أفول "الاستثناء الإسرائيلي": نحو نموذج جديد للسياسة الأميركية
على مدى عقود، أدارت الولايات المتحدة سياستها الخارجية في الشرق الأوسط وفقًا لمجموعة فريدة من القواعد غير المكتوبة، فبينما خضع الحلفاء للمساءلة، وعوقب الخصوم، ورُبطت المساعدات بالسلوك السياسي، بقيت دولة واحدة خارج هذا السياق. إنه "الاستثناء الإسرائيلي"، تلك المظلة الدبلوماسية التي منحت تل أبيب حصانة من التدقيق الذي طُبِّق بصرامة على غيرها من الدول المتلقية للسخاء الأمريكي، بيد أن تلك الحقبة قد ولّت.
ونحن نشارف على توديع عام 2025، تحولت تلك "العلاقة الخاصة" من أصل استراتيجي إلى ما بات يُنظر إليه كعبء استراتيجي. لقد تصدّع الدعم غير المشروط، الذي طالما شكّل حجر الزاوية في موقف واشنطن، تحت وطأة الواقع الجيوسياسي المتغير، والتحولات السياسية الداخلية، وحرب كارثية في غزة تركت القوة الناعمة الأميركية أثرًا بعد عين.
تصدّع الإجماع الداخلي
لعل أبرز ضحايا العامين المنصرمين هو انهيار الإجماع الحزبي التقليدي في واشنطن. فبعد أن كان دعم إسرائيل أحد الثوابت النادرة التي وحدت الديمقراطيين والجمهوريين لجيل كامل، باتت تلك الوحدة اليوم ضربًا من الماضي.
لقد شهدت القاعدة الانتخابية للحزب الديمقراطي إعادة اصطفاف جوهرية، إذ تُظهر استطلاعات الرأي، منذ أواخر 2024 وطوال 2025، فجوة صارخة بين الأجيال. فالناخبون دون سن الثلاثين لم يعودوا يرون في إسرائيل "واحة للديمقراطية" تحتاج للحماية، بل قوة عسكرية مهيمنة تتجاوز حدودها. وقد جاء تصويت فئة "غير الملتزمين" في الانتخابات التمهيدية لعام 2024 بمثابة جرس إنذار لقيادة الحزب، مفاده أن سياسة "الصك المفتوح" باتت تحمل فاتورة سياسية باهظة لم يعد الديمقراطيون مستعدين لتسديدها.
وحتى داخل المعسكر اليميني، بدأت عقيدة "أميركا أولًا" في قضم الدعم التقليدي الذي وفره المحافظون الجدد. وفي حين لا يزال الدعم المعلن مرتفعًا، يتساءل تيار متنامٍ من الانعزاليين عن جدوى تدفق المليارات من أموال دافعي الضرائب إلى دولة غنية، في وقت تئن فيه الاحتياجات المحلية تحت وطأة الإهمال. إن النزعة "التعاقدية" للمحافظين الجدد باتت تطرح سؤالًا بسيطًا وملحًّا: ما الذي تجنيه أميركا في المقابل؟ والإجابة تزداد ضبابية يومًا بعد يوم.
الكلفة الباهظة للحصانة
على الصعيد الدولي، كبّد "الاستثناء الإسرائيلي" الولايات المتحدة خسارة فادحة في مكانتها الأخلاقية. فالغطاء الدبلوماسي الذي وفرته واشنطن، وتحديدًا استخدامها المتكرر لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، أدى إلى عزلة أميركية خانقة.
حينما تتحدث واشنطن اليوم عن انتهاكات حقوق الإنسان في أوكرانيا أو بحر الصين الجنوبي، يُشير الجنوب العالمي فورًا إلى غزة. لقد أدى هذا التناقض الصارخ وازدواجية المعايير إلى "تسليح" المشاعر المناهضة لأمريكا في مناطق استراتيجية حيوية؛ إذ ترى الدول النامية في أفريقيا وأميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا هوة شاسعة بين خطاب واشنطن حول القانون الدولي وبين ممارساتها الفعلية في المشرق العربي.
