نرجسية المبدع وبراغماتية المصلحة

مطابخ صناعة الأفلام والمهرجانات السينمائية المغربية تتحول فيها الكواليس إلى ساحة صراع بين طغيان 'الأنا' ونفعية العلاقات، وتغدو الاستقلالية المالية أعلى درجات الشجاعة المهنية.

تتعذر مقاربة الحقل السينمائي المعاصر باعتباره فضاءً جمالياً معزولاً ينتج الفن من أجل الفن، إذ هو بنية سوسيولوجية وسيكولوجية معقدة تتداخل في ردهاتها المصالح المادية بالنزعات الذاتية. ولهذا فإن الكواليس الفنية والمهرجانات تشكل منصات لعرض الأفلام، بوصفها مسارح حية تتواجه فيها قوتان محركتان للوجدان والسلوك: قوة نرجسية المبدع التي ترى في المنجز الفني امتداداً وجودياً مقدساً لذاتها، وقوة براغماتية المصلحة التي تحول العلاقات الإنسانية إلى عملات نفعية قابلة للتداول والتبادل والتوظيف الفوري.

ومن هذا المنطلق تبرز الإشكالية الجوهرية التي يطرحها هذا المقال: كيف يتشكل هذا المستنقع السلوكي بين طغيان الأنا ونفعية المصلحة في كواليس المهرجانات السينمائية؟ وكيف يمكن للناقد المستقل أن يبني قلمًا مهيبًا ودبلوماسياً يستشرف الحقيقة ويفكك آليات الكيد والتملق والنفاق اليومي دون أن تسحقه المنظومة أو تلوث نزاهته الفكرية؟ وما هي حدود التماس والخلط المعرفي والمهني في عقلية هذا الوسط بين الخطاب النقدي المستقل وأشكال الكتابة الترويجية المدفوعة؟

تنطلق نرجسية المبدع أساساً من ارتباط وجداني معقد بين صانع الفيلم ومنجزه، إذ يرى في الفيلم منتجاً صناعياً أو تعبيراً وثائقياً جافاً، يسكب فيه شظايا من روحه وتصوراته الوجودية الحميمة. وبناءً عليه تصبح هذه الأنا المتضخمة ضرورية سيكولوجياً لفرض الرؤية الإبداعية في بيئة تنافسية، لكنها تتحول إلى أزمة تفاعلية حادة عندما يعجز المبدع عن فصل ذاته الإنسانية عن موضوعه الفني الساعي للتداول العام. وتبرز الإشكالية هنا في تحول هذه النرجسية الخلاقة إلى حصن دفاعي مرضي يرفض الشراكة الفكرية، بحيث تصبح رغبة المبدع الكامنة هي انتزاع اعتراف كلي ومطلق من الآخر دون قيد أو شرط. ونتيجة لذلك يمنع هذا التماهي الفنان من رؤية الخلل البنيوي في عمله، ويحيل المشهد الفني إلى ساحة صراع ذاتي يتغذى على وهم التميز المطلق وإلغاء الآخرين ممن يتقاسمون معه نفس الفضاء الإبداعي والمهني.

ويواجه العمل الفني قراءة نقدية تفكيكية تكشف عيوبه البنيوية أو الجمالية، فتتحرك الآليات الدفاعية لنرجسية المبدع بشكل شرس لصد هذا التهديد الوجودي المفترض. ونظراً لأن المبدع المصاب بنرجسيته يفتقد الكفاءة النفسية لمناقشة الدليل السينمائي أو الحجة الفنية، فإنه يتجه فوراً نحو شخصنة الصراع كوسيلة للهروب من مواجهة الخلل الحقيقي في منجزه. وتتمثل الإشكالية هنا في قيام المنظومة الفنية بتأطير النقد النزيه باعتباره عداءً شخصياً، أو تصفية حسابات ضيقة، أو سعياً وراء الشهرة الزائفة، وهي اتهامات مكررة لحجب الحقيقة. ومن ثم فإن هذا التشويه المتعمد يهدف إلى إسقاط السلطة الاعتبارية للناقد وتحويل النقاش من رصانة التفكيك الفني إلى معارك جانبية تستنزف طاقة القلم المهيب وتدفعه نحو الانكفاء والدفاع عن نزاهته عِوَضَ ممارسة دوره المعرفي.

تحكم براغماتية المصلحة الحقل السينمائي باعتبارها العقل التنظيمي المدبر الذي يوجه تدفق الأموال والجوائز وفرص الانتشار الدولي والوطني، خاصة وأن النرجسية هي المحرك العاطفي للوسط الفني. فالسينما و مهرجاناتها فن مكلف يتطلب تمويلات ضخمة وشبكات علاقات معقدة، الأمر الذي يفرض على الفاعلين تبني سلوكيات نفعية صرفة تتناقض غالباً مع الشعارات الإنسانية التي يرفعونها في أفلامهم وأنشطتهم. وتطرح هذه البراغماتية إشكالية حادة تتعلق بأخلاقيات الممارسة الفنية، إذ تصبح التحالفات هشة ومؤقتة، تُبنى وتُهدم على رقعة المصالح المتغيرة وصناديق الدعم المالي. ووفقاً لهذا النمط النفعي يتحول الحقل الثقافي إلى سوق للمقايضات الرمزية والمادية، بحيث يُقاس الأفراد بكفاءتهم الإبداعية أو النقدية، وإنما يقاسون بمدى قدرتهم على تقديم خدمات متبادلة وتسهيل تمرير المشاريع في ردهات ومكاتب صناع القرار.

