أعلم، ولكن تمنَ ألا يحدث شيء".

والأم في قصة "منطق النجاح" هي الزوجة الجامعية الجدية، وهي السيدة العملية التي تزوجت زواجا تقليديا، وتتمتع بملامح جاذبة وبمهارة في الطبخ، وتهتم لطفليها، وهي زوجة التي حملت طفليها وتركت بيت الزوجية، الزوجة التي انقلبت على زوجها وزادت عليه من عبء الحياة التي عضته بنابها وتركته غارقا في خيبته ويأسه وبؤسه، بعد أن ملت وجهه المكفهر الذي يعود إلى البيت كل يوم وهو بلا شغف أو هدف، ولم تعد تطيق هذا الحنق الذي تراه في عينيه. وهذه الفوضى التي يخلقها في حياة طفليها فقررت ترك البيت، ولم تعد إليه إلا حين رأت وتوثقت ان البيت سيكون بيئة آمنة لطفليها.

ظهرت صورة الأم واضحة في مجموعة "حديث الورد"، فهي كانت المحرك الرئيس لأحداث قصص المجموعة، فكانت فيها الأم الخائفة على أولادها، والزوجة المطيعة المدبرة، والزوجة الغاضبة، والزوجة المظلومة، والأم الواعية الذكية.

فقد استلت نور أبوالروس قصصها من الواقع حيث تسير الأم؛ في البيت، والمدرسة، وفي السوق، وبين أفراد العائلة، وراقبت حركة الناس وحواراتهم، ونقلت أنفاسهم ونبض قلوبهم إلى أوراقها قصصا هادئة بسيطة البناء واللغة، ومستخدمة تقنيات سردية نافعة بقلم مبدع سيكون له مكانه العالي بين الأقلام.