بين صلاح الدين والعقاد وهنانو.. هل الفخر القومي بحاجة الى سياج دستوري لحمايته؟
في ثنايا الثمانينيات، عندما كنا صغاراً نطالع كتب التاريخ بنهم بين جدران المدارس والمكتبات القديمة، وفي دهاليز التسعينيات ونحن نخطو أولى خطوات الشباب المثقل بالأسئلة، كان يسري في عروقنا تيار جارف من الفخر الممزوج بغصة خفية. كنا نهتز طرباً وزهواً، ونتبادل الأحاديث بنبرة يملأها الكبرياء في مجالسنا الخاصة، كلما التقطت مسامعنا تلك الحقائق الدامغة التي كانت تبدو كأسرار تاريخية مقدسة: أن الناصر صلاح الدين الأيوبي، القائد الفذ الذي دك حصون الفرنجة وأعاد للشرق كرامته، هو الابن البار لجبال كردستان الشامخة، وأن داهية السياسة العراقية نوري سعيد، ورئيس الوزراء العراقي في الستينيات طاهر يحيى، ليسوا سوى ثمارٍ يانعة لتلك الشجرة الكُردية الضاربة في عمق التاريخ الإنساني.
لم يكن الأمر مقتصراً على الساسة والقادة العسكريين؛ بل كنا كمن يبحث عن ملامح وجهه في مرآة الآخرين، نقتفي أثر الهوية الكُردية في ملامح العباقرة والثوار وأساطين الفكر؛ من أمير الشعراء أحمد شوقي الذي صاغ بيان العربية، وعملاق الأدب العربي عباس محمود العقاد بصالونه الأدبي الشهير، والمؤرخ الفذ ابن خلكان صاحب "وفيات الأعيان"، والعالم الأصولي ابن صلاح الشهرزوري. كنا نلمح الكُردية في شموخ عائلة الأطرش وفي ثورة إبراهيم هنانو في الشام ضد المستعمر، وفي الفكر التنويري لقاسم أمين بمصر، وتجليات وزير الدفاع السوري الأسبق مصطفى طلاس، وصولاً إلى والدة الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، التي ترجع أصولها إلى عشيرة الهموند العريقة في كُردستان العراق، والذين نُفوا قسراً على يد السلطات العثمانية في غياهب الصحراء الليبية. وكذلك عذوبة الصوت الخاشع للشيخ عبد الباسط عبد الصمد، وما ورثناه فخراً عن الصحابي الجليل كابان الكُردي، وعظمة محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة وباني نهضتها (كما تؤكد مصادر تاريخية رصينة)، وصولاً إلى كبار فناني ومطربي وشعراء تركيا ومصر وسوريا والعراق وإيران.. كل هؤلاء كانوا عمالقة ينتمون إلينا جينياً وفكرياً، ويحملون في جيناتهم جينات الجبل والإصرار.
لكن، ما أصعب الفخر في زمن الإنكار والرماد!
كان فرحنا آنذاك منقوصاً، محاصراً بسياج حديدي من التعتيم والتجاهل الممنهج. كنا نرى إنكاراً قسرياً من الأنظمة الشوفينية، وأحياناً صمتاً حذراً أو تنصلاً إجبارياً من المبدعين والفنانين أنفسهم؛ مخافة العواقب السياسية المترتبة على المجاهرة بغير الهوية السائدة. والسبب لم يكن سراً خافياً على أحد؛ ففي ذلك الزمن القاسي، لم يكن للكُرد كيان إداري أو دستوري معترف به يمثلهم ويدافع عن وجودهم. كانت الهوية الكُردية في حد ذاتها تهمة جاهزة تقود صاحبها إلى غياهب السجون، والتهجير، والاضطهاد، خاصة في العراق والدول المحيطة به، على الرغم من أن الاعتراف الثقافي بالهوية الكُردية في العراق تاريخياً كان أفضل حالاً مقارنة بدول الجوار التي مارست الصهر العرقي الكامل، إلا أن المطالبة بالحقوق السياسية كانت خطاً أحمر دموياً. فمن كان يجرؤ على رفع صوته بهويته القومية في مناخ سياسي مسموم يخنق الأنفاس؟
نقطة التحول: عندما نطقتِ الجغرافيا بلغة الدستور
تغير مجرى التاريخ، وانكسر القيد في عام 1992، مع ولادة أول برلمان وكابينة حكومية شرعية في إقليم كُردستان العراق إثر الانتفاضة الشعبية العارمة، وتوّج هذا المسار النضالي رسمياً عام 2003 باعتراف عراقي داخلي ودولي صلب، تحول بموجبه الإقليم إلى كيان فيدرالي دستوري شبه مستقل يتمتع بمؤسساته الخاصة وقواته الأمنية.
