First Published: 2015-10-29

فتش عن الرؤية المصرية الغاطسة

 

لا يمكن أن تكون السياسة المصرية قادرة على تحقيق كل هذه النجاحات في الخارج بينما تقف منعدمة الرؤية في الداخل.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

هل يمكن أن ينجح نظام حكم على المستوى الخارجي، ويواجه تعثرا داخليا؟ وما هي الأسباب التي تؤدي للتفوق هنا، والإخفاق هناك؟ وكيف يستطيع نظام أن يهزم خصومه، من قوى إقليمية ودولية جبارة، بكل ما تملك من إمكانيات أمنية وسياسية وإعلامية واقتصادية، ولا يتمكن من إلحاق هزيمة ساحقة بخصومه التعساء في الداخل؟

هذه الأسئلة وغيرها، دارت في ذهني وأنا أتابع الخطوات والتحركات المصرية على صعيد السياسة الخارجية، التي حققت نجاحات كبيرة خلال فترة وجيزة، بل صححت أخطاء سنوات ماضية، بدت فيها مصر بعيدة عن كثير من التفاعلات الإقليمية والدولية، بما ألحق أضرارا بالغة بمصالحها الإستراتيجية.

الفترة الماضية، أعادت السياسة الخارجية العافية والحيوية للدور المصري، وبنت صورة جديدة، بموجبها تمت صياغة العلاقات مع دوائر متعددة، على أساس تعظيم المصالح الوطنية، في وقت كانت هناك جدران مرتفعة أمام أي توجهات تسعى لعلاقات طبيعية، بل كان هناك إصرار على حشرنا في زاوية ضيقة، أملا في أن ترضخ الدولة للضغوط المتفرقة التي مورست عليها، وتستجيب لمطالب جهات مختلفة، من الشمال والجنوب، ومن الشرق والغرب، وفي النهاية انتصرت الإرادة المصرية، لأن القيادة السياسية كانت لديها رؤية واضحة لما تريده، وتسير وفق منهج محدد، لا يسعى فقط إلى تقليل الخسائر، لكن للوصول إلى مكاسب بدت للبعض بعيدة المنال.

والنتيجة التي وصلت إليها مصر الآن، هي تحقيق تفوق ملحوظ، تجاوز إبعاد أو تحييد الأخطار الداهمة، إلى المشاركة في رسم خريطة المنطقة، من خلال الانخراط في أزماتها الساخنة، وتقديم مقاربات لإطفاء عدد من البؤر الملتهبة. ولعل الدور المصري المتصاعد في الأزمة السورية خير دليل. فإذا كانت روسيا تبدو العراب الدولي في هذه الأزمة، فالقاهرة تمكنت أن تكون واحدة من المحطات الفاعلة إقليميا، تبدأ وتنتهي عندها كثير من الخطط والتصورات السياسية.

المثير أن الأمر لا يقتصر على الأزمة السورية، لكنه ينطبق، وبدرجات متفاوتة، على أزمتي ليبيا واليمن، وعلى ضوء البوصلة المصرية، أضحت تتحدد بعض الخطوط والتوجهات، حتى في الموقف من أدوار بعض القوى الإقليمية وهوامش حركتها، تلعب مصر دورا في ترجيح موازينها، لأن هناك رؤية عامة، تندرج تحتها الكثير من التفاصيل الدقيقة، ترسم الطريق للوصول إلى الهدف، عبر معرفة مفاتيحه، وسبل تجاوز العقبات والمطبات التي تعتريه، وكانت النتيجة حصد الكثير من النقاط ووضعها في سلة السياسة الخارجية.

في المقابل، تبدو الرؤية على الصعيد المحلي غائمة، وربما غائبة أصلا، وهو ما يفسر عدم تحقيق إنجازات تتناسب مع ما تم الوصول إليه خارجيا. فالمشكلات تتراكم، والأزمات تتزاحم، بدءا من غلاء الأسعار، وحتى الإخفاق في التعامل مع امتحان نوة الإسكندرية، التي كشفت اتساع العجز في المحليات، ومرورا بحزمة كبيرة من التحديات، لم تظهر حتى الآن بارقة أمل تشير إلى إمكانية التصدي لها، ووقف تداعياتها السلبية.

