عن مشانق أيار التي لم تهدأ... هل تحررنا حقا بالدم أم استُعبدنا بالكلمة؟"
في مثل هذا اليوم من كل عام، يعود السادس من أيار ليطرح سؤاله الوجودي الثقيل على الذاكرة اللبنانية والعربية، بعيدا عن الطقوس الخطابية، ففي فجر ذلك العام من عام 1916، حين ارتفعت أجساد النخبة المثقفة من صحافيين وأطباء وعلماء في ساحتي البرج ببيروت والمرجة بدمشق، لم تكن المشانق مجرد أداة إعدام عثمانية جسدية، بل كانت محاولة منهجية لإبادة الوعي العربي الناشئ.
هؤلاء الذين صعدوا إلى الموت، من أمثال عبدالغني العريسي والشيخ أحمد طبارة بقرار من الحاكم العسكري العثماني جمال باشا (السفاح)، لم يكونوا متمردين عسكريين، بل كانوا أوصياء الكلمة الذين أدركوا قبل غيرهم أن السيادة الحقيقية تبدأ من حرية التعبير والمطالبة بالإصلاح الإداري والسياسي.
إن هؤلاء الشهداء سقطوا في فجوة تاريخية قاتلة، فقد كانوا يواجهون استبداد الرجل المريض (السلطنة العثمانية) في وقت كانت فيه القوى الاستعمارية الغربية ترسم خرائط سايكس بيكو لتقاسم تركتها. لقد كانت تهمة الخيانة التي ألصقت بهم غطاءً سياسياً لإخفاء حقيقة أنهم كانوا يطالبون بكيان وطني مستقل لا يتبع للآستانة ولا يرتهن لباريس أو لندن.
وبإسقاط هذا الواقع على لبنان المعاصر، نكتشف مفارقة موجعة، فالكلمة التي مات من أجلها رجال 1916 تعاني اليوم من اغتيال من نوع آخر. لم تعد المشانق خشبية، بل أصبحت اقتصادية وأيديولوجية، حيث تحول الإعلام من منبر للنهضة والرقابة على السلطة إلى ساحة صراع تعكس محاور الإقليم، واستُبدل القلم الحر بتمويل مشروط جعل من الحرية مجرد شعار للاستهلاك السياسي، بينما يغرق الواقع في تبعية عمياء للمرجعيات الطائفية والحزبية.
أما وفي الذاكرة الوطنية فتبرز اشكالية التعامل مع هذا اليوم، خاصة مع الإزاحة الواضحة لرمزية 6 أيار لصالح 25 أيار (عيد المقاومة والتحرير). ورغم أن التاريخين يمثلان محطتين أساسيتين في مسار السيادة، إلا أن هذا الاستبدال الرمزي يعكس تحولاً في العقل الجمعي اللبناني الذي بات يقدس البطولة العسكرية (تحرير الجغرافيا عام 2000) على حساب البطولة الفكرية (تحرير الوعي عام 1916).
إن الاحتفاء بتحرير الأرض مع تهميش ذكرى شهداء الكلمة هو اعتراف ضمني بأننا نفضل القوة الصلبة التي تؤمنها الجيوش والمقاومات على القوة الناعمة التي يمثلها المثقف الحر، فالتحرير الذي لا يحميه فكر نقدي وصحافة حرة هو تحرير هش، قد يسترد الأرض لكنه يفشل في بناء الدولة.
إن السادس من أيار ليس مناسبة لاستجداء العاطفة، بل هو تذكير بأن المشانق لا تزال قائمة في كل مرة تُباع فيها الكلمة، أو يُقمع فيها الرأي، أو يُقدم فيها الولاء للخارج على حساب مصلحة الوطن، فالحرية التي لا تمارس بمسؤولية وصدق ليست سوى فوضى مقنعة تليق ببلد ينسى شهداءه الحقيقيين ليحتفي بظلالهم فقط.