First Published: 2016-01-28

الشروط الذاتية والموضوعية للمصالحة

 

هل نريد مصالحة فلسطينية حقيقية ام مصالحة استرضاء هذا الطرف الاقليمي او ذاك؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم أبراش

الفلسطينيون اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما نجاح المصالحة الوطنية فعليا وعمليا، أو نجاح المشروع الصهيوني بإقامة دويلة غزة المسخ والتقسيم الوظيفي لأراض ومقدسات الضفة والقدس. لذا ولتجنب الخيار الأسوأ يجب إنجاح جهود المصالحة.

دون معرفة جذور وأسباب أية مشكلة معرفة دقيقة، فكل مشاريع وسيناريوهات حلها ستكون شطحات نظرية ومجرد أوهام، كما أن تحديد وضبط المشكلة يعتبر نصف الطريق لحلها. لذلك فإن تعريف الانقسام وأطرافه وصانعيه أمر مهم، كما أن تعريف المصالحة أو ما هو المقصود بالمصالحة وأطرافها أمر مهم أيضا إذا شخصنا بشكل جيد أسباب الانقسام ومعيقات المصالحة يمكننا من خلال رصد المتغيرات الجارية الحكم على فرص نجاح أو عدم نجاح جهود المصالحة التي تجري هذه الأيام.

اختزال مشكلة الانقسام -فصل غزة عن الضفة ووجود حكومتين وسلطتين واستمرار تعثر جهود المصالحة- بالخلاف بين حركتي فتح وحماس فقط ليس صحيحا والحديث بصيغة عامة عن المصالحة لن يفيد في تحقيق المصالحة المطلوبة وطنيا. مصالحة حركتي فتح وحماس لن يحل المشكل ولن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل 2005 أو يوليو 2007، إن كان المقصود بالمصالحة هو هذا.

نعم الخلاف السياسي والأيديولوجي موجود ويتمظهر بأشكال استفزازية ومُهينة لكل فلسطيني وللكل الفلسطيني، كما لا ننكر أن الجماعات المرتبطة بهذا الطرف الخارجي أو ذاك موجودة ولا تتوانى عن إثارة الفتنة والتشكيك بكل جهد جاد للمصالحة، كما توجد جماعات مصالح مستفيدة من الانقسام، ولكن، المعادلة أكبر من ذلك وأكثر تعقيدا، وبالتالي معالجة الملف يحتاج للتمييز ما بين الشروط الذاتية - دور وحجم المسؤولية الفلسطينية عن الانقسام والشروط الفلسطينية الواجبة لإنهاء الانقسام- من جانب، والشروط الموضوعية -المسؤولية الخارجية عن الانقسام والشروط والمتطلبات والتحديات الخارجية التي تعزز حالة الانقسام وبالتالي تُعيق عملية المصالحة - من جانب آخر.

إن ما يسمى بالانقسام ليس مجرد خلاف سياسي بين حركتي فتح وحماس، لأنه لا يُعقل أن الخلافات السياسية بين الطرفين على درجة من الخطورة والتباعد بحيث إن تسع سنوات من المفاوضات ووساطة أكثر من دولة تفشل في تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، كما لا نعتقد أن قيادات هذين الحزبين، تستهين بمخاطر الانقسام على مستقبل القضية الفلسطينية وتتجرد من حسها الوطني وترضى باستمرار معاناة الشعب وخصوصا في قطاع غزة، وبتدمير النظام السياسي والمشروع الوطني.

إن كل متابع لمجريات الأمور منذ عام 2000 وبعد فشل مباحثات طابا ثم اجتياح الضفة الغربية عام 2002 والانسحاب الإسرائيلي من القطاع 2005، يُدرك أن إسرائيل وبمباركة أميركية قررت تغيير المعادلة في مناطق السلطة الفلسطينية من خلال تصفية الرئيس ياسر عرفات والنهج العرفاتي كله، وفصل غزة عن الضفة. وكل ما جرى بعد ذلك كان تهيئة المسرح لتنفيذ هذا المخطط بأدوات فلسطينية وعربية وإقليمية، وعلى خشبة المسرح لعب فلسطينيون أدوارا مُعدة لهم، بعضهم كان على علم بالمخطط وقابِلٌ بلعب هذا الدور، والبعض الآخر كان غير عالم به ويعتقد نفسه بطلا حقيقيا.