ويُعد التملق في الأوساط السينمائية استراتيجية سلوكية واعية ومدروسة بعناية، فهو هفوات لسان عفوية أو مجاملات اجتماعية عابرة بين الزملاء في المهنة. إذ يتملق المخرج الشاب المنتج النافذ، ويتملق الممثل المخرج الذي يملك سلطة توزيع الأدوار، ويتملق مسؤولو الفعاليات الفنية الممولين والنقاد البارزين لضمان تغطيات إيجابية مستمرة. والإشكالية هنا تكمن في شرعنة هذا النفاق وتثبيته كـ بروتوكول تواصل رسمي يتعذر بدونه اختراق شبكة العلاقات الفنية المعقدة أو الاستمرار فيها. وبسبب هذا الاستثمار السلوكي منخفض التكلفة وعالي المردود تنشأ بيئة طاردة للكفاءات الحقيقية وأصحاب المبادئ، مما يؤسس لثقافة الزيف التي تمنح الجوائز والمكانة لمن يجيد اللعبة الدبلوماسية الملتوية على حساب من يقدم الفن الصادق.

وتشكل مقاهي المهرجانات وتجمعات الفنادق الفضاء المكاني الأبرز لتجلي تقاطعات نرجسية المبدع وبراغماتية المصلحة، حين تتحول هذه الأماكن المفتوحة إلى مختبرات لصناعة المؤامرات الصغيرة والكيد. ففي هذه التجمعات تسود ظاهرة تبادل القبل والابتسامات العريضة أمام الكاميرات وفي الردهات، بينما في اللحظة التي يدير فيها أحدهم ظهره، تبدأ سكاكين النميمة والاغتيال المعنوي في العمل بنشاط. وتظهر الإشكالية السلوكية هنا في حالة الفصام الحاد التي يعيشها الفاعلون، إذ يتم إخفاء الصراعات الوجودية العميقة خلف أقنعة الدبلوماسية الزائفة والترحيب المبالغ فيه. وبما أن هذا التناقض الصارخ هو ما يسبب ألماً نفسياً حقيقياً وضيقاً لأي ناقد نزيه يمتلك حساً أخلاقياً، فإنه يجد نفسه محاصراً ببيئة موبوءة تفصل تماماً بين المبدأ والممارسة.

ويندفع صناع الأفلام ومدراء المهرجانات البراغماتيون بوعي كامل نحو استدراج النقاد المستقلين ومحاولة التقرب منهم، لعلمهم اليقين بأن الكلمة المكتوبة تمتلك سلطة اعتبارية ووثائقية قادرة على توجيه الرأي العام. وتبعاً لذلك يسعى بعض المخرجين و ارباب المهرجانات إلى همس عيوب أفلام منافسيهم في أذن الناقد، محاولين تحويل قلمه النزيه إلى "بندقية للإيجار" لتصفية حسابات شخصية أو إزاحة خصم من طريق صناديق الدعم. وتبرز الإشكالية في مدى قدرة الناقد على التفطن لهذه الألعاب السيكولوجية الملتوية والامتناع عن الانجرار وراء المعارك الهدامة التي تخدم الفن السينمائي. وبما أن الوقوع في فخ الاستدراج يسقط الهيبة المهنية للناقد فوراً ويجعله أداة طيعة في أيدي المتنافسين, فإن الضرورة تفرضه نحو تبني يقظة فكرية صارمة تفرق بين الشهادة الفنية الصادقة والشهادة بالوكالة.

وتتحرك أدوات الردع المؤسساتي عندما يفشل الوسط البراغماتي في استمالة الناقد عبر المديح المتبادل أو الامتيازات الخاصة، وتصر الكلمة الحرة على كسر جدار التواطؤ الجمعي وكشف سوء التنظيم أو رداءة المحتوى. وتتنوع هذه الأدوات بين محاولات الترهيب، والإقصاء من التظاهرات، والابتزاز اللوجستي كالمطالبة بإخلاء الفندق أو سحب بطاقات الاعتماد الرسمية بشكل غير قانوني. وتتجلى الإشكالية هنا في غياب الوعي المؤسساتي والحكامة الإدارية لدى بعض منظمي الفعاليات الذين يخلطون بين واجب الضيافة وبين فرض الوصاية الفكرية على الضيوف. إن مواجهة هذا التعسف تتطلب من الناقد تفعيل الردع القانوني والالتزام بالوثائق الرسمية، تماشياً مع مبدأ أن الهيبة لا تُستمد من الهبات اللوجستية، وأنما من الشرعية المهنية والصلابة الأخلاقية.

