First Published: 2016-03-04

جهة مصرية للرد على المغالطات

 

ما عاد ينفع في عالم اليوم مبدأ 'دع القافلة تسير والكلاب تنبح'.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

لم تعد الحرب بمعناها التقليدي تحتل مكانا كبيرا في معارك تكسير العظام بين الدول، لأن الأشهر الماضية كشفت لنا عن أنواع مختلفة من الحروب، تندرج تحت مسمى الجيل الرابع والخامس، وغيرها من التصنيفات المتعددة، ومعظمها تعتمد على الوسائل التكنولوجية الحديثة، التي نجحت في أن تتسرب وتنتشر وتؤثر على بعض القرارات والمواقف السياسية.

هذا الجيل من الحروب يصعب تجاهله، لأنه أوجد لنفسه مكانا في كثير من المظاهر التي نحياها، فيكفي أحدهم أن يجتزئ جانبا من كلامك ليجعلك، كذابا أو منافقا أو حتى أراجوزا، وربما جميعهم في آن واحد، ويكفي أن يطلق آخر شائعة تنتشر كالنار في الهشيم، وعندما تتحرك وتبادر بالإطفاء، تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، فمطلوب محو العار الذي لحق بك أولا، ثم إعادة تصحيح الصورة.

الفترة الماضية شهدت سيولا من المعلومات المغلوطة، والبيانات التي تحتاج لمزيد من التوضيح، وبدت الشائعات منهجا لتوسيع نطاق الارتباك في ربوع الدولة، على المستوى الرسمي والشعبي، وأصبح اللغط منهجا منظما، ولم تستطع أي جهة ملاحقته، لأن من يقفون خلفه يتحركون بسرعة شديدة كالبرق، ومن يطاردونه يجرون وراءه مثل السلحفاء.

لقد تراكمت مجموعة كبيرة من الأحداث والتطورات، خارجيا وداخليا، مست جميعها مناطق ضمن عصب الدولة، وكشفت عن عجز فاضح في بنيان بعض المؤسسات، فضلا عن غياب الرؤية، والافتقار للحكمة والحنكة، حيث أصبح المجال مفتوحا على مصراعيه لزيادة جرعات الافتراءات التي لها علاقة بقضايا جوهرية تتعلق بصميم الأمن القومي، بعد أن تيقن أصحابها أنه لا حياة لمن تنادي.

على المستوى الخارجي، بثت وكالة رويترز للأنباء الثلاثاء خبرا، يشتم من رائحته للوهلة الأولى أنه غير دقيق، وغرضه تخريب علاقات مصر مع إيطاليا، حيث تداخلت فيه المصادر المعلومة مع المجهولة، مع أخرى مثيرة للجاذبية بصورة واضحة، مفاده أن الدكتور هشام عبدالحميد رئيس الطب الشرعي ألمح أمام النيابة إلى أن الأمن المصري يقف خلف مصرع الشاب الإيطالي ريجيني الذي وجدت على جثته آثار تعذيب استمر أياما عدة، والذي ربطت الحكومة الإيطالية مصير علاقتها مع مصر، بمعرفة الجهة التي ارتكبت الجريمة.

طار الخبر إلى كثير من المواقع الالكترونية، ولف العالم بسرعة متناهية، ولم يقف الجميع للتدقيق في منطق الكلام، ولم تبادر الجهات الرسمية بدحض الافتراء سريعا، مع أن الدكتور عبدالحميد لم يدل بأقواله أصلا أمام النيابة، وزعمت الوكالة عندما حاولت الاتصال به أنه لم يرد عليها.

قبل هذا الخبر بأيام نشرت جريدة الغارديان البريطانية تقريرا عن سوء الأجواء أمام الحريات في مصر، واستندت إلى معلومات متناثرة غير مترابطة لكنها حقيقية، وقدمتها في سياق يوحي أن مصر تعيش مذبحة ممنهجة للحريات.

ومع أن المصدر الذي استندت عليه الصحيفة أكد لاحقا أن 70 في المئة من المعلومات التي حواها التقرير غير دقيقة، إلا أن صوته لم يلتفت إليه أحد، وظل موضوع الجارديان يتنقل من مكان لآخر، دون أن تتولى جهة رسمية الرد على ما حواه من مغالطات.