لن نخوض مجددا في ملف الانقسام وتداعياته وقد تحدثنا عنه بالتفصيل في كتابنا "صناعة الانقسام: النكبة الفلسطينية الثانية" الصادر عن دار الجندي 2014. ولكن ما نود التأكيد عليه أنه وبالرغم من أخطاء وتقصير البعض وتواطؤ البعض الآخر في صناعة الانقسام وإفشال المصالحة، إلا أن المعادلة كانت وما زالت أكبر من حركتي فتح وحماس، وقد اعترفت إسرائيل بأن الانقسام صناعة إسرائيلية، وهذا ما جاء على لسان الرئيس السابق للكيان الصهيوني شمعون بيرس الذي قال: "إن واحدة من أهم إنجازات دولة إسرائيل تتجسد بالانقسام السياسي الفلسطيني الذي جرى في حزيران 2007م".

إن القيادات العليا في كل من فتح وحماس والفصائل الأخرى تعلم جيدا هذه الحقيقة، قيادة فتح ومنظمة التحرير تعلم أن حركة حماس ليست الطرف الوحيد المُعيق للمصالحة، وقيادة حماس تعلم أنه ليس فتح ومنظمة التحرير هما من يعيقان إنجاز ملف المصالحة، والطرفان يعلمان أنه ليس بمصالحة فتح وحماس يمكن إعادة توحيد الضفة وغزة في إطار سلطة وحكومة واحدة، بل يحتاج الأمر لمعادلة إقليمية ودولية جديدة، أو مصالحات إقليمية ودولية ترفد المصالحة الفلسطينية، مع عدم تجاهل أهمية الشروط الذاتية حتى وإن كانت ضعيفة، ذلك أن القضية تبقى قضيتنا الوطنية والشعب الفلسطيني هو المتضرر أولا وأخيرا من الانقسام، وهو المستفيد من المصالحة.

الطرفان يعلمان أنهما أو بعض مكوناتهما انزلقا في مخطط الانقسام، وأن تحميل كل منهما الطرف الآخر المسؤولية إنما يهدف إلى التغطية على الفشل أو العجز، سواء في مواجهة المخطط الإسرائيلي للحفاظ على الانقسام وفصل غزة عن الضفة،أو التغطية على مأزق الخيار المنفرد لكل منهما: خيار المفاوضات بالنسبة للسلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح، وخيار المقاومة المسلحة بالنسبة لحركة حماس.

ومع فإن أي حديث عن المصالحة لا بد أن يكون من خلال حركتي فتح وحماس باعتبارهما أكبر فصيلين في الساحة وكل منهما يتمتع بنوع وبدرجة ما من الشرعية. كما أن المصالحة مصطلح مراوغ يقبل أكثر من معنى ولها أكثر من طريق. المصالحة بمعنى توحيد الضفة وغزة وإعادة الأمور إلى ما قبل 2005 أو 2007 أمر مهم، ولكن إن كانت الظروف لا تسمح بذلك بدون تحريك ملف تسوية سياسية تشارك فيها كل الأطراف، فهذا لا يعني التوقف عن جهود المصالحة بل يجب طرق مداخل أخرى للمصالحة، وإلا سيُصاب الشعب بالإحباط وبانتكاسة جديدة.

لكن هناك مداخل وأشكال متعددة للمصالحة، مثلا إنجاز مصالحة في إطار إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية بعيدا عن حسابات السلطة والحكم، أو البدء بمصالحة متدرجة تعمل على تفكيك بعض ملفات الانقسام ومواجهة العدو المشترك المستفيد من الانقسام في إطار إستراتيجية وطنية مُتفق عليها الخ.