وتعاني المجتمعات الفنية العربية من أمية معرفية ومهنية حادة تتجلى في العجز عن التمييز بين المقال النقدي التفكيكي وبين المادة الترويجية المدفوعة، إذ يعتقد الكثير من صناع الأفلام والمنظمين أن دعوة الناقد أو توفير إقامة له تعني آلياً شراء قلمه لكتابة مادة دعائية ترويجية تحت الطلب، متناسين القوانين المهنية المعترف بها عالمياً. وتطرح هذه الظاهرة إشكالية بنيوية تتعلق بتعريف وظيفة الصحافة الثقافية؛ فالكتابة الترويجية الإشهارية لها قنواتها التجارية الواضحة ومصطلحاتها المعروفة مثل المقال الترويجي، وهي تختلف بنيوياً وأخلاقياً عن النقد السينمائي. ومن جراء هذا الخلط يندفع الوسط الفني لمطالبة الناقد بالقيام بدور رجل العلاقات العامة، وعندما يرفض ممارسة هذا الدور التجاري ويمارس نقداً علمياً حقيقياً، يُتهم بالخيانة وعدم العرفان بجميل الاستضافة.

وتخضع الصحافة الثقافية والسينمائية عالمياً لمعايير صارمة تفصل بوضوح بين النقد الإبداعي والمحتوى الإشهاري المدفوع، مثل دليلي الشركة المهنية للصحافة الثقافية والمحتوى الترويجي و اللذين يؤكدان على استقلالية الكاتب. وتأسيساً على ذلك فإن المقال الترويجي يكتبه قسم العلاقات العامة أو ناقد مهني يعكل ايضا كصحفي  بطلب من شركة الإنتاج، ويوضع فوقه وسم واضح مثل "مادة إعلانية" لإعلام القارئ بالبعد التجاري للمادة. أما المقال النقدي فهو قراءة جمالية مستقلة تماماً تخضع لرقابة المخرج أو المنتج، وإن تمت تغطية تكاليف سفر الناقد من قبل المهرجان، تماشياً مع البروتوكول الدولي المعمول به في كان وفينيسيا. وتكمن الإشكالية في غياب هذا الفصل المهني محلياً، حينما يريد صانع الفيلم الحصول على بروموشن ترويجي مجاني متنكر في زي مقال نقدي، عاجزاً عن فهم أن النزاهة النقدية هي التي تمنح المهرجانات شرعيتها الدولية.

وجب على الناقد الدبلوماسي تبني استراتيجية الانفصال الشعوري والارتقاء السيكولوجي لحماية الذات من التآكل النفسي أمام أمواج النفاق والتملق اليومي في المقاهي والتجمعات السينمائية. ويتطلب هذا التوجّه النظر إلى الوسط الفني بعيون عالم الأنثروبولوجيا الذي يراقب سلوكيات قبيلة تخضع لطقوس خاصة، وهذا يحول ألم الضيق إلى مادة معرفية خام للفهم والتفكيك. وتبرز الإشكالية الوجودية في كيفية الحفاظ على هذا التوازن الدقيق: حضور فاعل ورزين في الندوات والعروض، وغياب استراتيجي عن جلسات النميمة الطويلة التي تسقط الهيبة المهنية. إن صناعة مسافة الأمان الاحترافية، والاعتماد على لغة تقريرية جافة وصارمة في نقد المؤسسات والظواهر، هما الكفيلان بجعل القلم مهيباً يُحسب له ألف حساب، وبذلك يجبر المنافقين على التراجع تلقائياً لعدم وجود بيئة خصبة لألاعيبهم.

يكشف الواقع المر لادعاءات الكمال المطلق داخل الوسط الفني عن اضطرابات سيكولوجية عميقة تستوجب الرعاية والعلاج، فكل ممثل يتوهم أنه الأفضل، وكل مخرج يظن أنه الأوحد، وكل سيناريست يرى في نصه الذروة التعبيرية، وكل مدير مهرجان يعتقد أنه أحسن مسير فوق الأرض، يعانون في الواقع من نرجسية مرضية حادة تتطلب تقويماً نفسياً عاجلاً. وتطرح هذه العقلية المتصلبة إشكالية بنيوية خطيرة في فهم ماهية الإبداع الإنساني، فكل عمل فني أو إداري يحمل في طياته بطبيعة الحال مزيجاً من الإيجابيات والسلبيات، النواقص والكمالات. ومن ثم، فإن المبدع السليم في نفسه وعقله، والمثقف الحقيقي في مجاله، هو من يمتلك النضج النفسي والمعرفي الذي يجعله يؤمن بهذه القاعدة الكونية الثابتة، ويتقبل مبدأ النسبية عِوَضَ الغرق في أوهام العظمة والعجز عن رؤية الخلل الذاتي.