حين تتحوّل الهزيمة إلى عقيدة: حزب الله بين إنكار السقوط وفلسفة النصر المستحيل

الحزب الذي يرفض الاعتراف بتغيّر موازين القوى، يضع لبنان كله في حالة انتظار مفتوح لحروب جديدة.

في العلوم العسكرية التقليدية، لا تُقاس الانتصارات بالخطب، ولا تُحسم الهزائم بالشعارات. هناك معايير قاسية، باردة، لا تعبأ بالعواطف ولا بالأيديولوجيا: مَن بقي يسيطر على الأرض؟ مَن احتفظ بقيادته؟ مَن فرض شروطه السياسية؟ ومَن اضطر إلى إعادة تعريف أهدافه بعد انتهاء المعركة؟

لهذا تحديدًا، تبدو المعضلة التي يعيشها "حزب الله" اليوم أعمق من مجرد خسارة عسكرية أو انتكاسة سياسية. إنها أزمة وعيٍ كاملة، تكاد تلامس ما يمكن وصفه بـ"عقيدة إنكار الهزيمة". فالحزب الذي بنى شرعيته لعقود على فكرة "النصر الإلهي" يجد نفسه اليوم أمام واقع ميداني مختلف جذريًا، لكنه لا يزال يرفض الاعتراف بأن موازين الحرب تغيّرت، وأن ما جرى منذ "حرب إسناد غزة" عام 2023 وصولًا إلى "حرب الثأر" لدم علي خامنئي عام 2026، لم يكن مجرد جولة قاسية، بل تحوّلًا استراتيجيًا عميقًا لصالح إسرائيل.

كيف تُعرّف الجيوش الهزيمة؟

في العقيدة العسكرية الكلاسيكية، تتحقق الهزيمة عندما يفقد الطرف المقاتل واحدًا أو أكثر من العناصر التالية: القدرة على حماية قيادته، القدرة على الدفاع عن الأرض أو السكان، القدرة على ردع العدو، القدرة على الحفاظ على البنية التنظيمية والأمنية والقدرة على منع الخصم من فرض وقائع سياسية وميدانية جديدة.

وحين تُطبَّق هذه المعايير على تجربة "حزب الله" الأخيرة، تبدو الصورة شديدة القسوة.

اغتيال القيادة: حين تصبح الرؤوس مكشوفة

في الحروب التقليدية، يُعدّ استهداف القيادة العليا أخطر أشكال الاختراق. فالقيادات ليست مجرد أسماء، بل هي مراكز اتخاذ القرار، وروح التماسك المعنوي والتنظيمي.

من هنا، فإن اغتيال شخصيات بحجم حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، إلى جانب قيادات الصفين الثاني والثالث، لا يمكن اختزاله في خانة "الخسائر المؤلمة". هذه الضربات تعني، عسكريًا، أن إسرائيل نجحت في اختراق العمود الفقري للنظام القيادي للحزب، وفي تحويل قياداته إلى أهداف قابلة للتصفية.

وفي أي جيش نظامي في العالم، كان سقوط هذا العدد من القيادات كفيلًا بإطلاق مراجعات داخلية عاصفة، وربما بإقالة قيادات عسكرية وسياسية كاملة. أما في حالة الحزب، فقد جرى التعامل مع الأمر بوصفه مجرد "تضحيات على طريق المقاومة"، في محاولة لتحويل الخسارة البنيوية إلى مادة تعبئة نفسية.

تفجيرات البيجر: انهيار أسطورة الأمن الحديدي

ربما شكّلت "تفجيرات البيجر" اللحظة الأكثر رمزية في هذه الحرب. لم يكن الأمر مجرد اختراق أمني، بل انهيارًا لصورةٍ بُنيت بعناية طوال عقود: صورة التنظيم الذي يعرف كل شيء، ويرى كل شيء، ويستحيل اختراقه.

لكن حين تتحول أدوات الاتصال نفسها إلى أفخاخ، فهذا يعني أن العدو لم يعد على الأبواب، بل داخل البنية ذاتها. ففي العلوم الأمنية، يُعدّ الاختراق الداخلي أخطر من الهزيمة الميدانية، لأنه يضرب الثقة بالنفس قبل أن يضرب القدرات العملياتية. ولهذا، لم تكن صدمة "البيجر" تقنية فقط، بل نفسية وعقائدية أيضًا.

النزوح الجماعي: ماذا يعني أن يهرب جمهورك من الحرب؟

من أكثر المعايير قسوة في تقييم نتائج الحروب قدرة القيادة على حماية بيئتها الحاضنة. وفي الحالة اللبنانية، تسببت الحرب بنزوح أكثر من مليون شخص من مناطق تُعتبر تاريخيًا البيئة الاجتماعية والسياسية للحزب: جنوب لبنان، والضاحية الجنوبية، والبقاع.

