ماذا كان سيقول إدغار موران عن حروب الشرق الأوسط الجديدة
برحيل عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام، لا يغيب مجرد مفكر كبير ترك بصمته على الفكر الإنساني المعاصر، بل يغيب أيضًا أحد آخر الأصوات التي حاولت، على امتداد أكثر من ثمانية عقود، الدفاع عن فكرةٍ تبدو اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: ضرورة مقاومة اليقينيات المطلقة.
كان موران يرى أنّ العالم أعقد من أن يُختزل في تفسير واحد، وأنّ الإنسان ميّال بطبيعته إلى البحث عن منظومات فكرية تمنحه الطمأنينة والمعنى والانتماء. لكن الخطر يبدأ، في رأيه، عندما تتوقف هذه المنظومات عن إدراك حدودها، وتتحول من أدواتٍ لفهم الواقع إلى بدائل عن الواقع نفسه.
في مقابلة أجرتها معه مجلة 'عالم الأديان' الفرنسية عام 2012، أطلق موران عبارة تكاد تبدو وكأنها كُتبت خصيصًا لفهم ما جرى في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة: "الأسطورة لا تدرك أنها أسطورة، وتخال نفسها واقعًا حقيقيًا".
يصعب العثور على مفتاح تفسيري أكثر قدرة من هذه العبارة على مقاربة المشهد الذي تشكّل منذ السابع من أكتوبر 2023، يوم أطلقت حركة حماس عملية 'طوفان الأقصى'، وما تلاها من حروب إسناد في لبنان واليمن والعراق، وصولًا إلى المواجهة المباشرة وغير المسبوقة مع إيران نفسها.
فإذا كانت التحليلات السياسية والعسكرية قد انشغلت بتوازنات القوى وحسابات الردع ومسارات التصعيد، فإنّ جانبًا آخر من القصة بقي أقل تناولًا، وهو الجانب المتعلق بالقوة الهائلة التي تمارسها السرديات العقائدية والأسطورية على سلوك الجماعات والدول.
حين تتحول السياسة إلى عقيدة
لم تكن عملية 'طوفان الأقصى' بالنسبة إلى مؤيديها مجرد عملية عسكرية. لقد قُدّمت منذ لحظاتها الأولى بوصفها حدثًا مؤسسًا، يكاد يلامس في رمزيته حدود المقدس. وسرعان ما انتقلت هذه الرمزية إلى ما عُرف لاحقًا بمحور الإسناد، حيث أُعيد تقديم المواجهة ضمن سردية كبرى تتجاوز حدود غزة نفسها لتشمل لبنان واليمن والعراق، ثم إيران لاحقًا.
في المقابل، لم تكن إسرائيل تتحرك هي الأخرى ضمن حسابات أمنية بحتة. فداخل المجتمع الإسرائيلي، وخصوصًا في أوساط اليمين القومي والديني، برزت بقوة سرديات تاريخية ودينية تعتبر الصراع معركة وجودية تتجاوز حدود السياسة التقليدية.
وهكذا، بدا الشرق الأوسط وكأنه يتحول تدريجيًا إلى مساحة تتواجه فيها روايات كبرى أكثر مما تتواجه فيها جيوش فقط.
في مثل هذه اللحظات، يصبح من الصعب على الأطراف المختلفة رؤية الواقع كما هو. فكل طرف يبدأ بالنظر إلى نفسه باعتباره حاملًا لحقيقةٍ نهائية، فيما يُختزل الخصم إلى تجسيدٍ للشر أو للانحراف أو للعقبة التي يجب إزالتها من الطريق.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية تحذير موران. فالأسطورة لا تكمن خطورتها في كونها وهمًا كاملًا، بل في احتوائها على قدرٍ من الحقيقة يجعلها قابلة للتصديق. لكنها تتحول إلى خطرٍ عندما تتوقف عن الاعتراف بأنها مجرد إحدى طرق تفسير العالم، وتبدأ باعتبار نفسها العالم ذاته.
