لبنان بين نار الجنوب وطاولة واشنطن: هل تنجح المفاوضات حيث فشلت الحروب؟
في الشرق الأوسط، لا تأتي المفاوضات عادة بعد السلام، بل من قلب النار. هكذا يبدو المشهد اللبناني اليوم، عشية انطلاق الجولة الثالثة من المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية في واشنطن: بلدٌ يفاوض تحت القصف، وجنوبٌ يشتعل، فيما تحاول الدولة انتزاع فرصة أخيرة للخروج من زمن الحروب العبثية المفتوحة.
المفارقة القاسية أن لبنان يدخل هذا المسار التفاوضي فيما لا تزال الطائرات الإسرائيلية تعبر سماءه يوميًا، والغارات تتجاوز "الخط الأصفر" الذي رسمته إسرائيل جنوبًا، وصولًا إلى عمق البقاع ومناطقه الشمالية الواقعة شمال الليطاني. ومع ذلك، يبدو أن السلطة اللبنانية حسمت خيارها: التفاوض، مهما ارتفعت كلفة الضغوط العسكرية والسياسية، بات الطريق الوحيد المتاح أمام دولة أنهكتها الحروب والانهيارات.
الجولة الثالثة: ما الذي تغيّر؟
تحمل الجولة الثالثة من المفاوضات دلالات تتجاوز بعدها التقني، فهي الأولى التي تُعقد برئاسة السفير السابق سيمون كرم للوفد اللبناني، كما أنها تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها احتمالات التهدئة الأميركية – الإيرانية مع مخاطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
لكن الأهم أن هذه الجولة تؤكد أمرًا بدا، حتى وقت قريب، شبه مستحيل في الحياة السياسية اللبنانية: الدولة اللبنانية قررت المضي في التفاوض رغم اعتراض حزب الله وحلفائه.
هذه النقطة تحديدًا تحمل رمزية سياسية عميقة، فلبنان، الذي عاش لعقود تحت وطأة ازدواجية القرار بين الدولة والسلاح، يبدو وكأنه يحاول، ولو بحذر شديد، استعادة حقه الحصري في إدارة ملف الحرب والسلم.
التفاوض تحت النار: رسالة لبنانية إلى واشنطن
بحسب المعطيات المتداولة، طلب الجانب اللبناني من السفير الأميركي ميشال عيسى نقل رسالة مباشرة إلى واشنطن، تتعلق بضرورة ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل لوقف التصعيد الميداني قبل انطلاق المحادثات.
هذا الطلب لا يعكس فقط حاجة تقنية إلى أجواء تفاوضية هادئة، بل يكشف طبيعة المعضلة اللبنانية نفسها: كيف يمكن لدولة أن تفاوض فيما مدنها وقراها لا تزال تتعرض للقصف؟
ومع ذلك، فإن الإصرار الرسمي على استمرار المسار التفاوضي رغم التصعيد يوحي بأن بيروت تدرك أن أي تراجع الآن سيعني العودة إلى الحلقة المفرغة ذاتها: حرب بلا أفق، وهدنة بلا ضمانات، ودولة معلّقة بين الخوف والانهيار.
أولويات لبنان: تثبيت الهدنة قبل صناعة السلام
تبدو أجندة الوفد اللبناني واضحة نسبيًا: تثبيت وقف إطلاق النار بصورة نهائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإطلاق الأسرى، واستكمال انتشار الجيش اللبناني، وتهيئة الظروف لعودة النازحين إلى قراهم الحدودية.
هذه الأولويات تكشف أن لبنان لا يفاوض من موقع المنتصر، بل من موقع الدولة التي تحاول الحدّ من خسائرها واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار، لكنها تكشف أيضًا أمرًا آخر بالغ الأهمية، وهو أن الدولة اللبنانية بدأت تتصرف بوصفها المرجعية الوحيدة المعنية بالتفاوض، لا مجرد غطاء شكلي لقوى الأمر الواقع.
