First Published: 2015-09-04

بريطانيا: هل يستدير اليسار إلى اليسار؟

 

فوز جيريمي كوربن من عدمه لا ينفيان حقيقة أن زعامةَ الحزب الجديدة لا تستطيع إلا أخذ العلم بتبدل المزاج العمالي والاعتراف بالرجل الظاهرة وبرنامجه الحالم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

عرفتُ جيريمي كوربن يوماً، حين جاء على دراجته الهوائية لدعم أحد الأصدقاء في سعيه لدى إحدى محاكم لندن للحصول على أوراق إقامة في بريطانيا. لم يتردد النائبُ العمالي في التحرك شخصياً والحضور للدفاع عن حقّ هذا الأجنبي في نيل لجوء سياسي هرباً من ديكتاتورية في بلاده. كان المشهدُ غريباً بالنسبة لنا، لكنه واحدٌ من المشاهد التي ما برحت تذهلنا في الديمقراطيات الكبرى، وهو أيضاً من المشاهد التي تعكسُ سلوكاً لصيقاً بحكايات المناضلين الذين ينتمون إلى زمن اليسار العتيق.

حين فاز حزب سيريزا اليساري في الانتخابات التشريعية اليونانية أوائل هذا العام، ذهب اليساريون النوستالجيون إلى اعتبار الأمر مفصلا يبشّر بتسونامي يساري سيجتاحُ أوروبا. ظهر زعيمُ الحزب أليكسيس تسيبراس بصفته فارساً متمرداً على قواعد المؤسسات المالية الدولية المتناسلة عن هيمنة النظام الرأسمالي الليبرالي في العالم. صدّق تسيبراس استثنائية الحدث، وراح يمعنُ في تحديه لشركائه الأوروبيين ملتجئا إلى حاضنته الانتخابية التي محضته من جديد دعماً لخياراته في الاستفتاء الشهير.

لم يمثّل الحدث اليوناني حالة بالإمكان تعميمها، بقي التفصيلُ محليّاً متعلّقاً بأزمة بيتية، فيما اضطر فارس اليسار اليوناني أن ينكفئ ويبتلع وعوده ويخضع لشروط الدائنين التي سبق لليونانيين أن رفضوها. في ذلك من اعتبر أن اليسار بالطبعة اليونانية الحالمة لا يتجاوزُ حدود الرومانسيات القديمة التي سرعان ما تزول بعد الإستيقاظ على الوقائع والحقائق التي تسيّر عالم اليوم.

جاءت هزيمة حزب العمال في الانتخابات التشريعية البريطانية الأخيرة هذا العام (بعد هزيمة 2010 أيضاً) لتُسقطَ أحلام اليسار في أوروبا. لم تتوقع استطلاعاتُ الرأي انتصار حزب المحافظين الكاسح، بما عكس صعوبة الرصد المسبق لمزاج الناخبين، وبالتالي ركاكة استناد اليساريين على توقعات معلّبة متسرّعة.

في حزب العمال من عزا الهزيمة إلى تموضع يساري للحزب مقابل ليبرالية محافظة حققت انجازات في حساب الأرباح والخسائر للاقتصاد البريطاني. فوز اليمين المحافظ عائد، إذن، وفق تحليلات العماليين المحبطين، ليسارية لم تعد موضة العصر. من هذه اليسارية البالية ينطلقُ جيريمي كوربن، ويراكمُ أفكاره ورؤاه، ويقتحمُ مسرح التنافس على الزعامة في حزب العمال، بما شكّل مفاجأة ترتعبُ لها فرائصُ القيادة العمالية الراهنة.

حين تقدّم الرجل بترشحه لزعامة الحزب لم يأخذ العماليون كما الأوساط البريطانية الأمر على محمل الجد. قيل أن ما يطلق عليه بالمرشحين "الجديين" ساعدوا كوربن في الحصول على العدد اللازم من التواقيع الضرورية لتأهيل الترشح، ذلك أنهم أرادوا من ترشّحه أن يكون سلاحاً للنيل من الخصوم. فلا أحد كان يخشى هذا الحصان الذي يدخلُ السباق مترجلاً من ماضوية حالمة إنقرضت وتقادمت وأضحت خارج كل التقليعات، إلى أن وضعته استطلاعات الرأي في الصفوف الأولى للفوز.

جيريمي كوبرن الذي قاد دراجته الهوائية لدعم أجنبي من بلاد بعيدة، يقودُ هذه الأيام حملةً مخصّبة بقيّم بالية-جديدة. يستدعي الرجل "رأس المال" ويكتشف من جديد أن "هناك الكثير لنتعلمه من كارل ماركس". لا تفوته مناصرة الاضرابات والاجهار بعدائه للملكية والدعوة إلى إعادة تأميم شبكة السكة الحديد. والرجل مناهض للسلاح النووي، متضامنٌ شرسٌ مع الفلسطينيين، مناضل صلب في رفض الحرب ضد العراق في عهد العمالي توني بلير.

نباتيٌّ لا يشرب الكحول ولا يمتلكُ سيارة ويمثّل في ذلك وجوه عتيقة لمثقفي شمال لندن اليساريين. وفي خضم الجدل حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي والجدل الدائر حول الاستفتاء المزمع تنظيمه العام المقبل في هذا الشأن، يدافعُ الرجل، للمفارقة، عن خيار البقاء داخل الاتحاد، على أن تكون أوروبا العدالة الاجتماعية وليس أوروبا البورصة وأسواق المال.

