'في مرمى البصر' بين دفتي 'اللويبدة'
ينْدر أن تفْرد مجلة ذات طابعٍ متنوّعٍ الموضوعات، جميع صفحاتها لفاعليّة أو حدث فنّي بعينه، على النحو الذي تفرّدت به مؤخرًا مجلة "اللويبدة" حين خصّصت بين دفتي عددها الأخير، جميع صفحاتها للمعرض التشكيلي "في مرمى البصر" للفنان والناقد التشكيلي الأردني غسان مفاضلة، والذي افتتح في المركز الثقافي الملكي في عمّان مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.
لم يأت تخصيص مجلة "اللويبدة" التي يترأس تحريها الصحافي باسم سكجها، صفحاتها لمعرض "في مرمى البصر" ارتجالًا، أو تسجيلًا لسابقة، وإن حازتها بهذا الخصوص، بقدر ما جاء تكريمًا لمنجز الفنان ومسيرته التي كان للمجلة التي تأسست قبل 20 عامًا، منها نصيب. وهو ما تشير إليه مقالة رئيس التحرير التي افتتح بها عدد المجلة، وجاء فيها مشيرًا إلى مفاضلة "هو الذي صمّم شعار اللويبدة، وهو الذي كان مناصرًا لها مذ كانت جنينًا في بطن الجبل، وهو الذي نفرد له عددًا خاصًا يحمل اسمه. هو غسّان مفاضلة الذي لا يترك مساحة متاحة، على مدار عمّان، من دون أن يضع بصمته الفنية المبدعة عليها، من أنفاق وجسور وأدراج. وهو الذي جعل ذلك واقعًا في جرش وعجلون والعقبة، والحبل على الجرّار".
يرصد سكجها جانبًا ممّا نال غسان، حسب رأيه، من تهميش رغم فرادة منجزه الفني وتميّزه "الفنانون المبدعون الأردنيون مغبونون في بلادهم، ولكنّ الغبن الذي وقع على غسّان أكثر، فهناك أعمال له تُدمَّر أو تُرمى في المستودعات، ومنها العمل النحتي العجلوني المطلّ على القلعة. ولكنه يواصل الحفر في الصخر، ويفلّ الحديد صانعًا منه أعمالًا تستأهل الخلود. هو الوحيد الذي صنع من نماذج تماثيل عين غزال الطينية حديدًا ناطقًا، ومن بقايا البيوت الذاهبة إلى الحاويات أثرًا يستأهل الاقتناء، ومن اللاشيء أشياء تفتن العيون وتستحوذ على العقول. مفاضلة مُغرم بالمكان الأردني، فهو الذي درس وخَبِر التاريخ، وتشكّلت في ذهنه أعمال إبداعية وضعها على أرض الواقع، ولو كنتُ وزير ثقافة ليسّرتُ له سبل التجوال في أنحاء البلاد طولًا وعرضًا، في سبيل إعادة تكوين الجغرافيا على شكل فنٍّ حديدي. يسكن صاحبنا جبل 'اللويبدة' لكنّ الجبل يسكنه أكثر، فمن بيت إلى بيت ارتحل هناك، وفي كل البيوت والحارات والأزقة كانت له بصماته المبدعة".
اشتمل عدد المجلة التي تصدّر غلافها صورة الفنان وعنوان معرضه، جلّ أعمال المعرض، إضافة إلى أعمال أخرى متنوعة وسابقة عليها، مثل المنحوتات والجداريات الميدانية، مصحوبةّ بقراءاتٍ نقديّة وتحليليّة لعديدٍ من النقاد والفنانين والأكاديميين، منهم أستاذ النقد الفني والدراسات الجمالية في الجامعة الأردنيّة د. مازن عصفور الذي يرى أن تجربة مفاضلة "لا تشبه في توجهاتها وانشغالاتها، سوى ذاتها. وأعمال معرضه 'في مرمى البصر' تفتح الباب واسعاً أمام عين المتلقي وتثريها بتجارب بصريّة مفعمة بطاقة المادة وتحولاتها الجماليّة والتعبيريّة".