خذ أيضا القضية المثيرة للجدل التي أثيرت، عقب زيارة وفد حزب الله اللبناني للقاهرة، لتقديم واجب العزاء في الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل، حيث نسجت عليه بعض وسائل الإعلام قصصا كثيرة، تدور حول قيام الأعضاء الثلاثة للوفد بعقد لقاء سري مع جهات مصرية سيادية.

ولأنه لم يتقدم مسؤول بنفي ذلك، جرى استغلال الزيارة لضرب العلاقات بين مصر والسعودية في مقتل، عندما تم تصوير المشهد على أن اللقاء المزعوم يعني تخلي القاهرة عن الرياض، في وقت تزايدت فيه خلافات الأخيرة مع لبنان، بسبب توجهات حزب الله وعلاقته المريبة بإيران.

مضى السيناريو في طريقه، حتى أن أحد الكتاب العرب نسج من خياله مقالا أوحى فيه بسوء التقديرات المصرية، منوها إلى جرائم ارتكبها أعضاء تابعين للحزب في مصر، كل ذلك انتشر ولم يتقدم شخص لنفي حدوث لقاء بين وفد حزب الله وأي جهة رسمية، وبدا الأمر كأنه بعيد عنا، وفسر الصمت على أنه حقيقة.

على الصعيد المحلي، حدث ولا حرج، فقد تزايد توظيف الأخطاء بطريقة مثيرة للغضب، وتم استغلال بعض الوقائع بشكل يدل على ارتفاع حجم التربص، وتصيد الفرص، التي تؤكد أن هناك ارتباكا في الجهاز الإداري للدولة، فمن حكاية الطفل صاحب السنوات الأربع الذي حكم عليه بالسجن، إلى قصة السجادة الحمراء، وحتى قصص عكاشة والسفير الإسرائيلي، لم نجد جهة تسارع على الفور لتفنيد كل ما يتردد حول هذه الموضوعات، وإن وجدت في حالة الطفل والسجادة مثلا، كان الرد متأخرا، بعد أن أضحى عدد كبير من المواطنين مقتنعا بالانطباعات التي ترسخت في ذهنه أولا.

ومع أن عكاشة، أشار صراحة إلى موافقة جهات رسمية على اللقاء، وحاول توريطها، غير أن أحدا لم يتقدم للرد عليه، ودخلت القضية الجادة مجال المهاترات.

لذلك المسألة لا تحتمل رفاهة التلكؤ والانتظار، بل تستوجب الإمساك بزمام المبادرة، لأنه معروف أن الصورة الذهنية الأولى تدوم أكثر، فما بالنا إذا لم يتم الرد عليها، أو جاء الرد متأخرا؟

من الضروري تغيير الطريقة التي يتم التعامل بها مع المعلومات والشائعات التي تنهال على رءوسنا جميعا ليلا ونهارا، بغرض زيادة مساحة اللغط، والسعي إلى هدم الدولة، التي فشلت في النيل منها جحافل الإرهاب، ويجب ألا تأخذنا العزة بالإثم، ونستهين بما يدور حولنا وهو في صميم أمننا، ونردد المقولة الساذجة "دع القافلة تسير والكلاب تنبح"، فقد أصبح النباح خطرا، ليس لأنه يضاعف الشوشرة، لكن لأنك إذا تركت الكلب ينبح دون أن ترده أو تصده، سيتجرأ ويبادر بالهجوم عليك.

مطلوب جهة رسمية، مهمتها الأساسية الرد على ما يتردد من بيانات ملتبسة أو شائعات مغلفة بقدر من الوقائع الحقيقية، في الداخل والخارج، جهة مجهزة علميا تتوافر لها جميع المعلومات الصحيحة، ولها صلاحيات مطلقة لتفنيد المغالطات أولا بأول، قبل أن تتضخم وتتحول إلى كرة لهب، قد تصعب السيطرة عليها.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
المزيد

 
>>