حين تفرض الجغرافيا شروطها على خصوم الأمس

حزب الله يدرك أن فتح جبهة خلاف أو صدام مع القيادة الجديدة في دمشق سيكون خطأً استراتيجياً مكلفاً. لذا، بدت المواقف الصادرة عن بعض نواب الحزب هادئة وموجّهة بالكامل.

تبنى السياسة في هذه المنطقة على واقعية الأرض الصارمة وعلى الحقائق الفجّة التي تفرض نفسها، ولطالما التقى خصوم الأمس عند منتصف الطريق بعد أن استنفدت المعارك جدواها، ولطالما تفرّقت سبل شركاء الأمس لمجرد أن رياح المصالح بدّلت وجهتها. إنّ هذا التوصيف ينطبق بدقة على طبيعة القنوات المفتوحة حالياً بين الإدارة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، وقيادة حزب الله في لبنان.

و​قد يستغرب البعض حدوث أي تواصل أو تهدئة بين جانبين عاشا مواجهة وجودية طاحنة طوال عقد من الزمن، تركت خلفها ركاماً من الريبة والمرارة وصاغت أدبيات متناقضة لكل طرف، لكن ما يجري اليوم ليس مصالحة بالمعنى التقليدي، ولا هو استمرار لصدام الأمس، بل إنها حالة فرضتها التحولات الإقليمية الأخيرة، حيث تحاول دمشق في طورها الجديد نيل الاعتراف العربي والدولي، والتركيز على لملمة جراح الداخل السوري، مدركة أن التورّط في ملفات الجوار أو الانحياز لمحاور قديمة سيعطّل قطار الإعمار والشرعية.

و​دخلت واشنطن على خط هذا المشهد عبر طرح لافت للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أبدى عدم رضاه عن وتيرة الضغط العسكري الإسرائيلي على لبنان، مقترحاً إشراك قوى إقليمية لترتيب الأوضاع. سعت واشنطن من وراء هذا الطرح إلى دفع الإدارة السورية الجديدة للعب دور ضابط الإيقاع لنفوذ حزب الله وسلاحه، مستغلّة رغبة دمشق في الحصول على الغطاء الدولي لرفع العقوبات وإنعاش الاقتصاد، وفي الوقت نفسه حماية مسار التفاوض الأميركي الإيراني المستمر في سويسرا من أي تصعيد مفاجئ.

​هذا الطرح الأميركي قوبل بحذر شديد في دمشق. وجاء رد أحمد الشرع الذي أوضح فيه أن الحديث عن دور سوري تم تأويله بشكل خاطئ، ليؤكد أن بلاده لن تدخل في مواجهات عسكرية بالوكالة، بل تدعم المؤسسات الرسمية اللبنانية، فدمشق اليوم تريد تسويق نفسها كعامل استقرار وهدوء، مبتعدة عن لغة الوصاية أو التدخل المباشر في شؤون جيرانها.

و​في هذا التوقيت بالذات، برز التحرك التركي كعنصر حاسم في المعادلة. لم تقف أنقرة متفرجة، بل سارعت للعب دور الوسيط والضامن بين دمشق وحزب الله، مدفوعة بملفات أمنية تخصها مباشرة، على رأسها منع تمدّد النفوذ الكردي في الشمال السوري، وتأمين ظروف ملائمة لعودة اللاجئين. إذ ترى تركيا أن حدوث صدام عسكري أو سياسي واسع بين السلطة السورية الجديدة والحزب سيفجر الجغرافيا السورية من جديد، وهو ما قد يطيح بكل التفاهمات الهشّة التي حققتها أنقرة لحماية حدودها الجنوبية.

​وفي الطرف الآخر، يعيش حزب الله واحدة من أدق مراحله السياسية والعسكرية، حيث يواجه ضغوطاً غير مسبوقة في الداخل اللبناني وتغيراً كبيراً في خارطة الإقليم. وفي وسط هذه الظروف، يدرك الحزب أن فتح جبهة خلاف أو صدام مع القيادة الجديدة في دمشق سيكون خطأً استراتيجياً مكلفاً. لذا، بدت المواقف الصادرة عن بعض نواب الحزب كالنائب علي فياض، هادئة وموجّهة بالكامل نحو الصراع مع إسرائيل والمفاوضات، مع تجاهل تام لأي هجوم على التحول السياسي السوري، وهو ما يفسّر قبول الحزب بالوساطة التركية لتمرير هذه المرحلة بأقل الخسائر.

اذاً ​ما نراه اليوم ليس حلفاً جديداً، فالملفات العالقة والذاكرة المثقلة بالدماء والخصومة لا تموت بقرارات سياسية عاجلة. إنها صيغة لتنظيم الخلاف وتفادي الصدام، تلتقي فيها حاجة دمشق لتهدئة حدودها مع حاجة الحزب لمتنفس خلفي يحميه من الحصار الكامل.

​فالشرع يريد إرسال رسالة للعالم بأن سوريا الجديدة قطعت مع سياسات الماضي ولم تعد مقراً للتهديد، بينما يريد حزب الله التأكيد لجمهوره بأن مرونته الحالية لا تعني تراجعاً عن ثوابته الاستراتيجية. إنها باختصار هدنة الضرورة التي فرضتها الرغبة في البقاء، حيث يتراجع بريق الشعارات الكبرى أمام حسابات الواقع الحية. ولعلّ التحدي الحقيقي يكمن في قدرة هذه التفاهمات القائمة على حسابات طارئة ورعاية إقليمية، على الاستمرار إذا ما دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الاضطرابات.