الاغتراب في قصة "الأجراس الصامتة"

الزمن في قصة أحمد محفوظ عمر ومضات متقطعة متباعدة مكدسة فوق بعضها البعض.


الكاتب يصور وعي المثقف العربي بما يحدث حوله وعجزه عن تغيير الواقع


ومضات تحاكي حال المجتمع المتشتت الذي فيه كل فرد جزيرة عائمة وحدها

قالوا: إن الاغتراب هو الارتحال عن الوطن، والبعد والهجر، والانفصال عن الآخرين، وظهور مؤثراته على الإنسان سواء على المستوى الداخلي أم على المستوى الخارجي، كالكبت أو الخوف، القلق أو الحرمان، أو العجز عن إتمام غاية.
ولعل قول أبي حيان يمثل المعاني المتعددة للغربة إذ يقول: "فأين أنت من غريب قد طالت غربته في وطنه، وقلّ حظه من حبيبه وسكنه؟ وأين أنت من غريب لا سبيل له إلى الأوطان، بل الغريب من ليس له نسيب. الغريب من نطق وصفه بالمحنة بعد المحنة. إن حضر كان غائبا وإن غاب كان حاضرا. أغرب الغرباء من صار غريبا في وطنه (التوحيدي، الإرشادات الإلهية، ص79-81 ، تحقيق، عبدالرحمن بدوي).
والاغتراب أنواع؛ فهناك الاغتراب السياسي، والاجتماعي، والنفسي، والديني، والجنسي. والأدب هو وليد الواقع، ونتاج الفرد المبدع الذي يصوغ المؤثرات والصور والتجارب التي مرت به بملامح ذاتية أسلوبية ونفسية، وهذا ما فعله أحمد محفوظ في قصة "الأجراس الصامتة" إذ نقل إلينا ما يحس به من غربة في مجتمعه؛ حين صور لنا وعي المثقف العربي بما يحدث حوله وعجزه عن تغيير الواقع. 

إشارات وملامح تشير إلى عزلة البطل المثقف، وتدهور علاقته مع المجتمع الذي يعيش فيه، وتؤكد أن البطل كان يعيش حالاً من الغربة النفسية والاجتماعية والذاتية، والعجز عن التغيير والقيام بوظيفته التي هي الإنذار والتحذير والإصلاح

