'الفساد العالمي' من معضلة بنيوية إلى حلول عالمية
يأتي كتاب "الفساد العالمي: الأسباب والآثار وسبل المكافحة على المستويين الإقليمي والمحلي" للمؤلف د. الشامي السنجري الصادر عن دار ليفانت للدراسات الثقافية والنشر، ليسلط الضوء على واحدة من أخطر القضايا التي تواجه المجتمعات والدول في العصر الحديث، من خلال قراءة تحليلية شاملة لأسباب الفساد وتداعياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب استعراض أبرز الآليات الدولية والوطنية لمواجهته. ويقدّم الكتاب رؤية مقارنة تجمع بين التجارب العالمية والعربية، بما يفتح الباب أمام استخلاص دروس عملية يمكن الاستفادة منها في تعزيز الشفافية وترسيخ مبادئ النزاهة والحوكمة الرشيدة.
يقول الكاتب في مقدمة الكتاب إن الفساد في العقود الأخيرة أضحى إحدى أكثر الظواهر تعقيدًا وإشكالية في بنية الدولة الحديثة، لما ينطوي عليه من تهديد مباشر لأسس الحكم الرشيد، وتقويض لمبادئ سيادة القانون، وإضعاف لفعالية السياسات العامة، فضلًا عن تأثيره العميق في مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فلم يعد الفساد ظاهرة عرضية أو سلوكًا فرديًا معزولًا، بل أصبح في العديد من الدول ظاهرة بنيوية وممنهجة، تتشابك فيها المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية، وتنعكس آثارها السلبية على ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وعلى كفاءة الأداء الحكومي، وعلى قدرة الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
يهدف الكتاب إلى تقديم دراسة تحليلية شاملة ومتعددة الأبعاد لظاهرة الفساد، تجمع بين التأصيل النظري والتحليل القانوني والمقاربة المقارنة، مع التركيز على آليات مكافحته على المستويين الدولي والوطني، وتحليل نماذج وتجارب دولية مختلفة ويسعى الكتاب إلى الإجابة عن عدد من التساؤلات من قبيل: ما المقصود بالفساد؟ وما أنواعه وأسبابه الرئيسة؟ وما أبرز الآثار المترتبة عليه؟ وما مدى فاعلية الأطر القانونية والمؤسسية الدولية والوطنية في مكافحته؟ وإلى أي مدى يمكن الاستفادة من التجارب المقارنة في صياغة سياسات أكثر فاعلية لمواجهة الفساد في السياقات الوطنية المختلفة؟
مفهوم الفساد
يُعَدّ الفساد من المفاهيم التي حظيت باهتمام بالغ في مختلف الأدبيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، كما ورد ذكره في الكتب السماوية كافة، تنبيهًا لخطورة الظاهرة وآثارها المدمرة على الفرد والمجتمع.
يُشير معنى الفساد في اللغة إلى العطب أو الخلل أو الانحراف عن الأصل السليم، ويُستخدم للتعبير عن ضدّ الصلاح، ومن ثمّ فإنّ المفهوم اللغوي يضع أساسًا عامًا لفهم الفساد بوصفه انحرافًا عن القواعد والمعايير المستقرة.
أما مفهوم الفساد اصطلاحًا فهو إساءة استعمال السلطة أو الوظيفة العامة لتحقيق مكاسب خاصة، سواء أكانت مادية أم معنوية، وبهذا المعنى يتضمن صورًا متعددة من الممارسات، مثل الرشوة، والمحسوبية، والاختلاس، وإساءة استخدام النفوذ، وغيرها من الأفعال التي تُلحق الضرر بالمصلحة العامة.
النظريات التي تفسر الفساد
تناول عدد من الباحثين والمفكرين ظاهرة الفساد من زاوية دينية معتبرين أن للعامل الديني دورًا محوريًا في تفسير هذا السلوك المنحرف ويستند هذا التفسير إلى فرضية أساسية مفادها أن ضعف الوازع الديني لدى الأفراد يُعدّ من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى ارتكاب أفعال الفساد.
المنظور الديني للفساد
وفقًا لهذا المنظور، فإن الإنسان إذا افتقر إلى الضوابط الدينية الداخلية التي تعمل بمثابة كوابح أخلاقية وسلوكية، يصبح عرضة للانقياد وراء نزواته مما يؤدي به إلى انتهاك القيم والمعايير التي يقرها الدين والمجتمع، فغياب الوازع الديني لا يفرّغ الإنسان فقط من منظومة الضبط الذاتي، بل يدفعه إلى التمرد على القواعد الأخلاقية والدينية مما يعزز من احتمالية وقوعه في الفساد والانحراف وعلى الرغم من أن هذا التفسير يواجه إشكاليات منهجية تتعلق بصعوبة قياس "الوازع الديني" باعتباره متغيرًا نفسيًا داخليًا، إلا أن بعض علماء الاجتماع – مثل إميل دوركايم – أشاروا إلى وجود علاقة بين طبيعة القيم الدينية في المجتمع وانتشار بعض الظواهر الاجتماعية المنحرفة كالجريمة والانتحار، الأمر الذي يُكسب هذا التوجه نوعًا من المشروعية العلمية.
