First Published: 2015-11-05

الخطايا السبع لأردوغان

 

الانتصار الذي حققه أردوغان يكبله ويفرض عليه المزيد من الجهود المحلية، لتحقيق تطلعات المواطنين الذي منحوا حزبه أصواتهم، لأسباب داخلية، وليس لاستكمال طموحات خارجية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

لا أحد ينكر أهمية ودلالة النجاح الكبير الذي حققه حزب العدالة والتنمية في تركيا، وقدرته خلال خمسة أشهر فقط على قلب الطاولة ضد خصومه السياسيين، بعد أن وصلت النسبة التي حصل عليها في الانتخابات البرلمانية إلى نحو 49.5 في المائة، الأمر الذي يمكنه من تشكيل حكومة تجنبه المساومات والمناورات التي تعرض لها، عندما تدنى عدد مقاعده في انتخابات يونيو الماضي إلى 41 في المائة.

لكن الشيء اللافت أن قطاعاً كبيراً محسوباً على التيار الإسلامي، في تركيا وخارجها، تعامل مع المسألة على أنها نجاح ساحق حققه هذا التيار، الذي تعرض لإخفاقات واضحة في كل من مصر وتونس وليبيا، وتجاهل هؤلاء خصوصية التجربة التركية، ما جعلها مختلفة تماماً عن غيرها في البيئة العربية، لأن النشأة والخبرات والأجواء، وحتى الأشخاص والأفكار، متباينة بصورة تخرج المقارنة عن أي موضوعية.

الوقوف عند تقييم نتائج الانتخابات البرلمانية في تركيا، وما أفرزته من ردود أفعال، يقدم الكثير من العبر والدروس والمعاني السياسية، ومن هنا يمكن التدقيق في سبع خطايا ترددت على نطاق واسع، وأخذ أصحابها في التعامل معها، بحسبانها حقائق راسخة، ويغمزون ويلمزون، بأطراف خفية وعلنية، إلى نتائج الجولة المرحلة الأولى من الانتخابات المصرية، بطريقة تكشف مآربهم السياسية، من وراء تكرار مديح الانتخابات التركية.

الأولى، فوز حزب العدالة والتنمية منح جماعة الإخوان قبلة حياة، وهذا الفوز مقدمة لأن يعيدهم إلى صدارة المشهد الإقليمي مرة أخرى، على اعتبار أن هذا الحزب الأب والمرشد الروحي، وقائده يمثل الزعيم الملهم، وما حدث خلال العامين الماضيين، حان وقت تصحيحه، بموجب الفوز الذي حققه أردوغان، وهي رسالة أراد أصحابها العزف عليها، بغرض إعادة الأمل لقواعد التيار الإسلامي المتآكلة، بعد أن خذلها قادتها، وخابت آمالهم في الامساك بزمام السلطة التي قفزوا عليها في بعض الدول العربية.

لم يدرك هؤلاء أن الانتصار الذي حققه أردوغان يكبله، ويفرض عليه المزيد من الجهود المحلية، لتحقيق تطلعات المواطنين الذي منحوا حزبه أصواتهم، لأسباب داخلية، وليس لاستكمال طموحات خارجية، بالتالي فأردوغان المتعجرف المؤيد دائما وأبدا للإسلاميين، بصرف النظر عن تطرفهم أو اعتدالهم، ستكون له أولويات أو أجندة مختلفة عما كان عليه الحال قبل هذه الانتخابات، ومهمته الرئيسية، وسط التحديات التي يواجهها، أصبحت محلية بامتياز.

الثانية، ما يجري في تركيا يعكس صورة مصغرة لما يدور في بلدان عربية للصراع بين الإسلام والعلمانية، وهو خطأ فادح درج على ارتكابه الكثير من المنتمين للجماعات الإسلامية، بشتى أطيافهم وألوانهم، لأن النجاح الذي حققه العدالة والتنمية، جاء من رحم حسابات اقتصادية استطاعت أن تلبي حاجات فئة كبيرة من المواطنين، وليس من روشتة تستهدف العلمانيين، وتتعمد رفع راية الإسلاميين، وعندما شعر البسطاء والأغنياء أيضا من الأتراك، أن الاستقرار الذي تحقق على هذا المستوى، معرض للخطر بفعل التناحر بين الأحزاب، اختاروا عدم التفريط في حزب أردوغان الذي وفر لهم قدراً من الرفاهية الاقتصادية، وليس حباً في قناعات إسلامية.

