First Published: 2015-04-24

عن 'ناتو' العرب!

 

عاصفة الحزم استحقاق لافت يؤسس لما بعده في سيرة الأحلاف السياسية والعسكرية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

شاع في العقدِ الأخير ما مفاده سيطرة ثلاث دول إقليمية، هي إيران وتركيا وإسرائيل، على مقاليد القرار المتعلّق بالشرق الأوسط. مقابل ذلك، شاعت شكوى من ضمور الدور العربي، وحتى غيابه، قياساً بحيوية أدوار البلدان الثلاث. على أن في المقارنة بين الدول الثلاث والعرب آليات غير موضوعية ومداخل متسرّعة، ذلك أن العربَ بالمعنى السياسي يمثّلون 22 دولة عضو في الجامعة العربية، وبالتالي يمثلون 22 أجندة سياسية، أغلبها متناقض بينياً، لا مجال لمقارنته بسياسة دولة واحدة وحكومة واحدة، كما هول حال القرار في أنقرة وطهران وتل أبيب.

ولئن أدركَ العروبيون علّة الانقسام العربي ودعوا إلى الوحدة، فإن فشل تحقيق ذلك، وربما عبث السعيّ إليه وهرائه عقائدياً، مثّل تفسيراً موضوعياً واقعياً لهزال الأداء العربي الجامع مقابل أداء الدول الإقليمية الثلاث الأخرى. وعليه فمن غير المنطقي التعويل على وحدةٍ عربية رومانسية متخيّلة من أجل الخروج، يوماً ما، بالقرار والقوة والعزم المعبّر عن مزاج "الأمة".

العروبةُ فكرةٌ تناسلت من رحم التتريك في أواخر سطوة الدولة العثمانية. والعروبة فكرةٌ شاعرية تستبطنُ عنصريةً لا تحاكي شروط وأصول التعايش بين الدول. والعروبةُ تفترضُ فوقيةَ بيولوجية عربية تجمعُ العُماني بالمغربي في السياسة والاقتصاد والدفاع والأمن، كما أولويةً في العلاقات البينية على حساب العلاقة مع غير العرب. وبين ما هو متوخى وما هو واقعي، وبعيداً عن أبجديات الإيديولوجيا التي حفلت بها كتب القوميين وبيانات أنظمتهم الثورية، فإن وقائع التاربخ الحديث أثبتت وهن النظرية وخوائها.

لم يخضْ العرب مجتمعين الحرب لتحرير فلسطين، بل أن دولاً عربية، وبحكم الجوار الجيوستراتيجي، تورّطت في تلك الحروب مستفيدةً من دعم عربي تتفاوتُ مستوياته وأهميتة وفق ظرفيّ المكان والزمان. وإذا ما كان الإجماعُ الأخلاقي حول قضية فلسطين لم ينتجْ اجماعاً على مقاربة واحدة لتحرير الأرض، فإن الاستحقاقات الأخرى التي لا تحظى بذلك الإجماع، مثّلت نمازج سلوكٍ لا يمتُّ بصلّة لتلك "الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة"، بل يعكسُ تعاملاً منطقياً تمليه شروطُ المصلحة والأمن العاجلة بالنسبة لهذا الطرف، والأقل أهمية لأطراف أخرى داخل البيت العربي الكبير.

تقدّمت علاقات سوريا العربية قبل الربيع العربي بعلاقات تركيا غير العربية، فأزيلت حواجزُ الحدود بين البلدين، وتمّ تحرير انتقال البضائع والأشخاص بينهما، فيما كانت الحدودُ مغلقةً بين سوريا العربية البعثية وجارها العراق العربي البعثي في عهد الأسد (الأب والإبن) - صدام، كما استخدمت تلك الحدود لإرسال "الإرهابيين" حسب تعبيرات نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق في معرض اتهامه لنظام دمشق برعاية الإرهاب ضد بلاده.

ينطبقُ هذا المثال على علاقات المغرب والجزائر الملغّمة بكمٍّ من التعقيدات إذا ما قورن ذلك بعلاقاتِ البلدين مع الإتحاد الأوروبي مثلاً، أو بسلاسة ونمو علاقات الدول العربية الإقتصادية والسياسية والعسكرية مع دول غير عربية وبعيدة عن جغرافيا المنطقة مقابل تعقّدها بينياً وعلى نحو بنيويٍّ غير مؤقت.

ليس مطلوباً أن نكون أمة واحدة، فنحنا لسنا كذلك، ولا ضير بتعددنا وثراء ثقافاتنا وعمق انتماءاتنا في التاربخ. ليس مطلوباً الاجماعُ على كافة القضايا، فقط لأنها، أو إحدى جوانبها عربية، بل المطلوبُ انجاز حدٍّ مقبول من التنسيق والتقارب على قدر ما تسمحُ به مصالح المعنيين. هكذا نفهمُ تجربة مجلس التعاون الخليجي على ارتباكها، وهكذا نفهمُ فشل تجربة اتحاد المغرب العربي رغم ما هو متوخى، وهكذا نفهمُ الشرخ العربي في حرب تحرير الكويت، وهكذا نفهمُ الانقسام التقليدي في مقاربة الشأن الإيراني.

لا يمكنُ للأجسام الوحدوية في أكثر المجالات إلا أن تستندَ على مروحة من المعايير التي لا مناصَ منها لإنجاح أي عزم وحدوي جدي. لم تنجحْ تجربة السوق الأوروبية المشتركة التي تطوّرت خلال العقود الأخيرة لتشكّل حالياً الإتحاد الاوروبي إلا من خلال فرض معايير وجب على الدول الأعضاء أو تلك المرشحة للعضوية احترامها. ولا يمكن رواية حكاية تلك التجمعات الإقليمية الكبرى إلا من خلال الإقرار بانتماء أجزائها إلى بيئات ثقافية وأيديولوجية واقتصادية متقاربة، واستبعاد مَن مِن شأنه، بسبب تباين معاييره، تعطيل وارباك العمل الوحدوي العام.