حزب الله: من الحرب المفتوحة إلى مأزق الاعتراض
في المقابل، يجد حزب الله نفسه في موقع معقّد، فالحزب الذي دفع لبنان إلى "حرب إسناد غزة"، ثم إلى ما سُمّي لاحقًا "حرب الثأر" لدم علي خامنئي، لم يتمكن من فرض معادلات ردع جديدة، رغم الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة التي دفعتها بيئته الحاضنة.
واليوم، مع انتقال الدولة إلى مسار تفاوضي مباشر، يبدو الحزب عاجزًا عن تعطيل هذا المسار بالكامل، وإن كان لا يزال يحاول محاصرته سياسيًا وإعلاميًا عبر حملات التخوين والضغط المعنوي.
لكن المشكلة الأعمق بالنسبة إليه أن استمرار المفاوضات يعني عمليًا انتقال مركز القرار تدريجيًا من "منطق المقاومة" إلى "منطق الدولة"، وهو تحوّل يهدد التوازن الذي قام عليه الحزب لعقود.
الجنوب يدخل مرحلة أخطر
ميدانيًا، لا تبدو إسرائيل في وارد تخفيف ضغطها العسكري قبل تثبيت شروطها. الغارات تتوسع، وإنذارات الإخلاء باتت تشمل مناطق شمال الليطاني، فيما تتحدث تل أبيب صراحة عن احتمال توسيع العملية البرية.
هذا التطور يعكس انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث لم تعد الضربات الجوية مجرد رسائل ردع، بل جزءًا من محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة، شبيهة بما فعلته إسرائيل سابقًا في غزة.
وفي المقابل، يواصل حزب الله إطلاق المسيّرات والصواريخ، في مشهد يبدو أقرب إلى إدارة استنزاف متبادل، لا إلى حرب قادرة على إنتاج حسم واضح.
الدبلوماسية الهادئة: الفاتيكان وأوروبا على الخط
بالتوازي مع المفاوضات، تتحرك الدبلوماسية اللبنانية في اتجاهات متعددة، من الفاتيكان إلى إيطاليا، في محاولة لحشد دعم دولي يواكب المسار الأميركي.
وتعوّل بيروت خصوصًا على الفاتيكان، ليس فقط لدوره المعنوي، بل لما يمثله من شبكة تأثير دولية قادرة على الدفع نحو تثبيت الاستقرار. أما الدعم الإيطالي والأوروبي للجيش اللبناني، فيعكس إدراكًا متزايدًا بأن أي تسوية مستقبلية لن تكون قابلة للحياة ما لم تستعد الدولة احتكارها الشرعي للقوة.
وفي الجوهر، لا تختبر هذه المفاوضات فقط فرص التهدئة مع إسرائيل، بل تختبر قدرة لبنان نفسه على التحول من ساحة مفتوحة إلى دولة تفاوض باسمها، لا باسم محاورها.
وهنا تكمن رمزية اللحظة الراهنة: فللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يبدو أن القرار الرسمي اللبناني يحاول أن يتحرك خارج الإيقاع التقليدي الذي فرضته الحروب الإقليمية.
سلام صعب أم بداية الخروج من الحرب؟
صحيح أن الطريق لا يزال محفوفًا بالمخاطر، وأن الجنوب يقف على حافة انفجار دائم، لكن مجرد انعقاد الجولة الثالثة يحمل دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها، وهي أن الدولة اللبنانية، رغم هشاشتها، بدأت تحاول استعادة صوتها.
ومع العلم أن هذه المفاوضات قد لا تنجح سريعًا، وقد لا تنتهي إلى اتفاق شامل، فإن قيمتها الحقيقية تكمن في شيء آخر: أن لبنان بدأ، للمرة الأولى منذ زمن طويل، يتعامل مع الحرب باعتبارها عبئًا يجب إنهاؤه، لا قدرًا دائمًا يجب التعايش معه.
وفي منطقة اعتادت تحويل الأوطان إلى ساحات صراع مفتوح، قد يكون هذا التحوّل بحد ذاته بداية سياسية تستحق التوقف عندها. فأحيانًا، لا يبدأ السلام بتوقيع اتفاق، بل بقرار دولة أن تتعب أخيرًا من الحروب.