وقصة "الأجراس الصامتة" تتحدث بضمير الأنا عن ذاك الذي أقعده المرض في الفراش في بيته محاطًا بالرقابة، وكان الجميع حوله يشعر أنه مريض، ولا يخبره بمرضه، ولكنه يخبرنا أن أحاديث كثيرة يقولها لا تصل إلى أهدافها، وأن من حوله لا يعطونه الحقيقة كاملة، ويخاف بعضهم من سلوكه وتصرفاته، وينكرون دائما أنه قال لهم شيئا، أو طلب منهم شيئا، فقد أنكر أخوه أن يكون قد سمعه يجيب صديقًا عن سؤال عن سبب قلق شباب العرب؟ وهو لا يذكر أن الآذن قد قال له قصة مضحك، وتنكر زوجته أن يكون قد طلب منها شيئا، ولا يعرف لم اتهمه المدير أنه كان يصرخ في الفصل كطرزان، وينكر أن يكون قد طلب من أحد التلاميذ أن يتشقلب على يديه رافعا رجليه إلى أعلى، وكان يحيره سبب كره أميركا للعرب، وسبب خذلانها المزمن للعدل والسلام، وبعد أن تتعبه هذه الأحداث يبلع حبتي منوم فتدور الغرفة به ويثقل لسانه وتقطع الكلمات في فمه، وتنتهي القصة بمشهد تصويري يمثل لحظة تقطع الكلمات في فمه ببطء. 
وتقودونا رؤية السارد في هذه القصة إلى أن الواقع الذي يحيط بالسارد مأزوم، فهو المعلم المثقف الذي يعرف أزمة هذا الواقع، ولكنه عاجز عن إيصال رؤيته، فيعيش القلق الروحي والنفسي وعدم القدرة على التواصل مع هذا المجتمع بكل فئاته فهو، المجتمع الصغير المتمثل بالبيت والمجتمع الكبير المتمثل بالوطن، وتظهر ملامح هذه الغربة في ما يلي: 
أولا: يفاجئ العنوان القارئ بثنائيته المثيرة للأسئلة (الصوت والصمت)، (الأجراس صامتة) ومعروف أن الأجراس لها وظيفة محددة هي القرع وإعلان البدء، وقرع الجرس إعلان لوجود الخطر، وسلبها صوتها هو إلغاء لوظيفتها، ومعنى ذلك أنها في عالم لا يريدها، في عالم يرفضها، أو هي غير قائمة على وظيفتها، أو عاجزة عن أداء تلك الوظيفة، فهي لذلك تعيش غريبة صامتة، ولعلنا لا نجافي الصواب إذ قلنا إن الاجراس تحيل إلى المثقف والمصلح.
وتمتد هذه الثنائية لتشمل كل أحداث القصة في دائرتين كبيرتين؛ دائرة الصوت، ودائرة الصمت، فمن دائرة الصوت الأنا التي جالت وحيدة في أحداث القصة كلها تتمشى على وقع ألمها، وتتساءل، وتطلب، وتصرخ، وتحتج، وتشتم. وقد تكررت الأنا ست مرات بصورة (أنا) وامتلأت القصة بجلبتها وقلقها بصورها الأخرى مستترة وضميرا متصلا. ويقابلها من دائرة الصمت الآخر الذي يتكلم ولا يسمع كلامه، وإن سمع لم يحدث أثرا؛ وكلام أخيه الكثير الذي لم يسمع منه شيئا، وصراخه غير المسموع بأسباب قلق الشباب العربي، وتهامس مبرز القات وأحمد، وإكثار السارد من التفكير الذي يثير الأسئلة، ونظرات الفراش إليه بدهشة وخوف، وجلوسه وحيدا في غرفة المعلمين، وخوف الزوجة الدائم منه، ونظره بشرود إلى أحد الطلاب، وطلبهم منه أن ينام، وعدم تلبية الزوجة لطلبه، وعدم وصول صوته إليها، وحبسه أو اعتكافه في الغرفة أو البيت المظلم الذي منعه من مراقبة الحركة والضجيج، ووقوف الزوجة خلفه بقلق، وثبات حال الدنيا، وإجابة الزوجة الثابت المتوقف على الخامسة، وانتهاء القصة بالصمت، وعندما تقطعت الكلمات في فم السارد وزحف الظلام الذي هو من  عالم الصمت، إلى عينيه، وثقل لسانه. ولا ننسى المنولوج الداخلي الذي امتلأت به القصة إذ هو حديث النفس للنفس لا يخرج إلى الدنيا من بطن صاحبه، وأنه تحدث في هذا المنولوج عن الموت الصمت الدائم. 
وفي مقابل هذا العالم الصامت كان عالم الصوتُ؛ وهو عالم غير إيجابي وغير داعم، فيه الكثير من التزوير والإحباط وحاول بقوة قتل كل محاولة للتغيير؛ ففيه كلام أخيه الكثير الذي قابله عدم سماع الكلام. وصراخه الذي قابله عدم سماع الصراخ، وأسئلة زوجته وأخيه له عن سبب كثرة التفكير، وترديده لقطعة موسيقية غربية، وقرع الجرس إيذانا ببدء حصة جديدة، وضحك الفراش، سؤال زوجته، الذي يقابله عدم سماعها له، وأما الصوت القادم من الماضي القطع الاسترجاعي فهو الذي جاء ليوضح صمت الحاضر.
وتظهر الموازنة بين دائرة الصمت ودائرة الصوت إن الصمت هو الغالب على دائرة الصوت وأن الصمت يمشي إلى كل حوار ويضمه تحت عباءته. وهذا واصح من مساحة الصمت الكبيرة التي أخذت معظم أحداث  القصة.
تنكير الزمان وتعريف المكان: تظهر القصة الزمان عائما غير محدد الملامح، وأما المكان فجاء محددا بإطار ما يكفيه ويزيل عنه صفة اللامحدودية. فالزمان جاء نكرة في معناه أو في لفظه في أغلب الحالات التي ذكر فيها (عدة أيام، فجأة، آخر يوم لي، أثناء حصة فراغ، قرع الجرس إيذانا ببدء حصة جديدة، في اليوم التالي للحادثة، ذات يوم، منذ مدة، أول الشهر، من يوم). ويذكر أن الزمان في القطع الاسترجاعي جاء معرفا.

