هستيريا الانتصار في زمن إنكار الهزيمة: كيف خسر "محور الممانعة" الحرب؟

من غزة إلى لبنان، مرورًا باليمن والعراق، وصولًا إلى إيران نفسها، تبدو الصورة أقرب إلى عقيدة متكاملة في "إنكار الهزيمة"، لا إلى مجرد محاولة دعائية عابرة لحفظ ماء الوجه.

لم تكن الحروب، في العلوم العسكرية التقليدية، تُقاس بالشعارات، ولا بخطب التعبئة العقائدية، ولا بعدد الأناشيد التي تُبثّ عقب انتهاء المعارك. كانت تُقاس بمعايير أكثر قسوة ووضوحًا: من بقي واقفًا على الأرض؟ من احتفظ بقراره السيادي؟ من استطاع حماية مدنه وسكانه؟ ومن فرض شروطه السياسية والعسكرية على الطرف الآخر؟

لهذا تحديدًا، تبدو مفارقة "محور الممانعة" منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى اليوم، واحدة من أكثر المفارقات السياسية والعسكرية غرابة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث: هزائم متراكمة بحجم الزلازل… يقابلها إصرارٌ هستيري على إعلان الانتصار.

من غزة إلى لبنان، مرورًا باليمن والعراق، وصولًا إلى إيران نفسها، تبدو الصورة أقرب إلى عقيدة متكاملة في "إنكار الهزيمة"، لا إلى مجرد محاولة دعائية عابرة لحفظ ماء الوجه.

طوفان الأقصى وغرق غزة

حين نفّذت حركة حماس عملية طوفان الأقصى، بدا المشهد في لحظته الأولى وكأنه اختراق استثنائي غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي، لكن الحروب لا تُقاس بلحظة الصدمة الأولى، بل بنتائجها النهائية.

وبعد ما يقارب العامين، تبدو الحصيلة الفلسطينية كارثية بكل المقاييس: قطاع غزة تحوّل إلى مساحة هائلة من الركام، مئات آلاف المدنيين شُرّدوا، البنية التحتية انهارت، والمشهد الإنساني عاد عقودًا إلى الوراء.

أما على المستوى العسكري والتنظيمي، فقد خسرت حماس معظم قيادات الصف الأول والثاني والثالث: يحيى السنوار داخل غزة، إسماعيل هنية في قلب طهران، وسلسلة طويلة من القادة الميدانيين والأمنيين.

والمفارقة الأكثر قسوة أن الحركة التي انتزعت القطاع بالقوة من السلطة الفلسطينية قبل نحو عقدين، وقدّمت نفسها يومها باعتبارها "حامية المشروع الوطني"، انتهت عمليًا إلى وضع غزة تحت أكبر كارثة وجودية عرفها الفلسطينيون منذ عقود.

ومع ذلك، لا يزال خطاب "النصر الإلهي" حاضرًا، كأن المدن المدمرة ليست حقيقية، وكأن المقابر الجماعية مجرد تفصيل عابر في بيانات التعبئة العقائدية.

لبنان: من الإسناد إلى الخراب المفتوح

في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، قرر حزب الله فتح الجبهة اللبنانية تحت عنوان "إسناد غزة"، لكن ما سُمّي لاحقًا بـ"حرب الإسناد" لم يؤدِّ فعليًا إلا إلى إسناد الخراب نحو الداخل اللبناني نفسه، فالجنوب اللبناني تعرض لدمار واسع: قرى أُفرغت من سكانها، بلدات سُويت أجزاء منها بالأرض، والبنية الاقتصادية والاجتماعية انهارت في مناطق كاملة.

أما الحزب نفسه، فقد تلقّى الضربة الأعنف في تاريخه: اغتيال حسن نصرالله، اغتيال هاشم صفي الدين، وتصفية قيادات الصفوف المتقدمة تباعًا.

ثم جاءت اختراقات 'البيجر' الشهيرة لتكشف أن البنية الأمنية التي طالما قُدمت باعتبارها "أسطورة استخباراتية" لم تكن عصية على الاختراق كما رُوّج طويلًا.

والنتيجة النهائية؟ لبنان الذي كان أصلًا يرزح تحت الانهيار الاقتصادي، دخل مرحلة إضافية من الاستنزاف والدمار والعزلة. ومع ذلك، استمر الحزب في مخاطبة جمهوره بلغة المنتصر، لا بل ذهب أبعد من ذلك، عبر محاولة التنمّر على الدولة اللبنانية نفسها، ورفض أي مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل، وكأن الحرب التي جرت لم تغيّر شيئًا في ميزان القوى ولا في وقائع الأرض.

حين تتحول "وحدة الساحات" إلى وحدة شعارات

أما في اليمن، فقد بدا الحوثيون كأنهم يؤدّون دورًا رمزيًا في مسرحية "وحدة الساحات". صواريخ ومسيّرات وخطابات حماسية... لكن الحصيلة الفعلية بقيت محدودة قياسًا بحجم الضجيج الإعلامي.

