لبنان في عين العاصفة بين جمر الحدود وحسابات الغرف المغلقة
يعيش اللبنانيون اليوم حالة من الترقب الثقيل، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الطائرات المسيّرة التي تجوب الأجواء، ولا حديث يسبق التساؤل الملحّ عن مصير غدٍ يبدو أكثر ضبابية من أي وقت مضى. إن المشهد الراهن لا يعبر فقط عن جولة عسكرية جديدة، بل عن لحظة فارقة يتقاطع فيها ضغط النار الإسرائيلي الذي تجاوز القرى الحدودية ليصل إلى عمق الساحل، مع ضغوط سياسية ومفاوضات دولية تُطبخ في واشنطن والعواصم الكبرى، لترسم ملامح لبنان لسنوات قادمة.
امّا على الأرض فقد تجاوز الأمر فكرة قواعد الاشتباك التقليدية، حين نرى النزوح المتكرر للعائلات من الجنوب والضاحية والساحل، وحين نشاهد احتراق السيارات على الطرقات الدولية، ندرك أن الحرب لم تعد مجرد عناوين في الأخبار، بل هي استنزاف بشري يومي.
الناس اليوم لا يتحدثون عن الانتصار أو الهزيمة بمفهومهما التجريدي، بل يتحدثون عن النجاة. الأمهات اللواتي يوضبن حقائب الطوارئ للمرة العاشرة، والآباء الذين يراقبون مدخراتهم المتآكلة بفعل الانهيار المالي المستمر منذ عام 2019، يمثلون الوجه الحقيقي للأزمة.
هؤلاء يواجهون سؤالاً وجودياً ويكررونه باستمرار، هل بقي لهذا الوطن قدرة على الاحتمال؟ ومن الناحية الاقتصادية لا يحتاج لبنان إلى غزو بري شامل ليعلن إفلاسه أو شلله. يكفي أن تشعر الأسواق بالقلق حتى يتوقف كل شيء، فحركة المطار والمرافئ التي كانت تمثل شريان الحياة الأخير، تترنح تحت وطأة التهديدات. والسياحة التي كانت توفر جرعة أكسجين مالي تبخرت، وأصحاب المصالح الصغيرة في صيدا وبيروت والمدن الساحلية باتوا يخشون الإغلاق النهائي، فالحرب هنا تضرب القوة الشرائية وتزيد من عزل لبنان عن محيطه، مما يجعل كلفة التصعيد العسكري عبئاً لا يستطيع المجتمع المنهك حمله، خاصة في ظل دولة فقدت الكثير من أدواتها السيادية والمالية.
وكذلك تبرز أزمة الهوية الوطنية بأقصى تجلياتها، فهناك انقسام حاد بين رؤيتين، احداها ترى أن حماية لبنان تكمن في انخراطه في صراعات إقليمية كبرى لفرض توازن رعب يمنع الاعتداءات الإسرائيلية، والأُخرى تصرّ على أن خلاص البلاد لا يكون إلا بالحياد والعودة إلى كنف الدولة والجيش اللبناني كمرجعية وحيدة للسلاح والقرار.
انّ هذا السجال لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح صراعاً على معنى الوطن، فهل لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية من غزة إلى إيران، أم هو دولة تسعى للعيش بسلام ضمن حدودها المعترف بها؟
وبينما تحاول القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ضبط إيقاع المواجهة لمنع انفجار إقليمي شامل، تبدو الدولة اللبنانية في موقف الضعيف الذي يحاول التفاوض بالحد الأدنى من الأوراق. هي مطالبة بتقديم ضمانات لا تملك بالضرورة القدرة الكاملة على تنفيذها، ومطالبة بإقناع شعبها بأن هناك ضوءاً في نهاية نفق التفاوض.
إن المأساة الحقيقية التي يشعر بها المواطن العادي هي أنه يجد نفسه وحيداً أمام هذا المصير. هو يعلم أن التسويات الكبرى غالباً ما تأتي على حساب الصغار، وأن الحروب حين تتوسع لا تميز بين انتماء سياسي وآخر.
الأولوية اليوم بالنسبة لغالبية اللبنانيين ليست في الشعارات، بل في استعادة الدولة لحيويتها وقرارها، لأن الانهيار الكامل يعني ضياع الوطن وتحوله إلى مجرد جغرافيا ممزقة، لا يستفيد منها إلا من يريد إبقاء لبنان صندوق بريد لا ينتهي نزيفه.