First Published: 2015-02-17

مزاج الرياض في مواقف الحريري

 

مواقف الحريري تؤكدُ على حيوية تيار مواجهة إقليمي من بيروت إلى الرياض ضد أجندة طهران في كل المنطقة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

يذكرُ مقربون من دوائر القرار في المملكة العربية السعودية، أن الملك سلمان بن عبدالعزيز هو من شجّع على إيلاء قيادة تيار المستقبل للرئيس سعد الحريري مكان شقيقه بهاء إثر إغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهو من أقنع الملك الراحل عبدالله بأمر ذلك. ويؤكدُ العارفون بأن الأمير سلمان ذهب بنفسه إلى بيروت واجتمع بسعد الحريري وأقنعه بتمنيات الرياض. وإذا ما كانت تلك الرواية تأتي على ذمة الرواة، فما يؤكدها اهتمام الملك سلمان الشخصي التاريخي بلبنان واللبنانيين، ساسة، ونخباً، وإعلاميين، كما بالعلاقة الحميمة التي كانت تربطُه بالرئيس رفيق الحريري، كما بسعد الحريري بعد إغتيال والده.

هي أول مرة يطلُ فيها الرئيس سعد الحريري على لبنان واللبنانيين منذ وفاة الملك عبدالله بن عبدالعزيز وتولي الملك سلمان عرش البلاد. وللاطلالة معانٍ لبنانية بحتة، لكن للاطلالة، أيضاً، معانٍ سعودية لا تفوت على المراقبين.

لم يوجّه سعد الحريري كلامه لحزب الله وجمهوره. الحزب يعرفُ مواقف زعيم تيار المستقبل، أما جمهور الحزب فغير متأثر بخطاب التبشير بالدولة، بل قلبه مع "الشباب" في معركتهم السورية. أراد سعد الحريري حقن اللحمة المستقبلية - الآذارية بما من شأنه معالجة التصدعات التي تخجلُ من الخروج إلى سطح الحلف المضاد للمحور الممانع دوماً.

تقصّد سعد الحريري مخاطبة السنّة في لبنان. الطائفة تشكّل القاعدة الأساسية للتيار الأزرق، وهي ممتعضةٌ حائرةٌ محبطةٌ من تقليعة الحوار التي أطلت عليهم دون مقدمات. السنّة يحمّلون النظام السوري وحزب الله مسؤولية إغتيال زعيمهم قبل عشر سنوات، وهم لا يستسيغون حواراً يستبطن تواصلاً "عادياً" مع من يرفض تسليم المتهمين حسب اللوائح الصادرة عن المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري. والسنّة في موقفهم المعادي تاريخياً لنظام دمشق، وفي موقفهم الراهن الداعم للثورة السورية منذ اندلاعها، لا يفهمون حواراً مع من يجاهرُ ويفاخرُ بالقتال إلى جانب نظام الأسد.

يعرفُ سعد الحريري صعوبة ابتلاع العلقم، ويدركُ استحالة تعسيل مرارته. يقدّم الرجلُ الأمر بصفته ضرورة وطنية، تُذكّر بتلك الضرورة التي قادته يوماً (وبضغط من الرياض) إلى قصر المهاجرين في دمشق. يريدُ الرجلُ لذلك الحوار أن يُبعدَ عن البلد فتنة سنّية - شيعية. لا نعرفُ إذا ما كان القصدُ منع تلك الآفة، أو إدارة يومياتها وهي التي ظهرت أعراضها واضحةً، لا لبس في أعراضها في انحاء شتى في لبنان وسوريا.

ما زالت كاريزما الزعيم الشاب قادرةً على اجتراح العجائب داخل جمهوره. ما زال إبن رفيق الحريري قادراً على تأكيد زعامته دون منازع، رغم غياب الوالد قتلاً وغيابه هو نفياً. وما زال حلف "14 آذار" يستهلكُ زاداً من زعامة الحريري لتخصيب الحلف بما يرفد قواه بقوة ويشدُّ من أزر بنيانه. جاء خطابُ سعد الحريري في الذكرى العاشرة لإغتيال والده، منعشاً لذاكرة قد تبدو أنها واهنة خامدة في أوردة الآذاريين وروحية اتحادهم.

لن يتحاورَ تيار المستقبل مع حزب الله لإنتاج صفقة على حساب حلفائه المسيحيين (وهذا ما تؤكده الرياض دوماً). كشف خطاب الزعيم حرص تياره على تأكيد "لا عادية" غياب الرئيس المسيحي عن رأس البلاد. تقع مسؤولية ذلك الغياب، حسب موقفه، على عاتق حزب الله "الغير مستعجل"(أي على عاتق إيران)، يؤكدُ سعد الحريري من جديد تحالفه مع مسيحيي "14 آذار"، ضمن ثوابت تظللُ حوارَ تياره مع الحزب، كما حوارَ "القوات" مع العونيين.

