First Published: 2016-03-31

لمصر.. الآخر ليس شيطانا ولا ملاكا

 

لا تستطيع مصر ان تواجه النظرة النمطية للآخر ضدها بتبني نظرة نمطية معاكسة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

للمرة الثانية أجد نفسي على منصة إدارة ندوة حول كتاب "الآخر بين الرواية والشاشة" للكاتب والأديب محمد رفعت بمكتبة الإسكندرية مساء أمس الأول، وكانت المرة الأولى بمقر نقابة الصحفيين في القاهرة، وفي المرتين كان الجمهور يقظا وذكيا ومدركا لطبيعة النص الذي يحضر مناقشته، حيث خرج من الإطار السينمائي والروائي الذي قصده المؤلف، إلى السياسي والفكري والثقافي بمعناه الشامل.

وإذا كان مؤلف الكتاب قدم توثيقا مهما للأعمال السينمائية بشكل خاص التي تعرضت لصورة الآخر عند المصريين، وتشعب منها إلى الأسباب والظروف التاريخية التي فرضت كل صورة، فإن حضور الندوتين قام بجرنا للحديث عن كثير من المفارقات، أو بمعنى أدق التناقضات التي تحكم نظرتنا للآخر، وهي غالبا مليئة بالثغرات والفجوات، وكشفت لأي مدى نحن مغرضون ومنافقون وغير منصفين، وربما لا نجيد أو نحسن قراءة الواقع جيدا، بل ومحكومون (غالبا) بنظرة قاصرة، وصورة نمطية مشوهة عن الآخر، سواء أكان عملا أدبيا، أو إنتاجا ثقافيا وفكريا، أو موقفا سياسيا، وأحيانا تصل ببعضنا المبالغة للتشكيك في تطورات علمية بريئة ومذهلة، ونتصور أنها جاءت من أجل استهدافنا وتدميرنا.

هذا المدخل يقودني للتوقف عند مجموعة من المفارقات التي طفت على السطح خلال الأيام الماضية، وكشفت عن أخطاء ساذجة في طريقة تعاملنا مع الآخر في ملف حقوق الإنسان، فقد استوحى البعض تصوراته السابقة عن الغرب، وكال التراب على جميع المنظمات الحقوقية الدولية، وفي إطار دفاعه المستميت، عن مصالحه أصلا، وليس مصالح الدولة المصرية، ألصق بها جملة من التهم المنطقية وغير المنطقية، انطلاقا من الرؤية المعلبة التقليدية، التي تضعنا في صف المتفوقين، وأن الآخر يحجب عنا سبل التقدم.

قدم هؤلاء، وسط اندفاعهم من حيث لا يدرون، مبررات كثيرة لهذا الآخر ليؤكد اتهاماته بأن "هناك انتهاكات في مجال حقوق الإنسان في مصر". فقد قدمنا، رسميا وإعلاميا، ردودا مشوهة لكثير من الوقائع التي تحتاج لدحضها. ولعل التخبط الذي شاب حادث مصرع الشاب الايطالي جوليو ريجيني، دليلا دامغا، والارتباك الذي صاحبها، بدءا من الرواية التي خرجت أولا وقالت أن مصرعه جاء بسبب حادث سير، ومرورا بالشاهد الزور، وحتى عصابة خطف الأجانب، التي وجد بحوزتها متعلقات خاصة بالشاب الايطالي، جميعها تعزز الشكوك التي راودت بعض الجهات الغربية بشأن مقتل ريجيني.

نظرتنا النمطية للآخر، وقلة خبرة بعض المسئولين، أو استهانتهم بما يدور حولنا في فضاء حقوق الإنسان والدور الذي تلعبه المنظمات المدنية، تكاد تورطنا في فضيحة عالمية، وربما تفوت فرصة كان من الممكن توظيفها لدحض الكثير من الافتراءات التي تتردد في هذا المجال، الذي أصبح يحظى بأولوية في أجندات دولية متعددة، لأن تأثيره على مشاعر الناس قوي، ويؤدي إلى نتائج سياسية مؤثرة، بالتالي فالتركيز عليه واستثماره عالميا لم يأت من فراغ، بل اخترع لتحقيق أهداف معينة، وخطؤنا أو جهلنا، يمكن أن يتسبب في زيادة حدة المشكلات.

