First Published: 2015-04-30

رسالة تحذير للنخبة المصرية

 

بينما يتقدم بعض الأشقاء العرب بخطوات سريعة، وصاروا فاعلين في المشهد الثقافي والإعلامي العربي، ولا يزال المصريون مشغولين بمعارك وهمية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

لدينا طبقة واسعة من السياسيين والمثقفين والإعلاميين والمتخصصين في جميع المجالات، لكن الانطباعات السائدة عن المصريين الآن لا تتناسب مع هذا الحجم الهائل من النخبة.

فقد جمعتني الظروف للتحاور مع عدد من الكتاب والصحفيين العرب في الآونة الأخيرة، لمست من خلالها أن الصورة النمطية عنا تزداد سوءا، وأن نخبا كثيرة من دول عربية مختلفة، تتقدم نحو مكان الصدارة.

ربما يكون هذا الكلام صادما وقاسيا للبعض في مصر، لكنه يتناسب مع الفاجعة التي يشعر بها أي مصري غيور على بلد تبوأت قوته الناعمة مركز الريادة لعقود طويلة، ثم تراجعت إلى الخلف لأسباب كثيرة، ليس هذا مكان تفنيدها، ولم يعد هناك من يعبأ باستعادة الدور المفقود، ورضي معظمنا، سواء كانوا في موضع مسئولية رسمية أو خارجها بدور المتفرج.

بينما يتقدم بعض الأشقاء العرب بخطوات سريعة، وصاروا فاعلين في المشهد الثقافي والإعلامي العربي، ولا نزال نحن مشغولين بمعاركنا الوهمية، من تصفية لأمور شخصية، وجريا وراء منصب هنا أو مطمع هناك.

التصورات التي تكاد تكون راسخة في وجدان كثيرين، خاصة في المجالين الثقافي والإعلامي، تشي بأن النخبة الحالية في غالبيتها انتهازية، تتحدث ولا تنتج، وتجري وراء تحقيق المكاسب، بصرف النظر عما يتم انجازه بصورة حقيقية، ويمكن اختبار هذه المعادلة في نسبة الحضور المصري في مشهد الجوائز الثقافية، ونسبة العمالة المتقدمة في السوق الإعلامي، وعدد الكتاب المتميزين في الصحافة العربية، ناهيك عن تدني الحجم النوعي للإنتاج الفكري المعروف.

بالطبع هذا لا يلغي أن هناك فئة ماهرة تحفظ ماء الوجه لمصر، لكن مهما كان عدد أفرادها فهو لم يعد يتناسب مع المكانة التي سادت لفترات طويلة، بينما تقدم أنصاف المهنيين، وأحيانا عديمي الموهبة تماما لتمثيل مصر في مجالي الثقافة والإعلام.

وقد يكون سمح بعض الأشقاء العرب لهؤلاء بالتواجد عن قصد، وإتاحة الفرصة لنشر أعمالهم الرديئة والظهور على الفضائيات على سبيل المجاملة أو التمثيل القطري، أو اتخاذهم مادة للتهكم والتندر والسخرية على ما وصل إليه حال كثير من المبدعين في مصر.

من يراقب التطور والانتشار الذي وصلت إليه نخب عربية من دول عدة، لم يكن لها باع ثقافي وإعلامي طويل، يتحسر على الوضع الذي وصلنا إليه، الأمر الذي أبعدنا عن الاقتراب من مجال المنافسة على وظائف ومراكز متنوعة، فقد أصبحت الصورة الغالبة عن المثقف والإعلامي المصري، إما في شكل متسلق على استعداد لأن يبيع وطنه جريا وراء الدولار، أو انتهازي وأناني يقدم نفسه باعتباره النموذج، وكل من عاداه يدخل في نطاق العاهات المهنية.