يطلُ سعد الحريري على لبنان من لبنان متظللاً برعاية سعودية مستمرة مستقرة ثابتة من عهد الملك عبدالله إلى عهد الملك سلمان. تذكّر مواقف الحريري من قضايا العلاقة بالحزب والنظام السوري، كما المواقف المتعلقة بالنفوذ الإيراني في العراق والبحرين واليمن، بثوابت قديمة عند المستقبليين، لكنها لا شك تعكسُ الأجواء السعودية في مجموعة من الملفات في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز. وربما في عودة الحريري إلى لبنان، في ديمومتها أو طابعها الظرفي المؤقت، ما قد يعكسُ جانباً من مزاج العلاقة بين الرياض وطهران.

يؤكدُ خطاب سعد الحريري على ثوابت مستمرة لم تكل ولم تضعف رغم فائض القوة الذي يمتلكه الحزب، ويذكرنا به كل يوم. يؤكدُ خطاب سعد الحريري أن مشروعَ الدولة هو الهدف والأساس في زمن تضيع فيه الدولة في بلدان كسوريا والعراق وليبيا واليمن. يؤكد خطابُ الحريري أن لبنان ليس في محور تقوده طهران ولا في أي محور. بمعنى آخر، لن يكون البلد تفصيلاً في الأجندة الإيرانية، وفي هذا رسالة محلية إقليمية (سعودية)، وربما دولية، بانتفاء تلك الفرضية. يؤكدُ خطاب الحريري على عقم مشروع السلاح الطائفي والاستقواء على الدولة، بما تشي به التجربة العراقية أو تلك الحوثية اليمنية.

قد يقولُ قائلٌ أن صفقات الكبار، عشية الاتفاق المتوخى حول البرنامج النووي الإيراني، ستطيحُ بأحلام الصغار. وقد يقولُ قائلٌ أن "المراسيم" السياسية التي أطلقها خطاب الحريري وإعلانه التطرف لصالح الإعتدال، تؤسس في البلد الصغير لخريطة طريق بدا واضحاً أن مزاج المنطقة كما المزاج الدولي لم يعد يرضى بأقل منها. يكفي تأمل التطورات الميدانية القادمة ضد التطرف في سوريا والعراق، كما الهجرة الدولية للمشروع الحوثي اليمني، كما الحراك المصري (الإيطالي وبالتالي الغربي) في الميدان الليبي لاستشراف خطوط خريطة الطريق المقبلة.

لا يطيحُ الخطاب بحوار ملتبس مع حزب الله (والسيّد حسن نصرالله قابل خطاب الحريري بالتمسك بالحوار). الحزبُ نفسه يحاورُ تيار المستقبل وفي خلفيته خطابٌ مناقضٌ للتيار في الداخلين اللبناني والسوري كما في عضوية العلاقة مع الوليّ الفقيه. تؤكدُ مواقف الحريري على حيوية تيار مواجهة إقليمي من بيروت إلى الرياض ضد أجندة طهران في كل المنطقة. يتأبطُ سعد الحريري ثوابت السعودية في هذا المضمار ويترجلُ بها إلى السوق اللبناني. في المعنى: تلك بضاعتنا التي لم ننفك ننتجها، وهذه خياراتنا التي رعتها الرياض في عهد الراحل كما ترعاها في عهد الملك سلمان.

في تزاحم الفرضيات التي راجت حول مواقف السعودية بعد التغييرات التي طالت النخبة الحاكمة منذ تولي الملك سلمان بن عبدالعزيز عرش المملكة، يمثّل خطاب الحريري أول صورة ناطقة تعبّر بما لا يقبل تقويلاً ولا اجتهاداً، ومن خلال لبنانية مضمونه، روحية الاستمرار في ثوابت، لطالما بشّر المبشرون بتراخيها أو الإنقلاب عليها بمجرد تبدل هوية الحاكم في الرياض.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
أردوغان في الخليج: في ما هو أبعد من أزمة قطر!
2017-07-21
أزمة الخليج مع قطر: في بقاء مجلس التعاون من اندثاره!
2017-07-17
اللجوء السوري في لبنان: ليس في كل جدل عنصرية
2017-07-14
داعش ينتهي.. إيران تقلق!
2017-07-07
واشنطن لموسكو وطهران: الأمر لنا في سوريا
2017-06-30
ذئاب داعش المنفردة أخفت ذئبا بريطانياً وراءها!
2017-06-23
هل بات مسموحا استقلال الأكراد عن العراق؟
2017-06-16
قانون الانتخابات في لبنان: كيف التحوّل من بلد إلى بلدية؟
2017-06-09
الإرهاب في لندن: مراجعات بريطانيا المعلنة ومراجعات المسلمين المتأخرة!
2017-06-06
خطط سوريا المستقبل: أي دور جديد للأردن؟
2017-06-02
المزيد

 
>>