بالرغم من الانقسام وتداعياته فإن هناك عملية انكشاف للحقائق وتفكيك لمركبات معادلة الانقسام سواء على المستوى الإقليمي والدولي أو المستوى الوطني، الأمر الذي يمنح أملا بالمصالحة ويحث على عدم النكوص عن طريقها.

1- بالنسبة لإسرائيل وبالرغم من نجاح مخطط الانقسام والفصل إلا أن إرادة الصمود والمقاومة لم تنكسر لا في قطاع غزة ولا في الضفة حيث الانتفاضة تُرعب المجتمع الصهيوني وتضعه في مواجهة مباشرة مع أصحاب الأرض الحقيقيين في كل شارع وحارة ومدينة وقرية.

2- وعلى المستوى العربي والإقليمي فإن المشاريع والأجندة الإقليمية التي لعبت دورا في صناعة الانقسام باتت تنكشف وتتغير وبعضها يفشل.

3- وعلى المستوى الدولي تتزايد حالة التأييد والتعاطف مع الشعب الفلسطيني وفي انكشاف الوجه الإرهابي والبشع لإسرائيل وقطعان مستوطنيها، حتى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون خرج عن لغته المغمغمة إلى لغة صريحة، حيث قال قبل يومين في جاكارتا إن "الاحتلال الإسرائيلي هو السبب في موجة الإرهاب الحالية" وأن "الغضب الذي نراه اليوم نتيجة خمسة عقود من الاحتلال الإسرائيلي، نتيجة الخوف والذل والإحباط وعدم ثقة الشباب الفلسطيني المحبط من عدم الوفاء بالوعود".

4- وعلى المستوى الوطني هناك حرك شعبي وحالة تذمر بل وغضب على الأحزاب وحتى داخل الأحزاب نفسها، والانتفاضة أو الهبة باتت تُحرج كل الأحزاب والقوى السياسية، وهناك ثبات الشعب على أرضه، وحتى بقاء الصراع مع إسرائيل بدون حل هو بحد ذاته ورقة قوة، لأنه يضع إسرائيل في مواجهة حقيقة وجود 12 مليون فلسطيني، نصفهم خارج الوطن وينتظرون حق العودة، والنصف الآخر داخل الوطن، إن لم تمنحهم إسرائيل دولة مستقلة فلن تكون إسرائيل يوما لا دولة ديمقراطية ولا دولة يهودية.

هذه الانجازات والحقائق تشكل أرضية تستحق محاولة الاشتغال على مصالحة وطنية حقيقية، ليس إرضاء لهذا الطرف العربي أو الإقليمي أو ذاك، وليس كمناورة للخروج من مأزق مالي أو للالتفاف على حالة الغضب الشعبي، بل مصالحة حقيقية ستؤدي في حالة نجاحها لفشل المخططات الإسرائيلية، وستُحرَج الأطراف العربية والإقليمية المشاركة في مخطط الانقسام وقد يدفعها إلى إعادة النظر بمواقفها.

 

د. إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

 
د. إبراهيم أبراش
 
أرشيف الكاتب
انقلاب في السياسة الأميركية وليس مجرد نقل سفارة
2017-12-09
نقل السفارة الأميركية إلى القدس: الخلفيات والتداعيات
2017-12-07
طبِّعوا إن شئتم، ولكن ليس على حساب الحق الفلسطيني
2017-12-06
إرهاب الصغار للتغطية على إرهاب الكبار
2017-11-26
إشكال الديني والسياسي والبحث عن مرجعية ناظمة
2017-11-22
استقالة الحريري كإحدى تداعيات فوضى الربيع العربي
2017-11-17
الرئيس الذي تَوَزَع دمه بين القبائل
2017-11-11
الصفقة الكبرى بين التهويل والتهوين
2017-11-08
إشكالية الموضوعية في التحليل والبحث السياسي
2017-11-05
وعد بلفور: افتئات على التاريخ وانتهاك للحقوق
2017-10-29
المزيد

 
>>