First Published: 2016-02-25

المصالحة والانقسام والتسوية السياسية الفلسطينية

 

يجب ان يتفق الفلسطينيون بينهم وبين بعض. بدون الاتفاق لن ينجح لا مشروع سلام فلسطيني ولا مشروع مقاومة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم أبراش

لأن المصالحة ليست شأنا خاصا بالأحزاب فقط، وليست شأنا قطريا أو مصريا أو تركيا، بل قضية مصيرية لشعبنا، فإن تعثر أو فشل حوارات الفصائل حول المصالحة والوحدة الوطنية لا يعني طي صفحة المصالحة والتسليم بالأمر الواقع. المصالحة التي تجسد الوحدة الوطنية ضرورة ومصلحة وطنية مصيرية عليها يتعلق مصير الشعب والقضية برمتها، لأنه بدونها لن ينجح لا مشروع سلام فلسطيني ولا مشروع مقاومة، وبالتالي يجب أن لن تبقى مسألة المصالحة والوحدة الوطنية أسيرة حوارات الأحزاب ورغباتها.

من هذا المنطلق لن نتوقف عن الحديث والكتابة حول المصالحة والوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام حيث لا قيمة أو جدوى أو أمل في أي عمل عسكري جهادي أو سياسي دبلوماسي أو بناء مؤسسات دولة أو في حياة كريمة للمواطنين الخ في ظل الانقسام وغياب المصالحة والوحدة الوطنية وعدم التوصل لإستراتيجية وطنية تقوم على الشراكة السياسية للجميع.

طوال تسع سنوات كابرت وعاندت كل القوى السياسية، وخصوصا حركة حماس، مديرة الظهر للمصالحة والوحدة الوطنية، وكان كل طرف يراهن أن ينجح ويتقدم مشروعه السياسي أو الجهادي مما يضعه في موقع القوة لإنهاء أو إخضاع مشروع الطرف الثاني، أو أن تأتي متغيرات إقليمية ودولية تنهي مشروع الطرف الثاني. إلا أن إسرائيل الصانعة الأولى للانقسام والمؤمِنة لاستمراره بالإضافة إلى تطور الأحداث الإقليمية والدولية أفشل كل المراهنات. فلا مشروع حل الدولتين أثمر دولة، ولا مشروع المقاومة ألحق بإسرائيل خسائر تجبرها على تغيير مواقفها وسياساتها أو الاستسلام لحركة حماس ومشروعها.

كانت سنوات الانقسام فرصة ثمينة لإسرائيل لتستكمل مشروعها الاستيطاني التوسعي وجعل إمكانية قيام الدولة في الضفة وغزة أكثر صعوبة، كما أن مفاعيل الانقسام امتدت للمجتمع والثقافة والهوية والتعليم، وتحوَّلت مناطق السلطة في غزة والضفة إلى ما يشبه الإقطاعيات يحكمها مبدأ (كل مَن في إيده له) ليس فقط ما بين الضفة وغزة بل وداخل كل منهما، حيث كل حزب أو مسئول على رأس مؤسسة يتصرف كما يحلو له دون خوف من محاسبة أو عقاب ودون مرجعية ناظمة. كما أن الانقسام منح مبررا إضافيا للدول العربية والإسلامية للتهرب من التزاماتها الأخلاقية والقانونية والسياسية تجاه الشعب الفلسطيني.

بعد تسع سنوات تتزايد القناعة لدى غالبية الأطراف الفلسطينية من القاعدة إلى القمة بضرورة المصالحة وأهمية الوحدة الوطنية. صحيح توجد جماعات مصالح مستفيدة من الانقسام إلا أن هذه الجماعات باتت مكشوفة ومكروهة ويشتد الخناق عليها سواء من الشعب الذي يزداد غضبه وقد يصل لمرحلة الانفجار أو من القيادات الوطنية الحريصة على المصلحة الوطنية والتي لا تقبل أن تضحى بالمصلحة الوطنية وبتاريخها الوطني تحت رِهاب جماعات فاسدة ومشبوهة أو خضوعا لأجندات خارجية. وصحيح أيضا أنه توجد الشروط والعقبات الإسرائيلية والشروط والمتطلبات المصرية، إلا أن الشرط الوطني هو الأساس إن لم يكن لإنهاء الانقسام السياسي والجغرافي فعلى الأقل لتهيئة الظروف لذلك، وتخفيف حدة الاحتقان ومنع الانزلاق نحو مزيد من الانقسام والتدهور.