الفرق الجوهري، لتفسير النجاح الخارجي والفشل الداخلي، يكمن في امتلاك الرؤية الصائبة، فالقيادة السياسية التي تدير الدفتين، تعرف ماذا تريد في الأولى، ولديها غموضا في الثانية، تملك أدوات التعامل الجيدة مع النسق الحاكم في الأولى، من طاقم سياسي ودبلوماسي محنك، إلى معلومات واضحة ومحددة عما يدور في العالم، ومراكزه المؤثرة، بينما لا تزال تجهل ذلك على الصعيد الداخلي، حيث تدار ملفات حديثة بخلفيات ورواسب قديمة، مع أن الأول أشد تعقيدا من الثاني، وبحاجة إلى قوى وأدوات قادرة على مجابهة الأجزاء الغاطسة أكثر من الأجزاء الظاهرة فوق السطح.

الشيء الذي يفسر لنا هذه الازدواجية، يمكن إيجازه في عدة نقاط، أهمها، أن التقديرات لحجم المخاطر والأضرار على المستوى الخارجي واضحة، وغالبية أطرافها السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية، معروفة إلى حد كبير، وهو ما يسهل التعاطي معها، لكن داخليا الأوضاع متداخلة ومتشابكة، بطريقة مثيرة، اجتماعيا واقتصاديا، بحيث يصعب رسم خريطتها ومعالمها بدقة.

كما أن الحسابات الحاكمة في الحالتين مختلفة. فخارجيا الرؤية متحللة من القيود والمجاملات، ومحكومة فقط بتقديرات تسير في طريق واحد واضح كالشمس، هو الحفاظ على المصلحة الوطنية، والوقوف في وجه أطماع أي قوى، مهما كانت كبيرة أم صغيرة، لكن داخليا موازين القوى لها حسابات مغايرة، وتتحكم فيها اعتبارات، تفوق أحيانا المصلحة الوطنية، وتضغى عليها المصالح الشخصية، ويملك البعض من النفوذ والقوة، ما يناطح، وربما يتفوق على إرادة الدولة، بالتالي من الطبيعي أن تكون النتيجة مخيبة للآمال محليا، وطالما بقيت هذه المعادلة على حالها من الاختلال سوف يزداد التعثر، وتتراكم المشكلات، وتتصاعد حدة الأزمات، ويتصارع أصحاب الحظوة والنفوذ على حصد الغنائم.

المطلوب أن تكون الرؤية الداخلية واضحة، وبعيدة عن القيود، أو الخوف من الارتدادات السلبية، خاصة أن هناك من يسعى إلى تضخيم الهواجس والمخاوف، لعدم الاقتراب أو التغيير، لأنها تحقق مصالح فئة محدودة، مرتاحة لمواصلة الارتباك، وتحاول وضع العراقيل، إذا بدت في الأفق مؤشرات لضبط التوازنات، ومطلوب أيضا أن تسير الرؤيتان على خطين متوازيين، لأن استمرار الخلل لفترة طويلة، سوف يؤدي إلى مضاعفة الإحباط العام، وتخريب الطموحات، وهدم الآمال التي بنيت على نتائج المشروعات الكبيرة، بما يساهم في تمترس طبقة حققت أرباحا باهظة من وراء عدم القدرة على تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها البعض لأنفسهم، وكأنهم فوق الدولة، لهم طقوس وعادات يطبقوها على المسئولين، دون أن يستطيع هؤلاء إعلاء سيف القانون والمحاسبة.

الحاصل أن استمرار المفارقة بين الخارج والداخل، سوف تكون له انعكاسات على عوامل التفوق والنجاح، فإذا لم تستطع العملة الجيدة أن تطرد الرديئة، يمكن أن يحدث العكس، لأن تزاحم المشكلات الداخلية يعيق النجاحات الخارجية، والانخراط في الهموم المحلية، تدفع ضريبته السياسة الخارجية، وتمددها في أجواء مليئة بالأزمات يصبح نوع من الرفاهية، لذلك من الضروري البحث عن صيغة عاجلة تضبط إيقاع الزيادة المفرطة في المشكلات، بصورة تسير حسب الروشتة التي أعادت لمصر اعتبارها، إقليميا ودوليا، وتملك عنوانا عريضا اسمه استعادة الرؤية الغائبة.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
تغيير وجه السودان سياسيا
2017-03-30
إغلاق صفحة أوباما مع مصر
2017-03-23
معركة تحرير العراق من إيران
2017-03-16
المزيد

 
>>