ويرى مدير عام المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة د. خالد خريس أن أعمال الفنان "تأخذنا من عالم البعدين الى عالم الثلاثة أبعاد، فهو نحات ورسام ملوّن، وظف كل إمكانياته وقدراته وتقنياته في إبداع أعمال تنتمي لمحيطها، لكنها في النهاية لا تنتمي سوى إلى نفسها، لتثير تساؤلات حول إمكانيات التعبير اللامحدودة التي يحوزها الفن. غسان فنان متميز يملك عينين، الأولى عين الفنان، والثانية عين الناقد القائمة على التأمل والتحليل".
ويذهب أستاذ الفن المعاصر في جامعة اليرموك د. عبدالله عبيدات إلى اعتبار أعمال مفاضلة بتوجهاتها ومضامينها الفلسفيّة العميقة "بمثابة تجسيد لرؤية خاصة مفتوحة على أطيافٍ واسعةٍ من التعبيراتّ الفنيّة التي تتجاوز الضوابط والقيود والتابوهات. فهي تجربة رصينة البحث والتجدّد والالتزام بدور الفن. إنها تجربة إغنائية لطموحاتنا وتأملاتنا وتوقعاتنا في البعد الاخر لعالمنا المعاصر". فيما توقف الفنان والناقد التشكيلي محمد العامري، عند إحاطة تجربة مفاضلة "بثنائية العلاقة بين 'المكان والزمن' معمقا ذلك بالضلع الثالث الذي يتمظهر عبر أثر الفعل الإنساني في في أعماله، عبر تجريبية واعية لطبيعة الإنشاء ومتطلباته الفنية والجمالية". من جانبه يبيّن الفنان والناقد د. إياد كنعان خصوصيّة المسار الفنيّ الذي إختطه الفنان لنفسه "فهو المساؤ الذي خلق له بصمة تشكيليّة على المستويين التشكيليّين الأردنيّ والعربيّ، خاصّة لجهة تميّزه في تقديم تجربة فنيّة تشكيليّة جديّة، مشفوعة بمشروع بحثيّ وجماليّ".
تُعدّ أعمال الفنان امتدادًا لأعمال معرضه السابق "أثر على أثر" الذي نظمه المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة العام الماضي. وعلى الرغم من التقاطع الشكلي لأعمال المعرضين مع سياقات التشكيل المعاصر، إلا أنها تذهب في توجهاتها وكشوفاتها، نحو اختبار إمكانات تحويل "الأثر" بوصفه إشارة وعلامة، إلى تلك المساحة التي يصبح معها المرئي تجسيدا للمتع الحسية والتخيلية، انطلاقاً من تحولات المادة، وانفتاحها على المقترحات الجمالية والتعبيرية في محيطھا الواقعي والتخيّلي، على حدٍ سواء.
تذهب أعمال التي توزّعت موادها وتقنياتها على نحو 30 عملًا فنيًّا بين أعمالٍ جداريّةٍ ونحتيّةٍ، للتأكيد على الإمكانيّات التي يتفرّد بها الفن في الكشف عن رواسب الأثر الجمالي في المرئيات المنسية والهامشية. وهو في تأكيده على تلك الإمكانيات التي يحوزها الفن، لا يكتفي بما يشيعه فيها من متع جماليّة وتعبيريّة فقط، بل يجعل من المرئيات، نفسها، محفزاً للحوار المفتوح بين المتلقي والعمل الفنّي.
الصدأ، وتشقق جدران المباني، وتساقط طبقات الطلاء عن المعادن، ونمو الفطريات على الصخور والأشجار، وتآكل سطوح الأخشاب، والتغضّن والتفسّخ والتآكل في نسيج المرئيات التي يعتمل فيها تأثير الزمن ويخترق لحظتها الراهنة؛ جميعها تصبح، حين تكون "في مرمى البصر" موضوعًا لتمثلات "الأثر" وتقمصاته في الطبيعة والفن على السواء.
يقول مفاضلة بخصوص مسعاه وتوجهاته في أعمال معرضه "لا أسعى في أعمال هذا المعرض إلى تقليد الأثر في محيطه البيئي، أو محاكاة ارتساماته وتشكلاته على هذا النحو أو ذاك، بقدر ما أسعى إلى بناء 'أثرٍ على أثر'. فالفن لا يغدو، وفق هذا المسعى، سوى ذلك الإنشاء الذي لا يكف عن تشييد بنيانه من تراكمات الأثر وارتساماته لتصبح في مرمى البصر، وعلى مرأى من الجميع".
