First Published: 2016-08-30

الفلاح محمد الخلف أكثر وعيا وشجاعة من المثقف العراقي

 

سلطة الماضي في مجتمعنا الاصولي مطلقة. الشيخ الجليل الذي يتحدث على الفضائية، يعادل في تأثيره جميع المثقفين العرب مجتمعين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

تقع على المثقف العراقي اليوم مسؤولية أخلاقية كبيرة. فمشكلة التطرف أصبحت عالمية. كان الحلم بانضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي، فذلك بمثابة مصالحة ممكنة بين الاسلام والحداثة، إلا أن ذلك لم يحدث، والانقلاب العسكري الأخير كشف عن خصومة جوهرية بين العالم الحديث والاخوان المسلمين. وبوجود داعش في العراق والشام لا أمل لنا الا بالخليج ومصر والمغرب الكبير لإيجاد حلول عربية للمحنة.

إن التنوير في ألمانيا لم يظهر الا بعد حرب الثلاثين عاما (1618-1648) وهي الحرب التي اكتسحت البلاد والعباد ودمرت ما لا يقل عن ثلث السكان. بعدئذ أخذ المثقفون الألمان يطرحون السؤال: لماذا نقتل بَعضنا بعضا على الهوية؟ لماذا يحقد الكاثوليكي على البروتستانتي؟ وهو السؤال الذي يجب أن يبدأ بطرحه المثقف العراقي على نفسه.

لعل سلطة الماضي في مجتمعنا الاصولي مطلقة. فالشيخ الجليل الذي يتحدث على الفضائية، يعادل في تأثيره جميع المثقفين العرب مجتمعين. إن العلمانية العربية لا تستطيع هزيمة الأصولية الدينية العملاقة بمفردها. المكان الوحيد الذي هُزمتْ فيه الأصولية الدينية هو الغرب. المثقفون الغربيون صارعوا الكنيسة لخمسة قرون وهزموها، وهؤلاء أنفسهم قد نزلوا للصراع مع الأصولية الاسلامية. كما نرى من تدخل ريتشارد داوكنز في نقد الاخوان المسلمين في تركيا، وبدأت الصحف الأميركية تترجم مقالاتها الى اللغة العربية.

المثقفون الأوروبيون الذين هزموا البابا وحاصروه بين الجدران بترسهم العلماني وسيفهم العقلاني نزلوا لمواجهة الأصولية الاسلامية. إن شعورنا بالانتماء يجعلنا ننزعج من صراع بين ثقافتنا وبين المثقف الغربي، ولكن ماذا نفعل اذا كان المثقف العربي ضعيفا؟

لماذا القلق من مشاركة المثقف الغربي؟ أليس الكاتب البريطاني هارولد بنتر أشهر من قاوم احتلال الولايات المتحدة للعراق ووصف جورج بوش بـ"القاتل بالجملة" وشبهه بهتلر؟ أليس تقرير تشلكوت الأخير أدان توني بلير على مشاركته بغزو العراق، وأثبت بالأدلة أن احتلال العراق وتخريبه كان خطأ؟

ثم كيف لا يتدخل المثقف الغربي في الحوار ضد التطرف الاسلامي؟ إذا كان هناك مسلم يقود شاحنة ويحولها الى سلاح يصدم بها المحتفلين بيوم الباستيل في فرنسا ويقتل 100 فرنسي؟ أليس الرئيس الفرنسي محقا بقوله إن ذلك اعتداء رمزيا على قيم فرنسا وثورتها التنويرية في العالم؟ أليس هذا عدوان على الفيلسوف هيغل والشاعر هولدرلين والفيلسوف شيلنغ العظماء الثلاثة الذين رقصوا فرحا حين سمعوا بالثورة الفرنسية، ونصبوا لها شجرة تيمنا بها أطلقوا عليها "شجرة الحرية"؟

من أهم أسباب الارهاب هو أننا أمة ما زالت مجروحة. فكيف أتيح للغربيين التفوق علينا ونحن مفضلون عند الله؟ ألسنا أصحاب الحق وغيرنا من أصحاب الضلال؟ ألم نكن مركز العالم في القرنين التاسع والعاشر في بغداد؟ ألم تكن القاهرة الفاطمية مركز العالم في القرن الحادي عشر ثم القاهرة المملوكية في القرن الثالث عشر؟ ألم تكن قرطبة المسلمة معجزة عمرانية وأكبر المدن في أوروبا.

