ما بعد مفاوضات لبنان

الجولة الثانية من المفاوضات تُعتبر حدثاً غير عادي، إن لجهة الحضور أو لجهة الموضوعات المطروحة، وحتى لإبراز الانطلاق بشكل واضح لفصل الوضع اللبناني عن الوضع الإقليمي.

لم تكن جولة المفاوضات الثانية اللبنانية الإسرائيلية المباشرة جلسة عادية، في وقت لا تُصنَّف فيه سابقة دبلوماسية بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي، وإنما ما ميّزها هو حضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصيا وهي جولة مفاوضات غير معتادة لا شكلاً ولا مضموناً، إذ أن حضور رئيس دولة وسيط، وقبل إحراز نتائج نوعية بارزة، يُعد أيضاً سابقة ويدل على اهتمام شديد بها، وكأنها تؤسس أيضاً لمرحلة أخرى ذات مسار مختلف، الهدف منه الانتقال إلى مستوى أرفع في التمثيل، وتحقيق خرق نوعي على مستوى الحضور، تمهيداً للانطلاق بطروحات نوعية تنفيذية يُبنى عليها، بصرف النظر عن القبول أو الرفض من الطرفين المعنيين أساساً، اللبناني والإسرائيلي.

وفي واقع الأمر، تُعتبر الجولة الثانية من المفاوضات حدثاً غير عادي، إن لجهة الحضور أو الموضوعات المطروحة، وحتى لإبراز الانطلاق بشكل واضح لفصل الوضع اللبناني عن الوضع الإقليمي، وتحديداً عن المفاوضات الأميركية الإيرانية المباشرة، وطبعاً الإسرائيلية غير المباشرة، وهي المعنية الأساس كنتيجة للحرب القائمة حالياً، ولو كانت بهدنة هشة قابلة للانفجار مع أي سبب كان، وهو أمر يدل بشكل واضح على نية واشنطن وقدرتها على فصل المسارين اللبناني والإيراني، وصولاً أقله إلى تفاهمات متصلة لاحقاً بترتيب معاهدات سلام إقليمية قاعدتها شرق أوسطية ممتدة إلى جغرافيا سياسية على تماس مع جغرافية المنطقة.

إن أبرز ما طُرح من نقاط رئيسة في المفاوضات كان متبايناً، فمثلاً اهتم لبنان أولاً بتمديد وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أسابيع، وهو أمر حصل عليه كهدية لإبراز محاسن حضور الجولة الثانية، لكنه واقعاً، كما يُشار إليه، تمديد لهدنة هشة قابلة للانفجار مع أي حدث يقرر طرف ما أنه يستحق الخروج منه.

والأمور الأخرى، كمبدأ الانسحاب الكامل من الأراضي التي تحتلها إسرائيل، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين، وإعادة الإعمار، جاءت في مقابل الطلبات الإسرائيلية لجهة نزع سلاح حزب الله في مختلف الأراضي اللبنانية وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية. والأمر الأهم هو اعتراف لبنان بإسرائيل وصولاً إلى معاهدة سلام تنظم العلاقات المستقبلية.

طبعا إن هذه المطالب ليست مطالب عادية أو غير عميقة بالمفهوم الدبلوماسي، وإنما تشكل، في قراءة الطرفين اللبناني والإسرائيلي، قراءات ذات سقوف عالية وتتطلب المزيد من الوقت للوصول إلى تفاهمات مقبولة يمكن البناء عليها، سيما وأن تجارب المفاوضات السابقة، وأبرزها في العام 1983 التي أنتجت اتفاق 17 مايو/أيار الذي أُلغي بعد أقل من سنة، ومفاوضات مؤتمر مدريد 1991، وتفاهمات 1993 و1996 و2006 التي أنجزت القرار 1701، ومن بعدها مفاوضات الحدود البحرية التي أُنجزت بوساطة أميركية بتاريخ 27 أكتوبر/تشرين الأول 2022، ومن بعدها مفاوضات لجنة الميكانيزم 2024، إضافة إلى مفاوضات الهدنة في مارس/آذار 1949.

إن تصريح الرئيس الأميركي خلال الجولة الثانية في البيت الأبيض، المتعلق بالقانون اللبناني لعام 1952 المتصل بمعاقبة الاتصال بإسرائيل ومطالبته بإلغائه، يشكل نقطة تحول، سيما وأن هذا الأمر يتطلب إلغاءه بقانون عبر مجلس النواب اللبناني، الذي سيزيد الشرخ بين مختلف الفئات اللبنانية، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى إشعال حرب أهلية، كما يتردد حالياً.

وأمر آخر لا يقل حساسية وأهمية، هو التصريح بمحاولة إنجاز لقاء يجمع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض لاحقاً، وهو أمر طُرح في معرض التحضير للجولة الأولى، ولو عبر لقاء هاتفي يجمعهما بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والذي لم يتم بسبب رفض الرئيس اللبناني.

إن تمرير الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإشارتين حساستين، تتصل الأولى بقانون المعاقبة اللبناني، والثانية بلقاء البيت الأبيض لاحقاً، وكما أشار "قريباً"، يعبر عن جدية وقوة المحاولة الأميركية، في وقت يعتبر بعض اللبنانيين أن الموضوع يستلزم المزيد من الوقت، إذ ثمة مطالبة لبنانية داخلية متصلة بمبادرة بيروت 2002 الصادرة عن القمة العربية عام 2002، لجهة موضوعات التسوية بين العرب وإسرائيل.

في المحصلة، يعج جدول المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بموضوعات حساسة جداً تتطلب دراية كبيرة بالواقع اللبناني وواقع المنطقة، التي تقف على حافة هاوية تغلي بقضايا عمرها من عمر هذه الكيانات، وهي تقف حالياً على مشاريع خطرة ذات صلة بجغرافيا سياسية ممتدة إلى معظم الكيانات السياسية القائمة حالياً، ويتطلب التعاطي معها أيضاً دقة فائقة، إذ إن بينها وبين التفتيت خطوات قليلة.

صحيح أنه تم فصل مفاوضات لبنان عن مفاوضات إيران، إلا أن ثمة الكثير من الطرق التي يمكن أن تُستغل للاستثمار والاستفادة من طبيعة المفاوضات القائمة، وإن كانت متعثرة وبالتالي فإن أي موقف غير دقيق ومتزن يمكن أن يأخذ الأمور إلى مسارات لا تُحمد عقباها، في وقت لا أحد من الأطراف الأساسية المعنية أو الأطراف المتدخلة يملك القدرة على التحكم الدقيق بمسارات المفاوضات ونتائجها. وهنا، ربما الطرف الأضعف في ذلك هو الطرف اللبناني، الذي يحتاج إلى الكثير لإعادة تكوينه والحفاظ على وجوده في مفاوضات ليست سهلة وتكتنز في طياتها الكثير من التعثر.