جيريمي كوبرن (66 عاماً) ديناصور يساري داخل حزب العمال، نائب لمنطقة ايزلنغتون اللندنية لأكثر من 30 عاماً، منحه آخر استطلاع للرأي نسبة 53 بالمئة، أي أكثر بـ 32 نقطة من أندي برنهام، القريب من زعيم الحزب السابق (المستقيل بعد الهزيمة الأخيرة) إد مليبند، وأكثر بـ 35 نقطة من ليز كندال (التي تعتبر نفسها من الموروث الوسطي لتوني بلير).

"كوربن هو المصل المضاد لفيروس بلير في قلب حزب العمال" حسب تعبير ديف وارد، الذي أعلن دعم نقابة موظفي الاتصالات المقدر عدد أعضائها بمئتي الف عضو. يردُّ بلير ساخرا: "اولئك الذين يميلُ قلبهم لكوربن يحتاجون إلى زراعة قلب". المعركة إذن هي تصفية حساب تأخرت مع ما "اقترفه" توني بلير ضد هوية الحزب. أخرج بلير من جعبته ذلك "الطريق الثالث" الذي شوّه تميّز الحزب وجعله متماهياً مع ليبرالية شرسة غزت العالم منذ الثنائي رونالد ريغن ومارغريت ثاتشر. فهل نضج حزب العمال للتخلص مما هو طارئ والعودة إلى أصالة منسية؟

من الصعوبة استشراف مآلات المعركة العمالية، ومن العبث التعويل على استطلاعات الرأي التي أظهرت فشلاً معيباً في توقّع فوز كاميرون وحزبه في بريطانيا (كما فوز نتياهو وحزبه في إسرائيل). لكن كوربن يمثّل الوجه المضاد لليبرالية العمالية، يحظى بدعم المنابر المحلية للحزب والنقابات، ويحشد أؤلئك الغاضبين من سياسة التقشف التي تعتمدها حكومة دايفيد كاميرون المحافظة في البلاد.

يعوّل أنصار كوربن على ذلك الاصلاح الذي دخل على النظام الانتخابي الداخلي، والذي أضحى يعترف للمناصر بنفس صلاحيات العضو كما النقابي في انتخابات الحزب الداخلية. في ذلك أنه، بالاضافة لـ 79 ألف عضوا، إنضم في الأسابيع الأخيرة 145 ألفاً دفعوا اشتراكاتهم التي تخوّلهم التصويت، بما يضاعف حظوظ كوربن في تبوؤ "عرش" العمال.

أهملته الصحافة البريطانية اليسارية قبل اليمينية، ثم عادت لتفرد له مساحات واسعة لتغطية حملته. يخشى بارونات الحزب هذا "الدخيل" المزعج الذي يلعب وفق قواعد غير مألوفة. بعضهم يذكّر بسابقة مايكل فوت الذي أدى برنامجه اليساري، على حدّ زعمهم، الى فوز مارغريت ثاتشر عام 1983 التي غيّر مجيئها وجه بريطانيا وقذف بالعمال خارج الحكم ردحاً موجعاً من الزمن.

بين آمال اليساريين وطموحاتهم في زمن ظاهرة حزبيّ سيريزا في اليونان وبوديموس في اسبانيا، وبين خشية النخب العمالية من أن فوز الرجل كارثة تنذرُ بخسارة أي انتخابات تشريعية مقبلة، تذكّر أوساط كوربن أن مزاج الناخب قد اختلف، وأن الاسكتلنديين سبق أن محضوا أغلبية للحزب الوطني الاسكتلندي المعتبر يساريا، ويلحظون أن 36 بالمئة من الناخبين لم يشاركوا في التصويت في إنكلترا، على نحو يغري بالغرف من تلك الكتلة الساكنة المتغيبة.

أن يفوز جيريمي كوربن أو لا، فذلك ما ستفرجُ عنه الصناديق التي سيعلن عن نتائجها في 12 من الشهر المقبل (بدأ التصويت في 14 من الشهر الماضي). لكن أياً تكن تلك النتائج، وحتى في حال عدم الفوز، فإن زعامةَ الحزب الجديدة لا تستطيع إلا أخذ العلم بتبدل المزاج العمالي والاعتراف بالرجل الظاهرة وبرنامجه الحالم.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
هذه الترامبية التي تقلق إسرائيل!
2017-05-19
هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟
2017-05-12
ماكرون رئيساً: فرنسا تعيد تصويب التاريخ!
2017-05-08
وثيقة حماس: ضجيج من أجل الهمس!
2017-05-05
لا إصلاحيون في إيران.. نعم لرئيس محافظ!
2017-05-01
هل تتطلب 'التسوية الكبرى' زعامة مروان البرغوثي؟
2017-04-28
نعم مارين لوبن تقترب جدا من أبواب الاليزيه!
2017-04-21
روسيا ترد على الغرب بدبلوماسية 'قلة الفهم'!
2017-04-14
توماهوك الشعيرات: قراءة بيتية أميركية!
2017-04-10
المزيد

 
>>