اليوم، تبدلت المعادلة تماماً وانقلبت الموازين. لم نعد بحاجة للدخول في معارك إثبات النسب، أو استجداء الاعتراف بكُردية هذا القائد التاريخي أو ذاك المبدع الراحل. المصادر التاريخية الحديثة والمعاجم باتت تدون ذلك طواعية بفضل الحرية البحثية، والمبدعون والمثقفون الأحياء باتوا يرفعون أصواتهم بملء الفم وفي المحافل الدولية: "نحن كُرد ويشرفنا ذلك".
إن الكيان الدستوري لإقليم كُردستان ليس مجرد خارطة إدارية صماء، أو خطوط جغرافية مرسومة على الورق؛ بل هو الهيبة المعنوية، وصمام الأمان الوجودي، والسياج القومي والقانوني، والحصن المنيع الذي يحمي اليوم الظهر الكُردي أينما كان في الشتات. ومهما اختلفنا في الداخل حول تفاصيل الإدارة، ومهما علت أصوات النقد والتباين السياسي في البيت الكُردي الداخلي (وهو أمر طبيعي وصحي في البيئات الديمقراطية)، فإن الحفاظ على هذا الكيان الدستوري وحمايته من التربصات الإقليمية يظلان واجباً وجودياً مقدساً يتجاوز كل الخلافات الحزبية أو المصالح العابرة.
العبرة في الجوار: درس المكون السني في العراق
ولمن يستهين بقيمة الكيان الدستوري الموحد والجغرافيا السياسية المحمية بالقانون، ما عليه إلا أن ينظر بتمعن، وعمق، وتجرد إلى واقع العرب السنة في العراق بعد عام 2003 كنموذج حي ومؤلم.
العرب السنة في العراق، على الرغم من تاريخهم الطويل في إدارة الدولة، وإرثهم الثقافي والاجتماعي الضخم، وجدوا أنفسهم فجأة يفتقدون لمركز ثقل سياسي موحد أو حصانة دستورية جغرافية تلم شتاتهم وتحمي نفوذهم. فهم ليسوا كالمكون الشيعي الذي يمسك بزمام السلطة التنفيذية والقرار السياسي والاقتصادي في العاصمة بغداد بناءً على الكثرة العددية، وليسوا كالكُرد الذين يستندون إلى إقليم دستوري فيدرالي معترف به وله جيشه (البيشمركة) ومؤسساته المقننة.
ونتيجة لغياب هذا الكيان الجغرافي والدستوري الخاص، تشتتت نخبهم السياسية وتفرقت جماهيرهم؛ فباتت كفاءاتهم ما بين مغترب في المنافي الأوروبية، أو نازح في العواصم العربية، أو مستقر ومحامٍ في ربوع إقليم كُردستان الآمن الذي فتح لهم أبوابه. أما من بقي صامداً في مناطقه الأصلية، فبات يعيش شعوراً مريراً بالغربة والتهميش في وطنه، بعد أن وقعت العديد من تلك المناطق تحت سطوة الفصائل والميليشيات المسلحة وغياب سلطة القانون، ليغدوا في نهاية المطاف خارج دائرة القرار الحقيقي والاهتمام الدولي، فلا يجد المجتمع الدولي عنواناً مؤسساتياً واحداً ومستقراً ليتعامل معه يمثل هذا المكون العريق.
ان بوصلة الدبلوماسية الدولية لا تخطئ؟
ويتجلى هذا الفرق الشاسع والنوعي في الأعراف الدبلوماسية الحديثة اليوم بشكل لا يقبل التأويل أو التشكيك. فكلما زار جمهورية العراق رئيس دولة كبرى، أو وفد رسمي غربي رفيع، أو شخصية سياسية دولية مؤثرة، نرى السيناريو البروتوكولي يتكرر بانتظام ودقة: ينتهي جدول الأعمال الرسمي واللقاءات السياسية في بغداد، فتكون الوجهة التالية المباشرة ودون تردد هي أربيل، عاصمة إقليم كُردستان .
إن الوفود الدولية والزعماء لا يتوجهون إلى مناطق أخرى لِلقاء ممثلي المكونات الذين لا يملكون كياناً قانونياً على الأرض، بل يذهبون مباشرة إلى الكيان السياسي والاداري الذي يفرض نفسه بقوة على الطاولة الدولية؛ بقوته الدستورية المعترف بها، ومؤسساته الرسمية المستقرة، ونفوذه الدبلوماسي، واستقراره الأمني المشهود.
إن التاريخ علّمنا أنه لا يحمي المشتتين في مهب الريح، والجغرافيا السياسية بطبيعتها لا تعترف إلا بالقوة المنظمة دستوريّاً ومؤسساتيّاً. ومن هنا، يظل إقليم كُردستان هو المظلة الشرعية الكبرى التي حولت الفخر الكُردي القديم، المكتوم والمطارد في زوايا التاريخ، إلى واقع سياسي مهاب ومستقر على الأرض، تحسب له دول المنطقة ألف حساب وحساب