الثالثة، أردوغان سيهزم داعش، وينقي التيار الإسلامي من المتشددين، وهي فرية بدأت تتردد بكثافة أخيراً، لمنح الفوز الذي حققه حزب العدالة والتنمية طعماً خارجياً، وتسويقه على أنه حامٍ أو حارث، وربما سيد الإسلاميين، وتجاهل هؤلاء عاملين، أحدهما أن توجهات أردوغان كانت من بين العوامل التي أدت إلى تضخم التنظيم المتطرف، والآخر أن مواجهة داعش لعبة إقليمية ودولية، تتجاوز حدود وقدرات وطموحات أردوغان وأنصاره، ومصيرها تقرره قوى تملك نفوذا، قد تكون أنقرة واحدة منها، لكنها أبدا ليست الوحيدة التي تتحكم في مفاتيح الحل والعقد.

الرابعة، الأكراد فقدوا الأمل في تكريس انفصال إقليمهم، بعد أن وجه أردوغان لهم ضربة قاسية، أدت إلى تراجع تمثيلهم في البرلمان عما كانوا عليه في الانتخابات الماضية (80 مقعدا)، وقد تغافل أصحاب هذه الرؤية الفروق الخاصة بهذا التراجع، حيث عمد العدالة والتنمية إلى استمالة موالين له في المناطق التي يقطنها أكراد، وزادت حدة الخلافات في صفوفهم، المهم أن حزب الشعوب الديمقراطي (ممثل الأكراد) نجح في دخول البرلمان، بعد أن تجاوز نسبة ال 10 في المائة المقررة، وحصد 10.7 في المائة (59 مقعدا)، وهو ما يحوله لعنصر مشاكس في البرلمان، وأن الدوافع التي أفضت للتراجع لها علاقة بأدبيات وألاعيب الانتخابات، ولا تمثل تغييرا في الثوابت التي يدعم على أساسها الأكراد هذا الحزب.

الخامسة، الانتخابات جرت في أجواء ديمقراطية تماما، وهذا غير صحيح، بالطبع لا أحد يشكك في عملية الانتخابات، لكن هناك مقدمات وممارسات أثرت على نزاهتها بصورة غير مباشرة، اعترف بها كتاب مغرمون ومتيمون بأردوغان وحزبه، من نوعية تقديم رشاوى مقننة للمرأة والشباب والعاملات، حيث قرر الرجل أخيرا صرف إعانات لفئات كثيرة من هؤلاء، الأمر الذي لم يكن موجودا قبل خمسة أشهر، بشكل دفع القطاع المستفيد للتصويت لصالح حزبه، حبا في المساعدات أكثر من السياسات، بالتالي فالحديث عن النزاهة الكاملة بحاجة إلى إعادة نظر.

السادسة، المعارضة تتحرك بحرية كبيرة لا توجد مثلها في الدول العربية، وهذه خطيئة جديدة تضاف لجملة الخطايا السابقة، لأن أردوغان فرض قيودا على تحركات عدد من المعارضين، وكبل أيدي وأرجل الكثير من وسائل الإعلام المناهضة له، لذلك فالكلام عن الحريات والتعددية الكاملة يبدو بعيدا عن الواقع، فهناك ممارسات انتقدها أردوغان بحدة في دول لم يتردد في الاقدام عليها، لمجرد تحسين موقع حزبه داخل البرلمان، من هنا صار التشدق بالديمقراطية يتمحور في الشق الخطابي أكثر من العملي.

السابعة، أردوغان أصبح ملكاً متوجاً، ربما تكون نتيجة الانتخابات توحي بهذا المعنى، حيث يستطيع حزبه تشكيل حكومة منفرداً، بالتحالف فقط مع عدد طفيف من المستقلينن، لكن هذا يحمله مسؤولية كبيرة، فجزء ممن انتخبوه كان دافعهم الخوف من الائتلافات الحزبية، التي يمكن أن تدخل البلاد في دوامة عبثية، وليس لتنصيبه سلطاناً، وقد بات مطالباً بأن يلبي هذا الطموح، الذي سيكون رادعاً لأي تمادٍ في أن تتحول الصفات الرمزية للسلطان، والمكبوتة داخله، إلى حقيقة فعلية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
المزيد

 
>>