التنفيذ الجبري: الحضانة حماية أم انتهاك؟

معالجة هذه الإشكالية تستدعي مراجعة شاملة لمنظومة التنفيذ، وتحويلها من نموذج "تنفيذ جبري" إلى نموذج قضائي متكامل، يحقق التوازن بين سلطة الشيء المقضي به وتحقيق المصلحة الفضلى للطفل.

تمثل قضايا "التنفيذ الجبري" لأحكام الحضانة إحدى الإشكاليات العملية البارزة في منظومة القضاء الأسري، حيث تتجلى مفارقة صارخة بين النص القانوني المجرد والواقع العملي المعاش. وتبرز هذه المفارقة جلياً في الحالة التي يناقشها هذا المقال.

في الواقعة، رفض طفل في العاشرة من عمره – وهو سن التمييز شرعاً – العودة إلى حضانة الأب، مبرراً ذلك بتعرضه للضرب والإهانة المتكررة من قبل الجدة (والدة الأب)، وقال إن والده يقف عاجزاً عن حمايته لضعف شخصيته أمامها، وأن الجد (والد الأب) يبدي تعاطفاً خفياً معه، إلا أنه عاجز بدوره عن مواجهة زوجته.

تم تدوين هذا الكلام من فم الطفل في مخفر الشرطة، وتكرر الأمر عند الباحثين في محكمة التنفيذ، ورغم ذلك تم تنفيذ الحكم جبراً، حيث أخذ الأب الطفل قسراً وسحباً من أمام والدته وسط صراخه وبكائه في المحكمة، في مشهد يعكس إشكالية التنفيذ الجبري لأحكام الحضانة، ويثير سؤالاً محورياً: هل تتحقق العدالة حين يُنفذ الحكم شكلاً، ولو على حساب مصلحة الطفل ومقاصد الشريعة الغراء؟

تنطلق الشريعة الإسلامية في تعاملها مع الطفل من مبدأ الرحمة والرفق، وقد جاءت النصوص الكثيرة في القرآن والسنة لتؤكد على أهمية التعامل الرحيم مع الخلق بشكل عام، فما بالك بالأطفال الذين لا حول لهم ولا قوة، يقول عليه الصلاة والسلام "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف".

وفي الفقه، يُعتبر إجبار الطفل على البقاء في بيئة مضرة منافياً للأصول الشرعية، حيث: تطبق قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" التي تمثل أصلاً تشريعياً أساسياً وتُقدم مصلحة المحضون على حق الحاضن عند التعارض

يُشترط في الحاضن توفر الكفاءة والقدرة على التربية والحماية

أما في القانون الكويتي، فتنص المادة 190 من قانون الأحوال الشخصية على اشتراط "القدرة على تربية المحضون وصيانته صحياً وأخلاقياً". وتشترط المادة 252 من قانون الأحوال الجعفري "فيمن يثبت له حق الحضانة … أن يكون مسلماً، عاقلاً، مأموناً على سلامة الولد صحياً وخلقياً". ووفقاً لذلك، إذا تبين للقاضي أن مصلحة المحضون تستوجب انتقال الطفل للطرف الآخر، فعليه أن يذهب لذلك دون تردد.

ولكن التوجه العام يذهب إلى أولوية التنفيذ الجبري للحضانة، بمعنى إلزام الطفل بالذهاب مع الحاضن، وإن اشتكى من الأذى، وإن رفض العودة، وثمة ملاحظات يجدر التأمل فيها:

أولاً: يشكل التنفيذ "بالقوة الجبرية" انتهاكاً للضمانات القانونية والشرعية، حيث يتعارض مع الشروط الواردة في المادتين 190 و252 من قانون الأحوال الشخصية العام والجعفري. فثبوت حالة الإيذاء مع عجز الأب عن حماية الطفل يفقد الحاضن شرط القدرة على الصيانة.

ثانياً: يخلق التنفيذ الجبري تناقضاً مع المقاصد الشرعية للحضانة في الفقه، الذي يجعل مصلحة المحضون فوق كل اعتبار، فما مصلحة الطفل من إعادته "بالقوة الجبرية" إلى مسكن يتعرض فيه للإهانة أو الاعتداء أو الإيذاء النفسي؟

ثالثاً: تظهر الواقعة قصوراً في الآليات التنفيذية، حيث تفتقد المحاكم لأدوات الرقابة الفعالة لمتابعة أوضاع الأطفال بعد التنفيذ. إن متابعة سلامة الطفل البدنية والنفسية، وأداء مسؤولية الحضانة على أتم وجه، إجراء يتفق مع روح القانون والشريعة.

وبعيداً عن الجانب التنظيري المجرد، أقترح الآتي:

1 إنشاء لجنة (أو قسم قضائي) متخصصة لمتابعة تنفيذ أحكام الحضانة، تضم في تشكيلها أخصائيين اجتماعيين ونفسيين، تكون مهمتها تقديم تقارير محايدة لقاضي التنفيذ عن وضع المحضون والبيئة الحاضنة، مما يحول دون استخدام الطفل كورقة ضغط أو وسيلة إيذاء.

2 تبني نظام "الحضانة الانتقالية المؤقتة" كحل وسيط في حال النزاعات الحادة التي يثبت فيها ضرر محتمل على الطفل، بحيث ينقل مؤقتاً إلى الطرف الآخر تحت إشراف الجهة المتخصصة المذكورة.

3 تفعيل سلطة القاضي في تعليق التنفيذ لحين الفصل في دعاوى تعديل الحضانة أو الحصول على تقرير مفصل من اللجنة المتخصصة عن ظروف الحالة، حفظاً لسلامة الطفل الجسدية والنفسية.

4 إلزام الحاضن بتقديم تقارير دورية عن أوضاع المحضون للجنة المختصة، ليشعر بوجود رقابة محايدة، ويمكن الطرف الآخر من تقديم ما يثبت إخلال الحاضن بمسؤوليته.

ختاماً، إن معالجة هذه الإشكالية تستدعي مراجعة شاملة لمنظومة التنفيذ، وتحويلها من نموذج "تنفيذ جبري" إلى نموذج قضائي متكامل، يحقق التوازن بين سلطة الشيء المقضي به وتحقيق المصلحة الفضلى للطفل، تماشياً مع الأصول الشرعية والمقاصد التشريعية.