وفي العمق، لم يقدّم الحوثيون للمحور سوى الدور المرسوم لهم، فيما ظل اليمن نفسه غارقًا في أزماته البنيوية: فقر مدقع، اقتصاد منهار، ومجتمع يزداد تمزقًا... حتى بدا الأمر أحيانًا وكأن المنطقة تُدار بعقلية خليطٍ بين أوهام العقائد الثورية ومفاعيل نبتة القات الثقيلة على الإدراك السياسي والعسكري.

'الحشد' بين فائض السلاح وعجز المشروع

في العراق، لم يكن المشهد مختلفًا كثيرًا، فالحشد الشعبي الذي يُفترض أنه جزء من المنظومة الأمنية العراقية، بدا عاجزًا عن ترجمة فائض السلاح إلى فائض نفوذ حقيقي في معادلة الصراع الإقليمي.

ضربات إسرائيلية متكررة، اختراقات أمنية، ورسائل ردع واضحة… فيما بقي الخطاب التعبوي نفسه يتكرر بلا مراجعة ولا مساءلة، وكأن المطلوب من الجمهور فقط أن يصفق للهزيمة طالما أنها تُقدَّم له بعبارات أيديولوجية منمّقة.

حين يُصاب "رأس المحور"

لكن ذروة المفارقة ظهرت في إيران نفسها، فالدولة التي قدّمت نفسها لعقود باعتبارها "قلب محور المقاومة" و"حاملة لواء تحرير القدس"، وجدت نفسها أمام اختراقات أمنية وعسكرية غير مسبوقة.

وحين اغتيل المرشد الأعلى علي خامنئي، إلى جانب شخصيات رسمية أخرى، بدا واضحًا أن الصراع دخل مستوى مختلفًا تمامًا من حيث القدرة الإسرائيلية على الوصول إلى العمق الإيراني.

ومع ذلك، لم نشهد مراجعة حقيقية واحدة داخل بنية المحور. لا اعتراف بالهزيمة، لا مساءلة للخيارات، لا نقد ذاتي، ولا حتى محاولة عقلانية لتفسير كيف انتهى مشروع "تطويق إسرائيل" إلى تطويق العواصم العربية نفسها بالخراب.

الدولة التي لم تخسر حربًا

قد يكون من القسوة الاعتراف بذلك في الوجدان العربي، لكنه يبقى حقيقة سياسية وعسكرية يصعب تجاهلها: إسرائيل، منذ قيامها عام 1948، لم تُهزم عسكريًا في أي حرب وجودية خاضتها... انتصرت في حرب 1967، نجت استراتيجيًا من حرب 1973 رغم المفاجأة الأولى، خرجت متفوقة من حروب لبنان المتعاقبة، وها هي اليوم تعيد رسم خرائط النفوذ في غزة ولبنان وسوريا.

هذا لا يعني أخلاقيًا تبرئة إسرائيل من مسؤولياتها أو جرائمها أو سياساتها التوسعية، لكنه يعني ببساطة أن قراءة الحروب لا تتم بالرغبات الأيديولوجية، بل بالوقائع الصلبة على الأرض، فالطرف الذي يوسّع مناطق نفوذه، ويحتفظ بتماسك دولته، ويمنع انهيار مؤسساته، ويواصل فرض شروطه الأمنية، لا يمكن توصيفه عسكريًا بأنه "المهزوم".

بداية الخروج من "صندوق البريد"

وسط هذا المشهد المظلم، يبرز التحول اللبناني الرسمي كإشارة مختلفة، فمواقف الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، المتمسكة بخيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، لا تبدو مجرد مناورة ظرفية، بل محاولة لإعادة تعريف موقع لبنان نفسه: من وطنٍ يُستخدم كساحة لحروب الآخرين، إلى وطن يحاول استعادة قراره السيادي.

وهنا تحديدًا تكمن رمزية التحول الراهن، فلبنان، الذي دفع أثمانًا هائلة كـ"صندوق بريد" إقليمي لعقود طويلة، يبدو اليوم وكأنه يحاول العودة إلى فكرته الأصلية: وطن-رسالة، لا وطن-ميليشيا. وطن حياة، لا منصة حروب مفتوحة.

الهزيمة التي لا يُعترف بها أخطر من الهزيمة نفسها

في العلوم السياسية والعسكرية، ليست الهزيمة أخطر ما يمكن أن يصيب الجماعات العقائدية، بل العجز عن الاعتراف بها؛ لأن الاعتراف بالهزيمة يفتح الباب أمام المراجعة والتصحيح وإعادة البناء. أما إنكارها، فيحوّل الكارثة إلى عقيدة دائمة.

وهذا تحديدًا ما يبدو أن مكونات "وحدة الساحات" لم تدركه بعد: غزة مدمرة، لبنان مستنزف، اليمن غارق، العراق مرتبك، وإيران نفسها مثخنة بالاختراقات.

ومع ذلك، لا يزال خطاب "النصر" يُرفع فوق الركام. ربما لأن بعض المشاريع الأيديولوجية لا تستطيع العيش من دون وهم الانتصار، حتى لو احترقت المنطقة بأكملها تحت أقدامها... وحسبي أن العقائد حين تُبنى على الخوف والذاكرة الجريحة يمكن أن تتحول، مع الوقت، إلى بديلٍ عن الحياة نفسها.