يمكن أن تقول ما تشاء عن التحديات التي تواجه مصر، ويمكن أن تتحدث إلى ما لا نهاية عن المؤامرات التي تحاك، لكن لا هذه أو تلك سوف تنجح ما لم تجد البيئة الحاضنة التي تساعدها على التفوق، البيئة الخصبة الحافلة بالأخطاء، دون أن تستفيد من التجارب السابقة.

لذلك فالرواية الأخيرة التي قدمت وأشارت إلى القبض عن قتلة الطالب ريجيني شرعت الباب لطرح أسئلة أكثر مما قدمت من إجابات، وفتحت الطريق للتشكيك في أي رواية صحيحة قادمة، وأخشى أن أقول أنها ألصقت بمصر تهمة لا تستحقها على الإطلاق.

الإنصاف يقتضي الإشارة أيضا إلى أن الصورة النمطية القاتمة عن الآخر، تنسحب أيضا على رؤية منظمات حقوق الإنسان للحكومات المصرية المتعاقبة، والتي كان سجلها حافلا بالانتهاكات، الأمر الذي منح التقديرات المتضخمة حاليا جزءا من الثقة فيها، فالميراث العميق في هذا المجال غير إيجابي بالمرة، وهو ما منح النغمة التي يتم تداولها حول وجود انتهاكات جانبا معتبرا من التأييد، وفي وقت لم نستطع تقديم ردود مقنعة، ولم نعمل على الترويج لرؤية تعكس أبعاد حقيقية مناهضة، يقوم آخرون بتقديم بيانات ومعلومات وقص روايات، بصرف النظر عن دقتها، لكنها تساعد على ترسيخ مبدأ وجود الانتهاكات.

فهم عقلية الآخر، أحد المداخل الرئيسية لتحديد سبل التعامل معه، فهو يبدو عند البعض متآمرا، وحتى لو كان ذلك صحيحا، فإنه لا يأتي من فراغ، بل يخرج من رحم أننا نقدم المسوغات اللازمة للتدليل على وجهة نظره، فكم من التطورات التي حصلت فعلا وجرى بناء مواقف حقوقية أو سياسية صادمة عليها؟ وكم من الأحداث التي وقعت تدعم الرؤية السلبية في مجال حقوق الإنسان عندنا؟ وكم من التصرفات التي قدمت تفسيرات جاهزة لكثير من الاتهامات التي كانت تتردد على استحياء؟

أعلم أن شابا تم احتجازه لحوالي شهرين، وخلال فترة الحبس الاحتياطي، كانت كل المعلومات التي خرجت على لسان محاميه، تقول أنه يتعرض لتعذيب مبرح، وحقوقه الآدمية مهدرة تماما، وأنه أوشك على الموت، وعندما خرج سالما وبصحة جيدة، سئل عن أسباب تقديم صورة سيئة لما حدث معه في أثناء فترة الاحتجاز، فقال بلا مواربة حتى تتحرك منظمات حقوق الإنسان الدولية، وتضغط على الحكومة المصرية، فتشعر الأخيرة بالحرج وتفرج عنا؟

لم أقصد بهذا النموذج تبرئة الحكومة المصرية أو إدانة المنظمات الحقوقية، لكن قصدت أن هناك تلوينا متعمدا يحدث لأغراض معينة، وهو في اعتقادي معروف لغالبية المنخرطين في هذا الملف، لذلك فالتعامل معه يحتاج إلى نظرة فاحصة، لا تجعل الآخر شيطانا أو ملاكا، وتستفيد من النتيجة التي توصل إليها صديقي محمد رفعت مؤلف كتاب" الآخر بين الرواية والشاشة" وهي ضرورة التخلص من الصورة النمطية عن الآخر، لأنه سواء كان فردا أو جماعة، في النهاية ينتمي إلى فصيلة البشر، بحلوها ومرها.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
المزيد

 
>>