وإذا تكرم وتعطف وقدم أشخاصا للعمل تعمد أن يقدم بضاعة رديئة، متصورا أنه يحافظ بذلك على مكانته المادية، وهو يدري أن ضميره الفاقد للمسئولية قد يحقق له مكاسب وقتية، لكنه يضر بسمعة وطن، كان في يوم الأيام مركز إشعاع، تجاوز حدود المنطقة العربية إلى ما ورائها، ولدى المنتمين لمهنة الإعلام والثقافة عموما سلسلة طويلة من النماذج تتسم بالأنانية المفرطة، والتي دفعت أصحابها إلى الانحياز لدول أخرى على حساب المصالح الوطنية.

وقد وقعت في يدي مؤخرا إحدى المجلات العربية الفكرية، وهالني ثراؤها بعدد كبير من الكتاب العرب، ولم أجد بينهم اسم مصري واحد قدم موضوعا متميزا، فسألت المسئول عنها حول سر هذا الغياب، فقال لم تعد هناك ثقافة عندكم، وكل من "هب ودب" يكتب في هذا المجال، مقتصرا على خواطره ومشاهداته الشخصية، دون حرص على تقديم إبداعات وأفكار حقيقية، فكان من الطبيعي أن يندر الإسهام المصري.

قلت له الثقافة والإعلام في مصر ليس فقط ما يصل إليكم، من إنتاج تجاري وإسهامات فقيرة، والأسماء التي تعرض عليكم وغيركم لا تمثل المشهد المصري على إطلاقه، بأي حال من الأحوال، ولا تعكس الرواج الحاصل في مجالات الأدب والسينما والمسرح والفن التشكيلي.

فهناك جيل واعد بدأ يصعد، يبدو أن البعض، في الداخل والخارج، لا يريد الالتفات إليه، فقد أراحتكم فترة الخمول التي دخلتها مصر خلال السنوات الماضية، وأرضت غرور البعض بشأن تراجع الدور الثقافي المصري، وتقدم الآخرين، وهو ما نسف القناعات التاريخية المتعلقة بفكرة التأثير الحضاري القوي لدول المركز (مصر ولبنان وسوريا) على الأطراف.

انتهت مناقشتي مع المثقف العربي الكبير، لكن لم تفارقني معانيها، التي تؤكد أن لدينا أزمة في النخبة من الواجب الإسراع بعلاجها، واستمرارها على هذا المنوال سوف تكون له انعكاسات سياسية، تؤثر حتما على المشروعات التي تراهن على جهد معتبر للأدوات الثقافية والإعلامية، لا يقل أهمية عن الدور الذي تلعبه القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية، في خلق مكانة تتناسب مع الطموحات المستقبلية، وهي الخلطة التي ضمنت لمصر مكانة بارزة، وعندما اهتزت اختل معها كل شيء، على مستوى القوة المادية والرمزية، واحتل الضعفاء الصدارة، وكان من المنطقي أن يبدو المصري خاملا من الناحية الثقافية.

ونحن على أعتاب مرحلة جديدة، تهدف إلى إعادة الاعتبار للدولة المصرية، من الواجب عدم تجاهل القوة الناعمة، بل منحها جانبا من الاهتمام لا يقل عن المشروعات الكبرى، التي منحتها الدولة أولوية واضحة.

من الضروري أن تكون هناك خطة عملية لنهضة ثقافية، وإستراتيجية تتجاوز الميراث القاتم للحقب السابقة، ورؤية لخريطة إعلامية تقدم الوجه المضيء لمصر، بدلا من صياح الديوك وإشعال الفتن وتصفية الحسابات التي نقرأ عنها في الصباح ونشاهد تفاصيلها وخباياها في المساء.

لدينا أجيالا من المتميزين في الثقافة والإعلام والإبداع بشكل عام، تستطيع أن تسد الفراغ الظاهر، فقط يتم تغليب معايير الكفاءة والنزاهة، ووضع آلية للمحاسبة، بموجبها يمكن وقف زحف المتسلقين، الذين أصبحوا عبئا تتجاوز مصائبه الحدود المحلية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
المزيد

 
>>