هذا الرقم ليس تفصيلًا إنسانيًا فحسب، بل مؤشر استراتيجي خطير. فحين يترك ربع سكان البلاد منازلهم تحت النار، تصبح شعارات "الردع" و"الحماية" موضع مساءلة وجودية.

الأشد مرارة أن هذه البيئة نفسها، التي طُلب منها تحمّل كلفة الحرب لعقود، وجدت نفسها أمام دمار واسع للمنازل والبنى التحتية والأنفاق، فيما إسرائيل تمضي في فرض "الخط الأصفر" جنوبًا، مستنسخةً، بشكل أو بآخر، نموذج المناطق العازلة الذي جرّبته سابقًا في غزة.

حين يفرض العدو قواعده الميدانية

في العقيدة العسكرية، لا يُقاس النصر فقط بعدد القتلى أو الصواريخ، بل بقدرة طرف على فرض قواعد اشتباك جديدة. وما حدث في الجنوب اللبناني بعد الحرب يكشف بوضوح أن إسرائيل نجحت في فرض وقائع ميدانية غير مسبوقة: استمرار الغارات رغم الهدنة، توسيع هامش الحركة الجوية والعسكرية، فرض منطقة عازلة فعلية واحتفاظها بحق "الضرب الاستباقي" متى تشاء.

في المقابل، يبدو الحزب عاجزًا عن وقف هذه الوقائع أو تعديلها، رغم خطابه التصعيدي المستمر.

الهروب إلى الداخل: التنمّر على الدولة بدل مواجهة الهزيمة

حين تعجز الحركات المسلحة عن تحقيق أهدافها الخارجية، كثيرًا ما تلجأ إلى الداخل لتعويض تراجعها الرمزي. وهذا ما يبدو واضحًا في سلوك "حزب الله" الحالي تجاه الدولة اللبنانية.

فبدل الانخراط في مراجعة سياسية وعسكرية حقيقية، يواصل الحزب الضغط على الحكومة للتراجع عن خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، رافضًا الانصياع للخطط المطروحة لنزع سلاحه أو ضبط نشاطه العسكري والأمني.

هنا، يتحوّل السلاح من أداة "مقاومة" إلى أداة تعطيل سياسي داخلي، ويصبح الحفاظ على النفوذ أهم من الإجابة عن سؤال الخسارة.

وتبلغ المفارقة ذروتها هنا حين يدعو الحزب إلى طرد السفير الأميركي ميشال عيسى، اللبناني الأصل، بينما يرفض في الوقت نفسه أي حديث عن اعتبار السفير الإيراني محمد رضا شيباني شخصًا غير مرغوب فيه.

هذه الازدواجية لا تعبّر فقط عن انحياز سياسي، بل عن مفهوم انتقائي للسيادة نفسها: سيادة تُستخدم ضد خصوم الداخل والخارج، لكنها تتلاشى حين يتعلق الأمر بالنفوذ الإيراني.

وفي المنطق السياسي الطبيعي، لا يمكن لحزب يرفض احتكار الدولة لعلاقاتها الخارجية أن يقدّم نفسه حارسًا للسيادة الوطنية.

الهزيمة التي ترفض الاعتراف بنفسها

المشكلة الحقيقية ليست في وقوع الهزيمة، فالتاريخ العسكري مليء بجيوش وحركات سقطت ثم أعادت بناء نفسها. المشكلة تبدأ حين يتحوّل إنكار الهزيمة إلى عقيدة. حينها، يصبح كل نقد خيانة، وكل مراجعة تآمرًا، وكل دعوة إلى الواقعية استسلامًا.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة اللبنانية الراهنة. فالحزب الذي يرفض الاعتراف بتغيّر موازين القوى، يضع لبنان كله في حالة انتظار مفتوح لحروب جديدة، فقط لتأجيل الاعتراف بما حدث.

وفي النهاية، لا تحتاج الهزائم الكبرى إلى بيانات اعتراف رسمية. أحيانًا تكفي آثارها: قيادات تُغتال، مدن تُدمَّر، جمهور ينزح وخصم يفرض شروطه الميدانية والسياسية.

أما أخطر ما في الأمر، فهو أن تتحوّل الهزيمة غير المعترف بها إلى عبء دائم على الدولة والمجتمع، بحيث يصبح الوطن كله رهينة سردية لا تسمح لنفسها بأن تقول الحقيقة.

وربما لهذا السبب تحديدًا، يبدو لبنان اليوم أمام معركة مختلفة: ليست معركة حدود فقط، بل معركة وعي سياسي، بين دولة تحاول النجاة من منطق الحروب الدائمة، وتنظيم لا يزال يعتقد أن الاعتراف بالخسارة أخطر من الخسارة نفسها.