والزمان مرتبط بالحدث وتنكير الحدث يعني تغريبا لفاعله وتجاهلا أو عدم انتباه لمجراه، ويدل على غربة السارد عن الزمان وعدم انتمائه له.
وجاء المكان معرفا في ما يلي: (مبرز القات، البيت المظلم، أمام بيوتهم، البيت، غرفتي، المدرسة، غرفة المعلمين، الجدار الفصل، مكتبه، أمام سريري، الخارج، البيت المظلم، أمام بيوتهم). فالمكان برأي السارد لم يتغير، وملامحه معروفة لا يتوه في تعرفها ابن مكان، ولكن الزمان ليس هو زمان السارد، لأن فكره سابق على من فيه من الناس أو يختلف في زاويته مع من فيه.  
اتكأ الراوي وهو الشخصية الرئيسة على الوصف والسرد أكثر من اتكائه على الحوار، مما يشير إلى ضعف التواصل بين شخصيات القصة وعدم انسجامها، واختلافها، ولعل كثرة لحظات الصمت، ولحظات الاسترجاع القطعي، والمنولوج الباطني تدلان على عدم التأقلم والقلق الذي يعيشه السارد.
حرك السارد في القصة شخصيات مجردة من أسمائها وصفاتها وأعمارها، وحركتها، ولونها وأبقى على وصف خوفها ونظرتها إليه وموقفها من تصرفاته وأقواله وسلوكه، وآثار الخوف والقلق التي تبدو على محياها وعيونها بعد كل تماس مع البطل، وهذا يشير إلى غربته عنهم لأن صورهم لا تنطبع في ذهنه إلا في لحظة تعاملهم معه أمام هروبه من الواقع، فهو يجرد الشخصيات من كل ما سبق ويحدد العالم الذي يهرب إليه أو كان يهرب إلي.
والمكان الذي اضطر للبقاء فيه بسبب انعدام التواصل بينه وبين الآخرين. فحتى أخوه لا يحمل اسما هو أخوه الكبير وحسب، وكأن العلاقة التي تربطه به هي محدودة بالكبر أو الصغر. وزوجته لا تحمل اسما وأولاده وصديق أخيه. وهو لم يحدد سوى أسماء رفيقيه في مضغ القات؟ وأرى أن سبب ذلك هو أنهم موجودون في المكان الذي كان يحاول أن ينسى فيه الواقع. 
تكثر في القصة الأسئلة، وجمل النفي، فقد أحصى الباحث في القصة ستة عشر سؤالا، وهو عدد كبير من الأسئلة في قصة قصيرة، مما يشير إلى قلق كبير وعدم استقرار في نفسية البطل، ولعل في تنوع الأسئلة واتساعها ما يؤكد ما نذهب إليه؛ فهي أسئلة عن سبب قلق الشباب، وعن رأيه في موقف السارد من سبب قلق الشباب، وسبب انحياز أميركا للظالم. ولكن السؤال الكبير الذي تطرحه القصة هو لم يحصل لنا هذا، لم نحن غرباء في أوطاننا؟
تغيب القصة السارد عن أي تواصل تام أو حوار مكتمل، فهو ظل يراقب الحوار أو يطرح سؤالا أو يطلب شيئا، ولا يلبى طلبه ولا يجاب عن سؤاله؛ فهو يُغيب بالهمس المنتشر بين شخصيات القصة، والإقصاء المتعمد بحشره في غرفة مظلمة في البيت، وبالطلب الدائم منه أن ينام، وبعدم الإجابة عن تساؤلاته، وبعدم الانتباه لرأيه. وانعدام التواصل التام المكتمل بين شخصيات القصة والبطل قد زاد من غربته فهو لا يسمع ما يقولون لأنهم لا يريدونه أن يسمع، وهم لا يسمعون ما يقوله لأنه يقول كلاما غير مسموع، أو لأن كلماته لا تخرج من صدره، وأن صياحه وأسئلته وأجوبته، وغضبه كل هذه  داخل صدره. فقد تحولت العلاقة الطبيعية بين البطل والشخصيات إلى علاقة خائف ومخوف منه، فانتشرت صور الخائفين المرعوبين من تصرفات البطل في القصة في أكثر من حالة. 
كان يشعر السارد بالغربة التي يعيشها البطل لأنه أحس بأن كل الذين حوله لا يريدونه أن يسمع ما يقولونه عنه، وأنهم لا يسمعون ما يقوله.  
كان الزمن في القصة ومضات متقطعة متباعدة مكدسة فوق بعضها وهي ومضات تحاكي حال المجتمع المتشتت الذي فيه كل فرد جزيرة عائمة وحدها. 
وبعد، فإن كل ما مضى من إشارات وملامح أشرنا إليها في القصة تشير إلى عزلة البطل المثقف، وتدهور علاقته مع المجتمع الذي يعيش فيه، وتؤكد أن البطل كان يعيش حالاً من الغربة النفسية والاجتماعية والذاتية، والعجز عن التغيير والقيام بوظيفته التي هي الإنذار والتحذير والإصلاح.