هذه العزلة ليست رمزية فحسب، بل ذات تبعات ملموسة. فالرصيد الدبلوماسي مورد ناضب، وكلما استنزفت واشنطن رأسمالها السياسي لحماية إسرائيل من المحاكم أو القرارات الدولية، تآكلت قدرتها على حشد التحالفات ضد منافسين استراتيجيين كالصين أو روسيا. لقد تحول "الاستثناء" إلى قيد استراتيجي يُجبر الدبلوماسيين الأميركيين على الدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه، مما يُنفّر الشركاء المحتملين.
تكريس مبدأ "المشروطية"
لعل التحول الأكثر دراماتيكية هو تطبيع فكرة "ربط المساعدات بشروط". قبل عامين فقط، كان مجرد اقتراح إخضاع المساعدات العسكرية لإسرائيل لنفس معايير حقوق الإنسان المطبقة على دول مثل مصر أو كولومبيا يُعد طرحًا هامشيًا ومتطرفًا. أما اليوم، فقد أصبح هذا الملف محور النقاش في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ.
تحظر "قوانين ليهي" على الولايات المتحدة تمويل وحدات عسكرية أجنبية متورطة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ولسنوات، مورست ألاعيب قانونية لتجنيب الجيش الإسرائيلي هذا القانون، إلا أن هذا الغموض بدأ يتلاشى. إن حجم الدمار في غزة، وتغوّل الاستيطان في الضفة الغربية، جعلا من سياسة "التعامي الممنهج" لوزارة الخارجية أمرًا غير قابل للاستمرار، لا قانونيًا ولا سياسيًا.
لقد انتقل الجدل من "ما إذا كان" ينبغي ربط المساعدات بشروط، إلى "آلية" تطبيق ذلك. وهذا يمثل تحولًا جوهريًا في النموذج القائم، ينقل العلاقة من خانة "الرابطة المقدسة" إلى إطار العلاقات الثنائية الطبيعية التي تحكمها القوانين لا العواطف.
عبء استراتيجي لا ذخر
تاريخيًا، سوّقت الولايات المتحدة لـ"الاستثناء الإسرائيلي" باعتبار إسرائيل قلعة استراتيجية متقدمة، أو "حاملة طائرات لا تغرق" في منطقة مضطربة. غير أن أحداث عامي 2024 و2025 قلبت هذه المعادلة رأسًا على عقب. فبدلًا من تحقيق الاستقرار في المنطقة، يمكن القول إن الدعم غير المشروط قد حفّز التصعيد.
وتجد واشنطن نفسها مضطرة باستمرار للتدخل عسكريًا لمعالجة تداعيات قرارات اتُّخذت في القدس، بدءًا من الدوريات البحرية في البحر الأحمر وصولًا إلى نشر منظومات الدفاع الصاروخي الطارئة. لم ينجح "الدرع" الأميركي في ردع الصراع، بل شجّع، للمفارقة، على انتهاج سلوكيات أكثر خطورة عبر إزالة العواقب المترتبة عليها.
واليوم، يعكف المخططون في البنتاغون، خلف الأبواب المغلقة، على إعادة تقييم حسابات الربح والخسارة، فالشريك الذي يجر قوة عظمى باستمرار نحو حافة حرب إقليمية لم يعد ذخرًا، بل بات يمثل خطرًا استراتيجيًا.
الواقع الجديد
إن نهاية "الاستثناء الإسرائيلي" لا تعني بالضرورة نهاية التحالف الأميركي الإسرائيلي، بل تعني ببساطة "تطبيعه".
في ظل هذا النموذج الجديد، ستُعامل إسرائيل كأي حليف وثيق آخر، كالمملكة المتحدة أو اليابان. سيستمر الدعم، لكنه سيكون قائمًا على المصالح المتبادلة، ومقيّدًا بالقانون الأميركي، وخاضعًا للرقابة، والأهم من ذلك، أنه سيأتي في مرتبة تالية للمصالح الوطنية الأميركية العليا.
لقد بدأت اللغة العاطفية والاستثنائية للماضي في التلاشي، ليحل محلها واقع أكثر برودة وصلابة. لم تعد الولايات المتحدة قادرة على تحمّل الكلفة الدبلوماسية والأخلاقية لهذا الاستثناء. إن مستقبل السياسة الأميركية لا يتمحور حول التخلي عن حليف، بقدر ما يتمحور حول استعادة استقلالية القرار الأميركي.