First Published: 2015-03-10

إيران إمبراطورية عاصمتها بغداد: أين المفاجأة؟

 

في شأن الهيمنة الإيرانية على منطقة الشرق الأوسط، لا يوجد متشددون ومعتدلون. هناك إيرانيون فقط.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

نجهدُ في كتاباتنا وتحاليلنا للكشف عن "مؤامرة" إيرانية خفيّة لاختراق بلداننا العربية وتعظيم نفوذها في المنطقة، فيما سياسيونا يطلقون التصريحات تلو التصريحات متهمين طهران بالتدخل في شؤوننا إلى حدِّ احتلال بعضها. وفي ضجيجنا المدوي تكرارٌ وتثبيت لما بات يعرف بـ "الظاهرة الصوتية" التي وسمتنا أمةَ قول وثرثرة تنشغلُ بأصل النصِّ ولا تهتم لمعناه.

نعم إيران تتدخلُ في شان أي بلد يهمها التدخل في شأنه، وهي لا تواري ذلك، وتعلنه بالتصريح وتميطُ اللثام عنه بالعمل. وإذا ما تفتقت عبقريتنا عن كشفٍ مبينٍ في سلوك حكم الوليّ الفقيه، فذلك الانجاز (أي الكشف) يستمدُ موارده مما يعلنه الإيرانيون أنفسهم، على نحو يحيلنا أداة يسخّرها نظام طهران ترويجاً للبروباغندا التي يرومها دعائية لرؤاه.

أن يخرجَ في طهران من يعلن أن إيران باتت أمبراطورية عاصمتها بغداد، فذلك ليس طموحاً أو رجاء أو صلاة، بل هي رواية للواقع الذي وصلت إليه الجمهورية الإسلامية، فيما نحن نتحاذق في "فضح" المخططات الإيرانية التي تراكمت فأسست لتلك الإمبراطورية غير المزعومة التي تمتدُ أذرعها نحو مواطن ومواقع وحاضرات وطوائف ومشارب تقتربٰ وتبتعدُ في الجغرافيا عن مركز الحكم في طهران.

هل ندعوكم إلى التثاؤب إذا ما كررنا التذكير بالأخطبوط الظاهر (لن نتحدث عن الخفي) الممتد في نهاياته نحو بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء؟ هل ينبغي الاشارة إلى الهيمنة الكاملة التي تمارسُها إيران على شيعة الأرض؟ وهل نكشفُ سراً عند الحديث عن امتدادات إيران داخل القارة السوداء، لا سيما في ما وصلت إليه يوماً العلاقات العسكرية مع السودان؟ وهل نفاجئكم إذا ما اعترفنا بامتلاك طهران لشبكة علاقات دولية في فضائها الأسيوي وصولاً إلى ذاك في أميركا اللاتينية مروراً بذلك الغربي الذي تواصل ولم ينقطع على الرغم من أعراض القطيعة وعللها؟

يقودُ اللواء قاسم سليماني (قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري) بنفسه، وسطَ تغطية إعلامية علنية، المعارك ضد داعش في العراق وسط إعجاب أميركي تفصحُ عنه صحف واشنطن. يجري الأمرُ بصفته عند الحاكم العراقي من عاديات الأمور، لا يسببُ حرجاً ولا حتى تحفظاً صوريا. يقودُ الرجل رجاله الشيعة لمكافحة "إرهاب سنيّ" و"تحرير" مدن سنيّة. قبل ذلك كان الأمرُ يسبب توجساً من فتنة خبيثة مدمرة يجري مداراتها بتدابير ديماغوجية، فيما بات اليوم يعكسُ قراراً بملاقاة هذه الفتنة وتأجيجها إذا كان ثمن تثبيت بغداد عاصمة لـ "الامبراطورية" الإيرانية يتطلّبُ ذلك.

علي يونسي الذي بشّرنا بالـ "أمبراطورية" وعاصمتها يعملُ مستشاراً لدى الرئيس الإيراني "المعتدل" حسن روحاني، وكان في عهد الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، و"المعتدل" أيضاً، يشغل منصب وزير الاستخبارات. بمعنى آخر، لا يصدرُ الكلام عن إدارة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد المشهور بشعبويته المقززة، ولا عن مؤسّسة الوليّ الفقيه الذي ما برح يروّج للثورة الإسلامية ديدناً للعالم أجمع، بل يصدرُ عن دوائر اعتدال تمثّل إيران العميقة (وفق تقليعة هذه الأيام)، وبالتالي عن انتلجنسيا تُعِدُّ لفلسفة الحكم والبقاء و"التمدد" (وفق الأبجديات الداعشية). فإذا ما أعلن الرجلُ عما بات معروفاً عن "أمبراطورية" وبغداد عاصمة، فأين المفاجأة في ذلك؟

وللباحثين في علم صناعة الأمبراطوريات كتابٌ إيراني مفتوح في أصول الصنعة وفنونها. في أساس المنهج تأسيسُ حكمٍ على أساس مذهبي ديني مطلق لا يحتمل نسبية شروط الحداثة والعصر الراهن. وفي قواعد الدفاع عن ذات الحكم ضربٌ لقوى الاعتراض في الداخل (اغتيالاً وسجناً وقمعاً)، وتصديرُ الثورة كدرع من دروع الدولة البعيدة، واختراقُ الخصوم من خلال الحلفاء، ومصادرةُ "القضايا الكبرى" والترويج لها واحتكارها، لعلها تبعد المتبرمين عن قضايا الناس الحقيقة ويومياتهم. وفي تحري البقاء النهائي مقارعةُ العالم ببرنامج نووي يرفعها إلى مصاف كبريات الأمم، فيما الأذرع العسكرية المالية الإعلامية تفتكُ بالمحيط تهشيماً وتشويهاً وتقسيماً وتفتيتاً، على النحو الذي يحيلُ الخصم كومة من عدم.