القداسة العقائدية ومأزق الواقع
خلال العقود الماضية، اعتاد الشرق الأوسط إنتاج مشاريع سياسية محمولة على وعود كبرى. مرة باسم القومية، ومرة باسم الاشتراكية، ومرة باسم التحرر الوطني، ومرة باسم الدين. لكن القاسم المشترك بين معظم هذه المشاريع كان الاعتقاد بأنّ التاريخ يسير في اتجاهٍ محدد سلفًا، وأنّ النصر النهائي ليس احتمالًا من بين احتمالات متعددة، بل قدر محتوم.
ولعل هذا ما يفسر عودة مفهوم 'القداسة العقائدية' إلى الواجهة في السنوات الأخيرة، فحين تكتسب الأفكار طابعًا مقدسًا، يصبح التشكيك فيها أقرب إلى الخيانة. وحين تُقدَّم الخيارات السياسية باعتبارها واجبات عقائدية، تتراجع المساحات الرمادية التي تسمح بالمراجعة والنقد والتصحيح.
غير أنّ الوقائع التي أعقبت السابع من أكتوبر كشفت مرة أخرى الفجوة العميقة بين قوة السردية وقوة الواقع. فبعد عشرات آلاف القتلى والجرحى والنازحين، وبعد الدمار الهائل الذي أصاب غزة وأجزاء واسعة من جنوب لبنان، وبعد انتقال المواجهة إلى مستويات إقليمية غير مسبوقة، بدا أنّ الواقع العسكري والسياسي أكثر تعقيدًا بكثير من التصورات التي حملتها مختلف الأطراف عن نفسها وعن خصومها.
لم يتحقق الحسم الذي تخيّله كثيرون. ولم تتحقق النهايات التاريخية التي بشّرت بها خطابات كثيرة. بل وجد الجميع أنفسهم أمام واقع أكثر التباسًا، وأقل قابلية للسيطرة مما كانوا يعتقدون.
من الآلهة إلى الإيديولوجيات
في حديثه عن الدين، لم يكن موران يدعو إلى القضاء على المعتقدات أو إلى إقصاء المقدس من حياة البشر. على العكس، كان يعتبر أنّ الإنسان سيستمر دائمًا في إنتاج الأساطير والمعاني الكبرى.
لكنه كان يلفت النظر إلى حقيقة أخرى أكثر أهمية: حين تموت أسطورة، غالبًا ما تحل محلها أسطورة جديدة. ولهذا لم يتردد في اعتبار الشيوعية، في بعض تجلياتها، دينًا أرضيًا له شهداؤه وأبطاله ووعوده بالخلاص.
هذه الملاحظة تبدو بالغة الأهمية اليوم في الشرق الأوسط، فالمشكلة ليست في وجود الدين بحد ذاته، ولا في حضور الإيمان داخل المجال العام، بل في تحول أي فكرة ــ دينية كانت أم قومية أم ثورية أم سياسية ــ إلى يقين مغلق يرفض مراجعة نفسه.
فعندما تتوقف الجماعات عن محاورة أفكارها، تبدأ الأفكار بمصادرة الجماعات نفسها. وعندما تصبح العقيدة أكبر من الإنسان، يصبح الإنسان مستعدًا للتضحية بكل شيء من أجل إثبات صحة العقيدة.
الشرق الأوسط بين الإيمان والمراجعة
ربما كان أعظم ما تركه إدغار موران للأجيال اللاحقة هو دعوته الدائمة إلى التواضع الفكري. فالعالم، في نظره، أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في رواية واحدة، والإنسان أكثر هشاشة من أن يمتلك الحقيقة كاملة.
ولعل الشرق الأوسط يحتاج اليوم إلى هذا الدرس أكثر من أي وقت مضى، فبعد سنوات طويلة من الحروب والثورات والانقسامات والمشاريع الكبرى، تبدو المنطقة وكأنها تقف أمام سؤال لم يعد من الممكن الهروب منه: هل تكمن القوة الحقيقية في التمسك بالأساطير حتى النهاية، أم في امتلاك الشجاعة الكافية لمراجعتها؟
لقد رحل إدغار موران، لكن سؤاله ما زال حاضرًا بقوة، فأخطر الأساطير ليست تلك التي نؤمن بها، بل تلك التي تمنعنا من إدراك أننا نؤمن بها أصلًا.