تصريحات بعض الناطقين الإعلاميين الفلسطينيين وبعض القادة حول المصالحة وإنهاء الانقسام أصبحت أقرب للجدل البيزنطي أو السفسطائية من حيث المناكفات والاهتمام بالكلام والشعارات وتوليد الأفكار من الأفكار والرد على المقترح بالمقترح... دون كثير اهتمام بالوقائع على الأرض سواء هموم الناس ومعاناتهم أو تواصل الاستيطان الصهيوني أو المتغيرات العربية والدولية وتأثيراتها على قضيتنا الوطنية.

آخر مستجدات هذه السفسطائية، الجدل حول علاقة المصالحة بإنهاء الانقسام والشراكة السياسية، وما إن كان يجب البدء بالمصالحة وإنهاء الانقسام الحكومي والمؤسساتي؟ أم البدء بالشراكة في منظمة التحرير؟ وما إن كانت المصالحة تعني إنهاء حالة الفصل ما بين الضفة وغزة؟ أم هناك مصالحة مع استمرار انفصال غزة عن الضفة؟. أيضا الجدل حول العلاقة بين المصالحة والتسوية السياسية.

من المؤكد أن المصالحة وإنهاء الانقسام والتسوية أمور مترابطة مع بعضها، كما ندرك تعقيد الملفات وصعوبتها وكثرة اللاعبين فيها من خارج الساحة الفلسطينية. كما أن جزءا من هذا الجدل يعكس عدم جدية في الخروج من مربع الانقسام، وحالة عجز عن مواجهة حقيقة ترابط هذه الأمور مع بعضها، كما يعكس وجود خلافات بشأن المصالحة داخل حركة حماس ما بين الداخل والخارج وفي الداخل ما بين العسكريين وبعض السياسيين، أيضا في منظمة التحرير بل وفي حركة فتح نفسها.

يبدو أيضا أن انعدام الثقة ما زال حاضرا عند الطرفين وما زال كل طرف يراهن على مشروعه الخاص وعلى متغيرات تجعله أكثر قوة في مواجهة خصمه السياسي. وهذا ما يتجلى مثلا في التصريحات الصادرة قبل أيام عن السيد إسماعيل هنية رئيس وزراء لحكومة الحمساوية المقالة. ففيما الحوارات تجري في الدوحة لتنفيذ اتفاق المصالحة، يعلن السيد إسماعيل هنية عن حصول تقدم في المفاوضات التي تجريها تركيا نيابة عن حركة حماس مع إسرائيل لفتح ميناء غزة ويتحدث عن القدرات العسكرية لحركة حماس، وقوله أيضا بأن المصالحة لا تعني إنهاء الانقسام، بمعنى أن المصالحة لن تنهي من وجهة نظره سيطرة حماس على قطاع غزة!وفي ظني أن هذه رسالة من حماس الداخل تعبر فيها عن عدم رضاها عما يجري في الدوحة.

حتى نكون أكثر وضوحا وصراحة نقول بأن المصالحة الوطنية الفلسطينية في ظل المعطيات والمواقف والتحالفات الراهنة لن تؤدي لنهاية الانقسام – إن كان المقصود بإنهاء الانقسام إعادة توحيد الضفة وغزة في إطار حكومة وسلطة واحدة والتواصل ما بين غزة والضفة- بل هي عامل مساعد وضروري لتحقيق ذلك. إنهاء الانقسام بمعنى إعادة توحيد غزة والضفة في إطار سلطة وحكومة واحدة مرتبط بالتسوية السياسية ومرتهن بها بنفس درجة ارتباطه بالمصالحة الفلسطينية.