لو تراجع خطابات الدولة الاسلامية خصوصا خطابات البغدادي والعدناني، فإنها تركز على هذا الجرح الحضاري القديم. فهم يشعرون بأنهم أهل الحق والإيمان وأنهم يبشرون العالم وليس العالم يبشرهم، ولا يريدون شيئا من الغرب سوى التكنولوجيا والمال. وهو موقف مشابه لليابان قبل الحرب العالمية، ذلك الموقف الذي أدى الى فاشية يابانية متغطرسة لم تنته حتى استسلام الإمبراطور بضغط القنابل النووية الأميركية.

إن معركة المرء مع تراثه من أصعب المعارك لأنها تعني عندئذ معركته مع وجدانه. أبو التنوير الأوروبي الفيلسوف ديكارت بدأ نقده الشهير بالعبارة التالية "كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى" أي أن على المثقف العراقي إعادة النظر في ذاكرته وطفولته ونقد الأفكار الخاطئة بشجاعة.

هناك نائبة عراقية عن محافظة البصرة اسمها سوزان السعد ليس لها سوى تصريح واحد يدعو الى تأسيس وزارة خاصة بزيارة المراقد الشيعية. حين تسمع بهكذا أشياء تشعر بعبثية الديمقراطية في العراق. من المعروف أن فرنسا لم تسمح للنساء بالتصويت حتى عام 1945 حين قرر ديغول السماح لهن بذلك. لقد انتظرت فرنسا 150 سنة بعد الثورة الفرنسية والحياة الليبرالية، حتى تحقق الوعي الكافي بالتعليم والتربية للتحول الى ديمقراطية، لا خوف منها على المبادئ الليبرالية لفرنسا.

لقد علمتني زيارتي الأخيرة الى لندن أشياء كثيرة. منها أن الحاج محمد الخلف الفلاح الذي كان يعيش في قرية نائية شمال البصرة شجع ابنته على الدراسة والسفور، وكانت الاستاذة هيفاء، تخرج بشعرها الجميل من منتصف غابات النخيل وتقف على الشارع العام كنشيد تنويري عظيم ثمانينات القرن الماضي. هذا الأب كان يطمح الى بناء مدينة مشابهة للندن وفانكوڤر في البصرة.

الحاج محمد الخلف يعرف بأنه لا جدوى من ديمقراطية طائفية تقودها النائبة عالية نصيف أو النائبة حنان الفتلاوي تلك التي تلعب بحجابها على الفضائيات وتنفث سمومها المذهبية. كان ذلك الفلاح البسيط رائدا عظيما مثله مثل الزهاوي والرصافي والجواهري وعلي الوردي. يستنبط الأرض ويحلم بمستقبل مضيء للعراق. هؤلاء هم عظماء الشيعة وليس الحكيم والصدر والمالكي. الفلاح محمد الخلف طيبة قلب الوطن، وكرامة العقل العراقي.

 

أسعد البصري

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
الضعف العربي والتوسع التركي والإيراني
2017-12-12
انحسار المد الطائفي في العراق
2017-12-04
المرأة السعودية جوهر الانتصار على التطرّف
2017-11-28
عتاب عراقي مرير
2017-11-20
نداء عربي إلى كردستان المحاصرة
2017-10-01
هل السنة العرب مع الأكراد؟
2017-09-30
جهاد النكاح في العراق
2017-06-13
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المزيد

 
>>