فعلت إيران كل ذلك بشفافية كاملة، وقدّمت يوماً بعد يوم وقائع قوة لا يمكن الإدعاء أننا أغفلناها أو غفونا عنها. حين ذكر تقرير بسيوني (البروفسور محمود شريف بسيوني رئيس لجنة تقصي الحقائق في البحرين) أنه لم يجد دليلاً حسياً على دعم طهران للمعارضة الشيعية في البحرين، كان ردُّ طهران، نعم نحن ندعمهم والبحرين محافظة إيرانية. وحين ارتبك الحكمُ اليمني (منذ علي عبدالله صالح)، بتواطؤ دولي، في تثبيت اتهام لإيران بدعم الحوثيين، ردت إيران بأنها معهم وتعترف بهم وتمدُّ وصلاً جوياً معهم رغم انقلابهم على الحاكم في صنعاء. وحين تناهى للعالم شبهة دعم إيراني لنظاميّ دمشق وبغداد، كانت طهران واضحة في إرسال حرسها الثوري وشيَّعِها المقاتلة من أفغانستان والعراق ولبنان... إلخ لنصرة حكم الأمبراطورية في البلدين. إيران تعلن وتجاهر وتقرر أنها أمبراطورية، فلماذا تتفاجؤن؟

يأتي وزير الخارجية الأميركي جون كيري ويُبلغ العرب أن إيران- الأمبراطورية استحقت اتفاقاً مع أمبراطوريات العالم. يعزينا سيّد الأبيض في واشنطن قبل أيام بتصريحات مهدِّدة لإيران إذا لم تلتزم بما يجب الالتزام به قبل توقيع الاتفاق التاريخي الشهير، فيما سفيره في بيروت دايفيد هيل يشنُّ هجوماً دون مناسبة ضد حزب الله، على ما بدى أنه عويلٌ يرضينا نحن أصحاب الظاهرة الصوتية بإمتياز. وبما أن يونسي أعلن بلاده أمبراطورية، فيما العواصم الكبرى على وشك إقرار صك الاعتراف بأمبراطوريتها، على أن يتم مقاربتها ومناكفتها والتعامل معها وفق ذلك، فإننا نحن أيضاً ذاهبون نحوها، بسبل وطرق ووسائل مختلفة، وقبول رتبتها الجديدة في مصاف الدول ذات الأوزان الوازنة (زيارة وزير الخارجية الأردني لطهران نموذجاً.

يستدعي يونسي في إعلانه ساسانية عتيقة احتلت العراق في غابر الزمان. يبشّرُ الإيرانيين بنصرٍ يُنسيهم مرارة الكأس المرّ الذي ابتلعه الخميني لإنهاء حرب بلاده مع العراق. يعلن بما يشبه المرسوم الأمبراطوري أن "جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة وثقافتنا غير قابلة للتفكيك، لذا إما أن نقاتل معا أو نتحد"، ثم يعلن، كمن يقدّم جردة حساب نهائية، "كل منطقة الشرق الأوسط إيرانية".

في صريح القول ما يستدعي تأملاً. منّا من سيعتبره أجوفاً يحاكي كواليس بيتية خالصة، ومنّا من سيصدّقه ويستنتج صحته وقسوة حقيقته، ومنّا من سيعتبره زهواً وغروراً يواري خيبات خفية. لكن الأجدى بنا أن نقرَ بتراكم نكساتنا، وأن نتساءل عما اقترفناه من عجز وعما اعترانا من وهن قاد إلى تعملق إيران وضمور هيبتنا. الحكمة تستدعي، ربما، وقف ذلك الانزلاق قبل التفكير في ولوج مسالك الصعود من جديد.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: سقوط التماهي بين الدولة والدويلة
2017-11-19
عون لحزب الله: حرب قادمة 'ستدمرنا'!
2017-11-17
لماذا 'هدوء' نصرالله؟
2017-11-10
السعودية: الجراحات الصادمة!
2017-11-06
السعودية: الخروج من 'الاستثناء'!
2017-11-03
عن تفجير مقر المارينز في لبنان وظهور السبهان في الرقة
2017-10-27
خطايا مسعود وكارليس التي قد لا تغتفر
2017-10-20
ترامب وإيران: إطلالة واشنطن الجديدة على العالم
2017-10-16
لماذا ترتعد طهران من المسّ بالحرس الثوري؟
2017-10-13
أي رياح تنفخها الرياض صوب بيروت؟
2017-10-09
المزيد

 
>>