وحدة غزة والضفة في إطار سلطة وحكومة واحدة ليس معطى تاريخي أو أمرا كان واقعا نتيجة إنجاز أو أرادة فلسطينية خالصة حتى نستعيدها بإرادتنا واتفاقنا مع بعضنا البعض.فلم يسبق أن كانت دولة في غزة والضفة، أو كانت غزة والضفة متحدتان ومتواصلتان إلا في ظل الاحتلال. مشروع التسوية هو الذي أقام السلطة والحكومة عام 1994، والسلطة منبثقة من اتفاق أوسلو والحكومة حكومة سلطة أوسلو، هذه هي الحقيقة، أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا. وبالتالي فالمصالحة التي تُعيد توحيد غزة والضفة في إطار سلطة وحكومة واحدة لن تتحقق بدون تحريك ملف التسوية السياسية والالتزام بالاتفاقات الموقعة، إلا إذا امتلكنا القوة لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الضفة وغزة.

توحيد السلطة والحكومة في غزة والضفة في ظل موازين القوى الراهنة وفي ظل المشهد العربي والإقليمي لن يكون إلا في إطار مشروع التسوية. لذا فالمصالحة الفلسطينية في هذا السياق لم تعد شأنا فلسطينيا خالصا بل جزءا من عملية التسوية وجزءا من عملية إعادة ترسيم خريطة الشرق الأوسط الجديد.

لذا لا نتصور أن يتم الآن إنجاز مصالحة فلسطينية بعيدا عن الإستراتيجية الأميركية في المنطقة وعن تفاهم وتوافق ما بين مصر وقطر وتركيا وإسرائيل. ما نخشاه أن المصالحة الفلسطينية القادمة ستكون تحت رعاية أميركية وكجزء من التسوية الأميركية.

ولكن يوجد شكل آخر من المصالحة والوحدة الوطنية الحقيقية، مصالحة ليس على قاعدة الصراع على سلطة وحكومة ورواتب في ظل الاحتلال، بل على قاعدة المصلحة الوطنية العليا واستقلالية القرار الوطني عن أي أجندات خارجية. مصالحة توفِق ما بين العمل السياسي والدبلوماسي وما تم إنجازه في هذا السياق من جهة، وتوحيد الجهود الوطنية ميدانيا بطريقة عقلانية ومحسوبة للحفاظ على درجة من الاشتباك مع الاحتلال، والانتفاضة أو الهبة الراهنة فرصة يمكن البناء عليها في هذا السياق.

بديل ذلك استمرار الأمور على حالها من حيث وجود سلطة وحكومة في الضفة لها شرعية وطنية نظريا على الكل الفلسطيني وواقعيا على الضفة أو بعضها، وسلطة وحكومة لحركة حماس في قطاع غزة المحَاصَر مع هدنة أو حالة ألا حرب وألا سلم، انتظارا للمجهول القادم.

 

د. إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

 
د. إبراهيم أبراش
 
أرشيف الكاتب
أية تسوية سياسية الآن ستكون أسوأ من اتفاقية أوسلو
2017-06-22
رد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني
2017-06-17
بعد عشر سنوات: الانقسام لماذا؟ وإلى أين؟
2017-06-14
حركة حماس أمام اختبار صعب
2017-06-01
ترامب يحصد نتائج ما زرعه أوباما
2017-05-22
مخاض الانتقال من الانقسام إلى الانفصال
2017-05-19
الاحتلال بدأ مع نكبة 48 وليس مع نكسة 67
2017-05-14
حركة حماس ومشروع 'غزة أولا'
2017-05-09
وثيقة حماس: خطوة إيجابية تحتاج لإثبات جدارة وطنية
2017-05-05
المثقفون والمبدعون لا يتقاعدون
2017-04-24
المزيد

 
>>