أسباب الفساد
الأسباب السياسية
تُشكّل البيئة السياسية أرضية خصبة لانتشار الفساد في حال غياب الشفافية والمساءلة وضعف الفصل بين السلطات.
الأسباب الاقتصادية
يُعدّ الجانب الاقتصادي من أبرز الحقول التي تُغذّي الفساد، بحكم ارتباطه المباشر بالموارد والمال العام. وتشمل أسبابه: التفاوت الكبير في توزيع الثروة، وضعف العدالة الاجتماعية وانتشار البطالة والفقر.
الأسباب الاجتماعية والثقافية
تتجذر بعض مظاهر الفساد في البنى الاجتماعية والقيم الثقافية السائدة. ففي المجتمعات التي تسود فيها العلاقات التقليدية القائمة على القبلية أو العشائرية يُقدَّم الولاء الشخصي والعائلي على حساب مبدأ الكفاءة والجدارة، مما يُرسّخ ثقافة المحسوبية والوساطة كما يُسهم ضعف مستويات التعليم والوعي المجتمعي في تقبّل الفساد بوصفه ممارسة طبيعية أو "شرًّا لا بد منه".
آليات مكافحة الفساد
نظرًا للطابع العابر للحدود الذي تتسم به ظاهرة الفساد، لم تعد مواجهته حكرًا على الجهود الوطنية فحسب بل غدت تستدعي تعاونًا دوليًا وإقليميًا منظمًا، يقوم على الاتفاقيات والمعاهدات متعددة الأطراف إضافة إلى تفعيل آليات التعاون بين الدول في مجالات التحقيق القضائي واسترداد الأموال المنهوبة.
الإطار القانوني الدولي
استجابةً لتزايد الحاجة إلى آلية دولية تُعزّز التعاون لاسترداد الأموال، أُطلقت مبادرة StAR رسميًا في سبتمبر/أيلول 2007م على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، كبرنامج مشترك بين البنك الدولي لدعم الدول المتضرّرة من تهريب الأصول المنهوبة.
اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد
تُعد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2003م حجر الزاوية في الجهود الدولية لمواجهة الفساد وهي أول وثيقة دولية شاملة تتناول مختلف مظاهر الفساد، وتشمل عدة محاور منها:
- التدابير الوقائية مثل تعزيز الشفافية ووضع نظم فعالة للمشتريات العامة، واعتماد مدونات سلوك للموظفين العموميين.
- التجريم وإنفاذ القانون وتشمل تجريم الرشوة، الاختلاس، وغسيل الأموال.
- التعاون الدولي يهدف إلى تسهيل تسليم المجرمين وتبادل المعلومات القانونية بين الدول الأطراف.
وقد صادقت على الاتفاقية أكثر من 190 دولة حتى عام 2024م، مما يجعلها الإطار العالمي الأكثر شمولًا في مكافحة الفساد.
بعض التجارب في مكافحة الفساد
تميزت بعض الدول الآسيوية بقدرتها على تحقيق نجاحات بارزة في مجال مكافحة الفساد وتبرز تجارب سنغافورة، وهونغ كونغ، وماليزيا، بوصفهم أمثلة رائدة في بناء أنظمة فعّالة للحد من الفساد، حتى أصبحوا نماذج يحتذى بهما على الصعيد الدولي.
التجربة السنغافورية – نموذج الحزم المؤسسي والرقابة الصارمة
تُعد سنغافورة من أهم النماذج التي استحوذت على اهتمام الباحثين بسبب نجاحها في تقليص الفساد بشكل جذري خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.
وقد حققت سنغافورة إنجازًا ملحوظًا في مكافحة الفساد، إذ تحوّلت خلال عقود قليلة من دولة صغيرة تعاني من الفقر وقلة الموارد إلى واحدة من أكثر الاقتصادات كفاءةً وشفافيةً عالميًا، ويعود نجاحها إلى مجموعة من العوامل، من أبرزهاالإرادة السياسية القوية ، والإطار المؤسسي الفاعل ، والإصلاحات التشريعية والإدارية وشملت هذه الإصلاحات سن قوانين صارمة، ورفع رواتب الموظفين العموميين لتقليل دوافع الرشوة، وتطبيق معايير صارمة للشفافية في المشتريات الحكومية وتشير تقارير منظمة الشفافية الدولية إلى أن سنغافورة قد تصدرت قائمة الدول الأكثر نزاهة عالميًا وفق مؤشر مدركات الفساد لسنوات متتالية بالإضافة إلى بناء ثقافة عامة ترفض الفساد وتعتبره تهديدًا للأمن الوطني.
إن مكافحة الفساد لم تعد خيارًا سياسيًا أو إداريًا فحسب، بل أصبحت ضرورة حتمية لضمان استقرار الدول وتحقيق التنمية المستدامة وحماية مقدرات الشعوب. ومن خلال استعراض التجارب الدولية والوطنية تتأكد أهمية بناء منظومة متكاملة تقوم على التشريعات الفاعلة، والمؤسسات الرقابية المستقلة، وتعزيز قيم الشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة. كما أن نجاح جهود مكافحة الفساد يرتبط بوجود إرادة سياسية حقيقية، وتعاون مؤسسي ومجتمعي واسع إلى جانب الاستفادة من الخبرات الدولية بما يتلاءم مع خصوصية كل دولة وتحدياتها.