على أرضية العداء للاتحاد السوفياتي أنشأ الغرب بقيادة الولايات المتحدة حلف الناتو عام 1949. مثّل الحلف لاحقاً نداً لحلف وارسو (المنشأ عام 1955) الذي كان يجمع القوى العسكرية للمعسكر الاشتراكي بقيادة موسكو. إجتمعت تحت سقف الناتو دول المنظومة الغربية المتفقة على الخصومة مع ما يمثّله الخطر الأحمر منذ الحرب الكورية. على أن انسحاب فرنسا أيام الرئيس الراحل شارل ديغول من المؤسسات العسكرية للحلف (1966)، لم يخرج فرنسا من الحلف الغربي، كما أن رفض دول غربية لدخول نادي الأطلسي العسكري لم يؤثر على تضامنها الكامل مع القرار الغربي إزاء الكرملين.

لا تهدف الأعمال الجارية حالياً لتشكيل قوة عربية مشتركة تنفيذاً لقرارات قمة شرم الشيخ الأخيرة، إلى تشكيل جيش عربي واحد، على ما كانت الأدبيات العروبية تَعِدُ قبل عقود، بل الاهتداء إلى تشكيلٍ عسكري رشيق الحركة بامكانه الردُّ السريع على الاختراقات التي من شأن اهمالها تحويلها إلى حالات مرضية مستعصية على ما تشهده الميادين العربية. ستعبّرُ القوة عن تحالف عربي راهن، ولن تعبّر عن كل الحالة العربية. وفي المعلومات التي تفيدُ عن تشكيلٍ يُقدّرُ بأربعين ألف رجل يقوده جنرال سعودي من المقر المصري، ما يكشفُ عن الهوية السياسية لتلك القوة العسكرية والتي تنتمي لأكثر الدول العربية تناغماً، والتي أماطت عاصفة العزم اللثام عن وجوهها.

سيشككُ المتشائمون كثيراً بنجاعة تلك القوة ومدى قدرتها على ضمان أمن المنطقة. وفي ما سيكتبون وجاهة، ذلك أن تباينَ أنظمة الحكم واختلاف السياسات الخارجية وتفاوت المستويات الاقتصادية سيلقي بضغوط ثقيلة على مصداقية القوة العسكرية وصحة عقيدتها، كما سيطرحُ أسئلة حول ديموتها كمؤسسة عسكرية لا شك ستتأثر مباشرة بالخلافات العربية العربية التي باتت تقليداً في البنيان العربي. غير أن البراغماتية التي انتهجها الناتو، وهو أشهر الاحلاف العسكرية وأقواها، تقدّمُ مثالاً يحتذى على القدرة على الاستمرار والتوازن والصمود بالرغم من التناقضات والخلافات التي قد تُخرج جيوشاً وتدخل جيوشاً (فرنسا التي مارست حرداً ضد الناتو لمدة 43 عاماً عادت إليه عام 2009).

تمثّل عاصفة الحزم استحقاقا لافتاً سيؤسس لما بعده في سيرة الأحلاف السياسية والعسكرية. وستشكل مداولات اجتماع رؤوساء الأركان العرب أول محاولة جدية عربية بعيدة عما هو أيديولوجي وانشائي لقيام تشكيل عسكري عربي وفق ما هو متاح وممكن. ولا شك أن الفلسفة العربية الناضجة التي قام عليها قرار قمة شرم الشيخ، يعملُ على قيام قوة عسكرية أساسها دفاعي لا عدائية فيها، بما لا يقلقُ دولاً كبرى، وبالتالي لن يؤدي إلى ولادة عراقيل دولية كبرى تحول دونه. فواضح وحتى الآن، أن العواصم الغربية كما الشرقية، تتعاملُ مع الأمر بصفته تفصيلا اقليميا محلياً لا يمسّ بالتوازنات ولا يقلبُ الثوابت.

في الأمن، نشطت مصر في إعادة اكتشاف مجالها الأمني الإستراتيجي. وفي الأمن، تحركت السعودية ودول الخليج ضمن ما هو مجال أمني مهدد في اليمن. وفي المناورات المشتركة المعلنة بين السعودية ومصر، ما يعبّر عن حيوية العامل الأمني في هموم النظام العربي هذه الأيام. على ذلك يأتي "ناتو" العرب كمفهوم غير ترفي يلبي حاجة عاجلة في منطقة مشتعلة من أطرافها المغاربية إلى تلك المشرقية. ولئن اشتهرت وزارات الداخلية العربية بممارسة أقصى درجات التوافق والتنسيق لحاجة أمنية مشتركة، فأن نفس ذلك الهاجس كفيل بإيلاء التشكيل العربي العسكري جدية، ربما قد تفاجئ المتشائمين.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
هذه الترامبية التي تقلق إسرائيل!
2017-05-19
هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟
2017-05-12
ماكرون رئيساً: فرنسا تعيد تصويب التاريخ!
2017-05-08
وثيقة حماس: ضجيج من أجل الهمس!
2017-05-05
لا إصلاحيون في إيران.. نعم لرئيس محافظ!
2017-05-01
هل تتطلب 'التسوية الكبرى' زعامة مروان البرغوثي؟
2017-04-28
نعم مارين لوبن تقترب جدا من أبواب الاليزيه!
2017-04-21
روسيا ترد على الغرب بدبلوماسية 'قلة الفهم'!
2017-04-14
توماهوك الشعيرات: قراءة بيتية أميركية!
2017-04-10
المزيد

 
>>